أحمد طلب الناصر: السيطرة الإيرانية على سوريا.. قراءة في التفاصيل

 

أحمد طلب الناصر – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م
– البدايات والتوغّل:

بدأت السيطرة الإيرانية على سوريا ترسم خارطة طريقها منذ استلام الأسد الابن السلطة، ولكي تجد الحاضنة الشعبية كان لا بد لها من انتصار وهمي يشابه انتصار حافظ الأسد في حرب تشرين التي أوهم من خلالها السوريين بأنه أبو الممانعة والمقاومة، فكان “تحرير” جنوب لبنان عام 2000 وخروج الجيش الإسرائيلي منه عبارة عن حصان طروادة الذي أدخل حزب الله، ذراع إيران في لبنان، إلى الساحة السورية على أنه صاحب النصر الإلهي على الإسرائيليين وطاردهم من الأراضي المحتلة.
حصل ذلك “النصر” يوم 25 مايو من العام 2000 أي قبل موت حافظ الأسد وتوريث بشار السلطة في سوريا بأسبوعين، وكأن هذا المخطط كان جاهزاً، ولربما كان حافظ كان قد توفي قبل إعلان وفاته بأكثر من الأسبوعين المذكورين، من يدري؟
حقيقة، كان يُسجَّل لحافظ الأسد نقطة واحدة لصالحه، وهي عدم السماح لإيران أو جماعتها من حزب الله وغيره بالتدخل في الشؤون السورية رغم تحالفه المقدّس معهما، وذلك، ربما، لإدراكه تماماً مدى خطورة تدخّل إيران المباشر في البلد على طائفته أولاً وأخيراً قبل التفكّر في المكونات السورية الأخرى، وللحفاظ على علاقاته الحساسة مع دول الخليج والدول العربية الأخرى المعادية لإيران منذ حرب الخليج الأولى.
والحال، فقد استثمر حزب الله دون غيره من أحزاب وتكتلات لبنان هذا الانسحاب من الجنوب على اعتبار أنه صاحب الجنوب اللبناني بدون منازع، وكذلك ساندته وسائل الإعلام اللبنانية والسورية، بل وحتى الإسرائيلية!
وهنا، نال الحزب وسيده نصر الله شعبية واسعة في الأوساط السياسية والاجتماعية في سوريا، فغدا قلعة الصمود والتصدي وقلب العروبة النابض، وبدأت تترافق صور حسن نصر الله شيئاً فشيئاً مع بشار الأسد حتى ضمن القطع والتشكيلات العسكرية، وشهدتْ معظم الكليات والمدارس العسكرية السورية إقبال الكثيرين من ضباط الحزب، التابعين للجيش اللبناني بالاسم، لإقامة الدورات وتبادل الخبرات العسكرية، وقد شهدتُ بعض تلك الدورات حين خدمتُ في مدرسة المشاة بحلب عام 2002 قبل انتقالي إلى قطعة أخرى.
تتالت بعدها الأحداث بشكل مضطرد وسريع لتأتي عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري في العام 2005 وما تبعها من إخراج الجيش السوري من لبنان ثم حرب تموز في السنة اللاحقة. تلك الحرب التي فتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الإيراني المتمثل بحزب الله في سوريا. حيث فتح السوريون في جميع المدن دون استثناء منازلهم ومحالهم ومخازنهم ومؤسساتهم أمام اللاجئين من أتباع الحزب خوفاً عليهم من بطش القصف الإسرائيلي الذي طال بعض قراهم والضاحية الجنوبية في بيروت، ظنّاً منهم –السوريين- بأن الحزب وعوائله مستهدفون لأنهم رمز المقاومة والممانعة دون الانتباه بأن هذا المخطط عبارة عن احتلال بالخفاء ودون علم غالبيتنا، حيث أصدر بشار قراراً سمح بموجبه شراء اللبنانيين وتملّكهم العقارات السورية بدون قيود أو شروط، وظل هذا القرار سارياً حتى يومنا هذا. وبالعودة إلى العام 2003 وبعد احتلال العراق يذكر معظم السوريين كيف تم السماح أيضاً للعراقيين بشراء واستملاك العقارات السورية، فكان غالبية المالكين من شيعة العراق دون التنبّه إلى ذلك. في دمشق مثلاً قامت محاولات حثيثة لشراء أماكن سياحية وتجارية مشهورة على مستوى العاصمة السورية وتم إغراء مالكيها بمبالغ تعدّت نصف المليار من اليرات السورية للعقار الواحد (10 مليون دولار في ذلك الوقت)، ومنها ما تم بيعها ومنها من لم يقبل صاحبها، وسرت شائعات في تلك الأيام حول شراء مقهى الروضة المشهور ومحل بكداش لبيع البوظة في سوق الحميدية بأسعار وصلت إلى 900 مليون ليرة سورية!
وبعيداً عن تلك الصفقات المخفية نأتي الآن إلى الاتفاقيات التجارية والصناعية بين حكومة النظام وإيران..

– في الاقتصاد والصناعة:

بالتزامن مع الانفتاح الاقتصادي الذي جاء يه بشار الأسد وسمح بموجبه استيراد جميع أنواع السيارات وفتح معارض عديدة لها ثم خفْض نسبة جماركها قام بإغراق الشارع السوري بسيارات الـ “السابا” أو “السايبا” الإيرانية المصدر نتيجة رخصها بالنسبة لغيرها، ولتسهيل الحصول عليها من جهة أخرى بسبب إمكانية المواطن سحب قرض من البنك للحصول عليها ثم تشغيلها واستثمارها كسيارة “تاكسي” للعموم. هذه الخطوة كانت كفيلة بربط الموظّف السوري طيلة خدمته العملية بأقساط البنك ما جعل أكثر من نصف الموظفين عبارة عن مدانين مزمنين خاصة وأن صاحب القرض بحاجة إلى كفيلين دائماً لإتمام صفقة القرض. في النهاية فإن القيمة العليا من أقساط تلك السيارات تصب في الخزانة الإيرانية.
الأخطر من خطة تلك السيارات كانت اتفاقية تصنيع وتجميع سيارات “شام” بتعاون إيراني- سوري وإنشاء معمل تصنيعها في مدينة عدرا بريف دمشق.
كذلك تزامن طرح أول دفعة لتلك السيارات مع فتح باب القروض لشرائها بما يغطي نحو 60% من كامل قيمتها بالإضافة إلى توزيعها بشكل شبه كامل على دوائر الدولة المختلفة ليركبها المدراء ونوابهم ورؤساء الأقسام كونها تعتبر صناعة “وطنية خالصة” رغم أن سعرها يقارب سعر السيارات الكورية والصينية وبعض الأوروبية القديمة الطراز، ومصروف وقودها مرتفع جداً مقارنة بالسيارات الأخرى.
أما ما يتعلّق بالمدن الصناعية الكبرى التي دأبت حكومة النظام على إنشائها، وخاصة مدينة “حسيا” الصناعية التابعة لمحافظة حمص، والتي كان من المقرر أن تحتل المواد والقطع والصناعات الإيرانية النسبة العظمى منها، فقد وصل الاستكتاب على شراء أمتار موقعها إلى الـنصف مليون ليرة للمتر الواحد، وهذا على المخطط وقبل وضع حجرة واحدة.

– في العقارات وانتقالها إلى الموالين والشيعة:

منذ ما يقارب أربعة أعوام تقريباً سادت حركة نقل وبيع العقارات داخل المدن التي يحكم عليها النظام قبضته الأمنية، وخاصة تلك التي تقطنها نسبة من طائفته (العلوية)، حيث تتم عمليات البيع ونقل الملكية بطرق الترهيب والترغيب من أصحابها الأصليين (السنّة) إلى المشترين، وغالباً ما يكونون علويين وشيعة سوريين أو شيعة لبنانيين وعراقيين، وجميعهم مدعومون من إيران، ونخص بذلك أحياء مدينة حمص القديمة التي استولى عليها النظام بشكل كامل بعد حصارها وتجويع أهلها ومن ثم إخراجهم منها على إثر الاتفاق الذي جرى بين النظام السوري والأمم المتحدة، والذي قضى بإخراج من تبقى بداخلها من مدنيين، وعناصر الجيش الحر بعد تسليم أسلحتهم وترحيلهم إلى الريف الشمالي للمدينة. هذا بالإضافة إلى الأحياء المحيطة بالمدينة القديمة، والتي تم تدميرها بالكامل تقريباً مثل بابا عمرو والبياضة والخالدية والغوطة وأجزاء من الوعر، كذلك ضمن الأحياء التي كان يتشاركها أبناء الطائفتين السنية والعلوية كالإنشاءات وعكرمة ووادي الذهب والزهراء وغيرها.

وتتم عمليات البيع والشراء إما بشكل مباشر في حال كان صاحب العقار متواجداً في مناطق النظام، أو من خلال محامين وسماسرة مختصين بهذه المسألة إن كان صاحب العقار نازحاً أو مهاجراً أو هارباً ومطلوباً من النظام.

في كل الحالات فإن أحياء حمص “المعارِضة” قد خلت من سكانها، وبالتالي هي عرضة للاستيطان شاء أهلها أم أبوا، ولكن مخطط تفريغ العقارات بالشكل الرسمي المكتوب والمسجّل قانونياً يضمن ملكيتها مستقبلاً في حال مطالبة أصحابها بها، وهذا ما يرنو إليه نظام الأسد لإضفاء شرعيته وشرعية “طائفته” في امتلاك المدينة، ومن بعدها “الإقليم” المرسوم في خارطة تقسيم سوريا “السياطائفية”.

وليست مدينة حمص هي الوحيدة التي تشهد هذا النشاط، بل تخطتها إلى أحياء حلب والعاصمة دمشق. ففي حلب شهدت في البداية الأحياء المحاذية لمناطق النزاع بين نظام الأسد والمعارضة، والتابعة لسيطرة الأول، حركة بيوع العقارات وبعض المصانع والمعامل أيضاً لأطراف مؤيدة ومرتبطة بالنظام من أبناء الطائفة السنية أو الأرمن وغيرهم. الشيء الذي أدّى إلى انتقال النشاطين الصناعي والتجاري للحلبيين وظهوره بشكل جلي على الأراضي التركية أو في مصر، وهكذا الحال أيضاً لبعض الدمشقيين من أصحاب رؤوس الأموال الذين صفّوا جميع مصالحهم بدمشق وباعوا أملاكهم وانتقلوا بأعمالهم إلى دول الجوار كلبنان وتركيا.

وبعيداً عن أصحاب رؤوس الأموال نأتي الآن على ذكر المواطنين الدمشقيين سكّان الأحياء القديمة الممتدة بين أبواب دمشق السبعة وخاصة أحياء القشلة والشاغور والأمين، وجميع الحارات المحيطة بالجامع الأموي، حيث يقوم النظام بالضغط عليهم ومضايقتهم بالعديد من الوسائل والأساليب من بينها الطلب منهم التطوع ضمن ما يسمى جيش الدفاع الوطني واللجان الشعبية أو ملاحقتهم للخدمة في صفوف احتياط جيش النظام السوري ما دفع العديد من العائلات، وبعلم النظام وتسهيلاته، إلى بيع منازلهم وممتلكاتهم إلى بعض الأسر الشيعية الدمشقية أو الإيرانية التي منحها النظام السوري هويات سورية في الفترة الأخيرة استعداداً لتوطينهم.

ترافق كل ذلك مع النشاط المسعور للطقوس الشعائرية الشيعية داخل تلك الأحياء في معظم مناسباتهم (اللطمية)، وقد بثت العديد من القنوات والمواقع العنكبوتية مشاهد عدة لتلك الطقوس الغريبة على الدمشقيين بشكل خاص والسوريين عموماً، ولم يُستثن الجامع الأموي وباحته من ممارستها، وسوق الحميدية الذي أنشأه العثمانيون في قلب دمشق.

– في التعليم:

أضف إلى ما سبق، افتتاح العديد من الحسينيات والحلقات الدعوية الشيعية التي تستغل أطفال الأحياء الدمشقية لتعليمهم مبادئ التشيّع وإلحاقهم بمدارس ومعاهد خاصة أنشأت خصيصاً لهذه الغاية بموافقة ومباركة وزارة أوقاف ومفتي النظام، ورئيسه الذي أصدر مرسوماً بتاريخ 28-9-2014 يقضي بموجبه افتتاح مدرسة “شرعية شيعية” للذكور والإناث لتدريس المذهب الجعفري الذي لا يختلف عن الاثني عشري إلا بالتسمية الاعتبارية إن صح التعبير، كما أن الأسد طالب كافة المسؤولين والمدراء بالمؤسسات التعليمية البدء بتعليم الطلبة المذهب الشيعي بالمدارس..

كل تلك الخطوات الممنهجة لمحاولات صبغ المجتمع السوري الخاضع حالياً لسيطرة النظام، سبقها، وقبل اندلاع الثورة بأكثر من خمس سنوات، تدريس اللغة الفارسية في الجامعات السورية على اعتبارها إحدى اللغات المهمة والمنتشرة في العالم الحديث.

– في الجيش ومناطق السيطرة:

أما من الناحية العسكرية، فقد بدأت التشكيلات العسكرية الإيرانية، منذ اللحظة الأولى لتواجدها، تحل شيئاً فشيئاً مكان جيش النظام في معظم مواقعه الخارجة عن سيطرة الثوار، أهل الأرض، وقد بدأت تلك الميليشيات الشيعية بالفعل، بتنفيذ المجازر والمذابح الفردية والجماعية بحق السوريين في معظم المناطق التي استولوا عليها لا سيما في أحياء ومناطق دمشق الجنوبية المحيطة بمقام السيدة زينب، وفي النبك والقلمون، أو في قرى وبلدات ريف حلب.. وكل يوم كان يظهر أحد مسؤولي إيران على الإعلام ليعلن بأنهم أرسلوا أو سيرسلون الآلاف إلى الأراضي السورية للدفاع عن النظام بحجة حماية العتبات المقدسة.

كل هذا ناهيك عن عشرات القرى النائية في المحافظات السورية التي استغلت إيران فقر أهلها ودفعت لهم الزهيد من النقود ليقيموا فيها الحسينيات ويوزعوا عليهم كُتيّبات صغيرة تشحنهم بقصص مقتل الحسين على أيدي الذين قاموا بالثورة لاحقاً! وتلك القرى الفقيرة، والمنتشرة في جهات سوريا الأربع، قد تم تجييش أبنائها منذ الأيام الأولى لقيام الثورة ليشاركوا جيش النظام في قمع وقتل الشعب السوري.

شاهد أيضاً

اسعد حيدر: إلى اللقاء في جنيف -٩

  اسعد حيدر: المستقبل انتهى العام ٢٠١٧ او يكاد ، وما زالت سوريا الجريحة، آسيرة …