نهاد قلعي الثاني عشر : المنحوس والمكدوس

نهاد قلعي الثاني عشر – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

كعادته، كلما استلم معاشه المحدود في نهاية الأسبوع، توجه “أبو إيمان” نحو سوق “الفاتح” بإسطنبول بعد أن أنهى عمله المضني في ورشة الخياطة عسى أن يبتاع بعض الحاجيات لزوجته وبناته الأربع اللواتي ينتظرنه في المنزل على أمل أن يحظر معه ما يسر خاطرهن من الفاكهة أو القهوة والحلويات السورية التي أصبحت تنتشر في إسطنبول انتشار بائعي قناني الماء البلاستيكية. لكن أبو إيمان كان فاشلاً باختيار وانتقاء الفاكهة وأصناف القهوة والحلويات واللحوم وبقية الأغذية، لذلك غالباً ما كان يترك المعاش لزوجته لتقوم هي بالمهمة.

منذ أن وعي على الدنيا في قريته بريف حلب الشمالي، كان أبو إيمان هذا يحب (المكدوس) لدرجة أنه يعتبره وجبة رئيسية بحد ذاتها، ولطالما  نصح أصدقاءه بأن لا تغيب هذه المادة عن موائدهم ووجباتهم الرئيسة فغالباً ما كان يبدأ بصحن المكدوس ثم يلتفت إلى الصحون الأخرى في كل عزيمة إفطار أو عشاء. ولكثرة ما كان محبوباً من قبل أصدقائه فقد كانوا يدللونه كثيراً حيث يضعون أمامه أكثر من خمس حبات في الصحن الواحد ويقربونه له.

ومن أكثر المعضلات التي تواجه السوريين في تركيا عموماً افتقارها لحبّات الباذنجان الصغيرة التي تستخدم لصناعة المكدوس، لذلك كان صاحبنا على الدوام يوصي كل معارفه القادمين من الأراضي السورية أو المدن الحدودية بجلب قطرميزات المكدوس أو على الأقل إحضار كمية من الباذنجان صغير الحجم لتقوم زوجته بتحويله إلى مكدوسه الغالي.

وفي السوق تذكر صاحبنا أن مونة منزله تفتقر إلى المكدوس منذ شهر أو أكثر، وأن أحد رفاقه أكّد له منذ أيام بأن بعض البقاليات السورية يتوفر لديها باذنجان مناسب لهذا الغرض، فصمم هذه المرة على المغامرة والبحث عن طلبه بين بقاليات السوريين الموزّعة في المنطقة، ثم يشتري الجوز والفليفلة الحمراء ليتسنى لزوجته صنع مكدوسه الحبيب..

وهو غارق في بحثه، توقف أبو إيمان فجأة أمام بقال سوري كان يعرض في دكانه (مطربانات) مكدوس مرصوفة بشكل منمق وجميل أسرت نظره، فظلّ واقفاً يفكر ويسائل نفسه: “يالمنظره الأخاذ.. ترى، هل طعمه مثل شكله؟ وإن كان كذلك، فأيهما الأفضل.. أن أشتريه هكذا جاهزاً وأتحمل أم إيمان التي ستنتقدني كعادتها وتطلق تعليقاتها المعتادة: “ضحكوا عليك.. غشوك.. بعمرك ما جبت شغلة عالبيت وطلعت متل العالم..إلخ”.. أو أن أبتعد عن هذه الفكرة وأعود لشراء مستلزمات المكدوس.. على كل حال سأتذوقه في البداية ولن أخسر شيئاً، وفي حال أعجبني هو وسعره سأغامر وأشتري مطرباناً واحداً كتجربة..”.

تذوق حبة من المكدوس.. وبالفعل كانت لذيذة كمنظرها مما جعله يسأل البقال عن السعر. وكم كانت فرحته عظيمة حين علم أن سعره رخيص جداً بالنسبة إلى الكمية وطيب المذاق (10 ليرات تركية فقط غير!).

حمل أبو إيمان بضاعته الغالية وتمنى أن يطير بسرعة مئتي كيلو متر في الساعة كي يفاجئ زوجته بصفقته الرابحة حيث لن تجد هذه المرة مبرراً واحداً لتنتقد فيه مشترياته من ناحية النوعية أو السعر..

وكطرزان، أخذ أبو إيمان يزعق فور دخوله للمنزل: “أم إيـــــمااااااان”

وبلمح البصر كانت الأخيرة تقف أمامه وتسأله عن سبب الزعيق، فقص أبو إيمان عليها قصة المكدوس.

فوجئت أم إيمان بما سمعته، ولم تصدّق رواية زوجها لأنها تعرف ذوقه ومشترياته منذ خطبتهم، وبقيت تشكّ بنجاحه الشرائي، لكنها تذوقت قطعة من المطربان وفاجأها الطعم والسعر، ليس هذا فحسب، وإنما طلبت منه إحضار مطربانين في اليوم التالي بدلاً من العذاب الذي ستلاقيه إن قامت هي بصنع المكدوس.

وفي اليوم التالي خرج صاحبنا من وظيفته مبكراً وتوجه إلى الدكان صاحب المكدوس، لكنه وجد شخصاً آخر شبيهاً بالذي باعه البارحة، واتّضح أنه شقيقه الأكبر. فطلب منه مطربانين من المكدوس المعروض ثم همّ بإخراج محفظته ليدفع الحساب وهو يسأله: “كم تأمرنا يا طيب؟
فأجابه البائع: 60 ليرة..

وفي هذه اللحظة تيبّست يد أبو إيمان على المحفظة، وسأل البائع مندهشاً عن الشخص الذي باعه في الأمس.. وقبل أن يكمل السؤال قاطعه البائع قائلاً: “إذن أنت الذي اشترى من أخي البارحة المكدوس بعشر ليرات!؟.. الله جابك.. لقد تركت أخي الصغير البارحة هنا وذهبت إلى الصلاة وهو لا يعلم بأسعار البضاعة جيداً”

فما كان من صاحبنا إلا إخراج عشرين ليرة من جيبه ومناولتها للبائع إكمالاً لقيمة مكدوس البارحة، ثم قفل راجعاً إلى المنزل حيث استقبلته زوجته مستفسرة عن سبب عدم إحضار المكدوس، فطأطأ برأسه خجلاً وروى لها القصة.

عندها عادت حليمة إلى عادتها القديمة: “ضحكوا عليك… غشوك… بعمرك ما جبت شغلة مثل العالم والناس”..

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …