حوار مع الصحفي الإيطالي “أندريا ليوتي”

أجراه: بهزاد حاج حمو-عامودا

جذبتْ الثورة السورية اهتمام الإعلام الغربي بشكل لافت, وتوافد الصحفيون الأجانب إلى سوريا بطرقٍ عدَّة, بعضهم بموافقة رسميَّة, والبعض الآخر فضَّل العمل بشكل سرّي لإيمانهم بأن النظام لن يتيح لهم حرية التحرك وتغطية الأحداث على الأرض بمهنية وصدق. فتسلَّلوا إلى داخل سوريا عبر الحدود واستقرَّ بعضهم في المناطق المحررة وغير الخاضعة لسيطرة قوات النظام لمدَّة طويلة, حتى تُتاح له الفرصة لملامسة أوجاع الناس ورصد هذا التحول التاريخي في عمر البلاد والمنطقة عن قرب.
أندريا ليوتي صحفي إيطالي من مدينة ميلانو, يقيم في سوريا منذ أكثر من ستة أشهر. وبالتحديد في شمال محافظة الحسكة, مدينة /عامودا/ الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي PYD منذ صيف العام الفائت. وهو صحافي مستقل يعمل لصالح عددٍ من الجرائد والمجلات الإيطالية, الأوربية والأمريكية مثل (الأسوشيتد برس, المونتيتور, المجلة,  ,LIMES ,WOZ و وكالة أنباء الأمم المتحدة, بالإضافة إلى تقارير مصوّرة للتلفزيون السويسري RSI T.V).

التقينا (أندريا) في منزل أحد الصحفيين في عامودا, وكان لنا معهُ الحوار التالي:

هل هذه زيارتك الأولى لسوريا, وما الذي دفعك للمجيء إليها, في الوقت الذي أصبح ما يقارب النصف من عدد مواطنيها مشرَّداً بين نازح ولاجئ ومهجَّر ؟

كلا, إنها زيارتي الثانية لسوريا. دخلتُ الأراضي السورية بشكل “نظامي” بعد أسبوعين من اندلاع الثورة, بالتحديد في (29 آذار عام 2011). سكنتُ العاصمة دمشق مدة خمسة أشهر تقريباً, وعايشتُ انبلاجَ الصرخة السورية الأولى من حناجر الثوار المنادين بالحرية والكرامة. وكتبتُ مدَّة سنة كاملة عن الشأن السوري باسم مستعار.
لا ألوم الذين يهاجرون البلاد وخاصة من الشيوخ والأطفال, فهم مضطرون لذلك. لكني لا أخفي عتبي على الشباب الذي يترك بلاده في هذه اللحظات التاريخية من عمرها. أعتقدُ أن من لا يشارك في هذه المرحلة المفصلية في بناء وطنه سيخسر الكثير فيما بعد.

بما أنَّك عايشت الأيام الأولى من عمر الثورة السورية, ماذا تحدِّثنا عن البدايات, وما هي شهادتك عن تلك الفترة, ثم ماهي أكثر الأشياء التي جذبتْ انتباهك حينها, باعتباركَ مراقباً محايداً ؟

بعبارة واحدة: كان الحراك سلمياً بشكل مطلق, وكانت الهتافات التي يرددها الناس راقيةً جداً. لم أسمع طوال فترة وجودي, كلاماً طائفياً. بالمقابل شهدتُ قمعاً وحشياً لهذه المظاهرات السلمية, من قبل القوات الحكومية, خاصة في الشام القديمة. أيضاً بإمكاني أن أضيف شهادة أخرى لمستها بنفسي, وهي مسرحيات الإعلام الرسمي لتزوير الحقائق وتحريفها. (أحد أيام الجمعة, كنتُ جالساً مع صديقين في مطعم شعبي ننتظر وجبة فول, وخروج المصلين من الجامع لتبدأ المظاهرة في إحدى أحياء دمشق القديمة. فوجئنا بالتلفزيون الرسمي يصورنا, ومن ثم تحدَّث معنا أحد صحفيهم لنؤكِّد له أن الأجواء طبيعية. إلا أننا كنا نعلم أن بعد دقائق فقط ستنطلق مظاهرة من المسجد المجاور, وسيبدأ معها القتل).
وبالعودة لسؤالك عن أكثر الأشياء التي جذبت اهتمامي, فأقول: شجاعة النشطاء الشباب. أبهرني إصرارهم على حشد التأييد الشعبي للحراك في ظلِّ القبضة الأمنية والمخابراتية الشرسة للنظام السوري وحالة الخوف والحذر التي يعيشها المواطن في هذه البلاد. حاولتُ كثيراً أن أغوص في تفاصيل تحركات النشطاء لأتمكّن من فهم الديناميكية التي تحرِّكهم, وما هي مصدر قراراتهم, إلا أنني لم أتمكَّن من الوصول للحلقة المركزية التي كانت تصدر الأوامر كما خيِّل إلي, لأنهم ببساطة كانوا يتحركون بعفوية وحس ثوري مطلق. وهذا ما كان يربك أجهزة النظام أكثر.

كيف ترى الوضع الحالي الذي وصلتْ إليه البلاد, وكيف تقيِّم بالمقابل مسار الثورة السورية, وما هي أكثر الأعباء التي تثقلُ كاهلها ؟

بالنسبة لكل من لمس سلوك النظام السوري في البدايات لن يتفاجأ بالحالة التي وصلتْ إليها سوريا, فلم يتغيّر أداؤه مطلقاً, بل صعَّد من درجة العنف فقط. بالنسبة للحراك الشعبي فأعتقد أنه فقد الكثير من رونقه وبراءته. وباعتقادي أن أكثر الأشياء التي أضرَّت بمسار الثورة السورية هو الخطاب الطائفي والانحراف نحو العنف المضاد. لا يمكننا أن نهمل بالطبع مسئولية النظام نفسه عن هذا الانحراف, لكن بالمقابل علينا أن لا ننسى البعد التاريخي لهذا الصراع وخاصة في حماه 1982, أعتقد أن ما يحدث الآن هو امتداد تاريخي لتلك المجزرة المروِّعة. وما تلاها من شرخ طال البنية الأفقية للمجتمع السوري. والحرب الباردة التي استمرت عقوداً بين العلويين والسنة بشكل خاص, كانت بسبب كبت النظام لهذه المشاعر وتأجيل الحرب إلى يومنا هذا.

هل بإمكانك أن تشرح لنا النظرة الغربية-الشعبية- تجاه الملف السوري, وكيف تقيِّم أداء الحكومات الغربية تجاه هذا الملف ؟

المواطن الغربي غير مكترث بما يحدث خارج حدود بلاده في ظل سيطرة اليمين والبرغماتيين الذين يركزون على السياسية الداخلية عادة. (أذكر أنه بسقوط القذافي تساءلتْ القوى اليمينية: لماذا علينا أن نساهم في سقوط رجل يسجن المهاجرين غير الشرعيين إلى بلداننا ؟) في المقابل, عادةً ما تولي التيارات اليسارية في الغرب أهمية لقضايا الشرق الأوسط, وهذا التيار يرى في النظام السوري مقاوماً للإمبريالية وإسرائيل. بالتالي يحلل الأحداث لمناصريه من منظور الحكومة السورية نفسها.
والمؤسسة الثانية التي أثَّرت سلباً على تهيئة الرأي الغربي ضد الثورة السورية, أو التعامل معها بلامبالاة في أفضل الأحوال, فهي المؤسسة الدينية المتمثِّلة بالكنيسة. فبينما يموت أطفال المعضمية والريف الدمشقي جوعاً يُرسل البابا مجموعة أشخاص ليندبوا على حجارة الكنائس في معلولة “على أنغام تراتيل الأخوات المقدسة نسير وتحرسنا عين الرب” كما يردد هؤلاء الرسل في دربهم.
أما بالنسبة للأداء الرسمي الغربي: فلا تكف وسائل الإعلام الغربية, والتي هي من المفترض انعكاس لسياسة الحكومة وآراء المواطنين, عن ترديد عبارة (المشهد معقَّد) عندما تتناول الشأن السوري. هذا يعكس حجم الارباك والتردد الذي يخيّم على ممارسات الحكومات الغربية, التي ضربت عرض الحائط كل الأعراف والأخلاق الإنسانية وتعاملت مع المأساة السورية ببراغماتية ونفاق كبيرين.

هل تعتقد أن الإعلام السوريالمعارضتمكَّن من الانعتاق من المحرمات التي وضعتها أجهزة الرقابة الحكومية, واستطاع الانعتاق والانطلاق في أفق المهنية الإعلامية ؟

لا أعتقد ذلك, والسبب يعود إلى المال السياسي الذي يربط جميع فاعليات المجتمع ومنها الإعلام, بحلقة ضيقة قريبة من الجهة المموِّلة والتي تعتنق توجّهاً سياسياً تفرضه على هذه الوسائل الإعلامية. كذلك مثلاً بالنسبة للشبكات الإخبارية المعارضة في الداخل, والتي من غير المنصف مطالبتها التعامل بموضوعية ومهنية مع المجازر المروعة التي تحدث أمام أعين مراسليها والذين هم جزء من منظومة معارضة واحدة.
لا أنكر طبعاً أنه ثمة منشورات تحاول الانعتاق من هذه التابهوات التي تقيّد تحركها وتعيق مشروعها في بناء مؤسسة إعلامية حقيقية.

من خلال هذه الفترة الطويلة التي قضيتها في سوريا, وبالتحديد في المناطق ذات الغالبية الكردية, كيف تنظر إلى وضع المنطقة والصراع المسلح الحاصل بين القوات الكردية والفصائل الإسلامية في المعارضة, وما هي أفق هذا الصراع برأيك ؟ ثم كيف ترى وضع التيارات الجهادية في سوريا ؟

المنطقة هنا كغيرها من المناطق السورية مشحونة عرقياً وطائفياً, وهو أيضاً نتيجة للكبت الذي مارسه النظام على الانتماءات الأهلية الأولية. من خلال معايشتي ولقاءاتي المتكررة مع المواطنين الأكراد والعرب هنا, لمستُ حواجزاً عمرها عشرات السنين بين الطرفين. والمعارك الحالية بين القوات الكردية والتيارات الإسلامية “العربية” تجسيد لهذه المشاعر. وتسعى القوى الإقليمية وعلى رأسها تركيا من جهة, بدعمها للتيارات الجهادية في وجه نفوذ الأكراد, والنظام من جهة ثانية للاستفادة من هذا الصراع وتمرير أجنداتهم.
لكن أعتقد أن المعارضة المسلحة فشلتْ في حشد الدعم الشعبي لتحركاتهم داخل مناطق الأكراد.
أما بالنسبة لمستقبل القوى الجهادية والمتطرفة في سوريا, فلا يخفى على أحد تنامي هذه القوى وسيطرتها على العديد من المناطق السورية وتفوقها العسكري ودرجة التسليح والتمويل المرتفعة لديها. ولن أكرر كلام المنظرين السوريين المتفائلين بمستقبل بلادهم, لكني أقول, أن هذه القوى تستغل الفوضى الحالية, وعادة ما يحتمي الناس في الحروب بالطرف الأقوى, والتي هي في الحالة السورية المعارضة, التيارات الجهادية. لكن لا ارى أن هذه التيارات ستتمكن من الحكم في حالة استقرار المجتمع. وانتم تتابعون بين فترة وأخرى الحركات المناهضة لوجودها في البيئات التي يعتبرونها حاضنة لهم, كالرقة مثلاً. ويجب أن نذكر هنا الصدامات المحدودة, حتى الآن, بين هذه التيارات والفصائل المعتدلة من المعارضة المسلحة. هذا يعني عدم قدرة السوريين تحمّل الحكم الاسلامي المتشدد بذريعة إسقاط النظام.

هل ترى في جنيف2 فرصة حقيقية للحل, وكيف تقيِّم أداء المعارضة السورية ؟

لنبدأ من الشق الثاني للسؤال, أداء المعارضة السورية هزيل ومرتبك وهي الحلقة الأضعف في المعادلة السورية. وهذا يعود لعدم استقلالية وسيادة قراراتها وارتباطها بأجندات الدول الداعمة لفاعلياتها. ناهيك عن افتقادها لصلات حقيقية ووثيقة مع الداخل وما يحدث على الأرض السورية. بالتالي لن تتمكن المعارضة, حتى ولو تم ترتيب جنيف2 بالشكل الأمثل, من الاستفادة منه واللعب السياسي مع النظام الذي بات يملك ورقة المجتمع الدولي بعد تعامله باستسلام في ملف أسلحته الكيماوية.
لا أعتقد أن المؤتمرات ستتمكّن من تلبية طموحات السوريين لافتقاد الطرفين, المعارضة والنظام, لنقاط  تقاطع مشتركة بينهما. وأعتقد أن الحل الأمثل هو توجيه ضربات موجعة للقوات الحومية بموافقة مجلس الأمن, وبالتالي تغيير موازين القوى, الأمر الذي سيعوَّض ضعف المعارضة ويدفع النظام لتقديم بعض التنازلات.

كلمة أخيرة ؟

لن أخوض في الكلام الشاعري عن بطولات الشعب السوري, لكن باعتباري من جيل الحياة الجاهزة في أوربا, ولم أسمع عن قصص مقاومة التعذيب لأهداف سامية كالحرية مثلاً إلا في الكتب والروايات, فأن شجاعة السوريين أبهرتني. وجعلني إصرارهم أن أنادي معهم: حرية حرية.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً