محمد صارم : العار بلا أقنعة

محمد صارم – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

قد يشبع التلصص شيئا من الفضول الإنساني، ويحقق حيزا من المعرفة، لكنها من نوع المعرفة الغادرة، إذ يحمل التلصص على الآخرين قيمة سلبية، ويشكل انتهاكا لخصوصيتهم في كل الأحوال، سواء كان في منحاه الاجتماعي، كالتلصص على الجيران، أو في بعده السياسي، كمراقبة “الأخ الأكبر” للجميع، لجعلهم مكشوفين وقابلين للسيطرة والإخضاع.

وحده الأدب يتيح لنا ميزة التلصص المشروع، ويفتح لنا كوّةً تسمح لنا بالتلصص على حيوات الآخرين وتفاصيل سلوكهم، حتى لكأن أرواحهم معروضة في المرايا، وأحلامهم في المزاد، فنرى الشخصيات ولا ترانا، ونشعر بها، دون أن  يطأ أحد ما خصوصياتنا، وتبدو القراءة الأدبية كأنها مراقَبة من طرف واحد.

إنها طبيعة الأدب المجبولة على الكشف والإفصاح إلى حد التعرية، وخلع جميع الأقنعة لتبدو الشخصيات كما هي فعلا، وليس كما ترغب أن تظهر فيها للآخرين.

ومن تلك المسافة القائمة بين رغبة الشخصيات في الظهور وبين كينونتها، يولد قناع الشخصية، في الأدب كما في الواقع، ومن سقوطه يولد العار، إذا كان الفارق بين الشخصية الحقيقية، والقناع كبيرا.

ولكن هل للعار من قاع أو ألوان؟ وكم لونا للعار؟. لا يمكنك إلا أن تطرح هذا السؤال عندما تقرا عنوان رواية  الكاتب ألبير قصيري “ألوان العار” ولكن السؤال الأبرز الذي يتقافز إلى ذهنك أيضا : ما هو العار؟

في واقع الحال يمكن للفعل ذاته أن يكون طبيعيا لدى أحدهم، وعارا على آخر، فاللص المحترف لا يشعر بالمهانة من انكشافه، فيما يشكل انكشافه لدى رجل يدعي الاحترام والوقار سقوطا أخلاقيا مدويا.

بطل رواية ألوان العار هو لص شاب لص يحترف النشل، ولا يمكننا التغاضي عن العلاقة اللغوية بين اللص والتلصص، ومن خلال المقارنة بين لص ورجل أعمال يبدو في مظهره الاجتماعي وقورا، ويشكل جزءا من طبقة “السادة”  تسير الرواية، لتمزق الأقنعة الاجتماعية، وتضيء على مفهوم العار الأكبر.

يتلصص اللص الشاب”أسامة” على عالم الفاسد الكبير” سليمان” دون قصد مسبق، من خلال المحفظة التي يسرقها منه، ومع أن غنيمة اللص الشاب هذه المرة  كانت استثنائية، إلا أنها كانت مربكة أيضا، فقد حوت المحفظة العامرة بالنقود على شيء آخر، هي رسالة من شقيق الوزير إلى شريكه المتعهد الفاسد، صاحب المحفظة، يخبره فيها انه سيتخلى عنه نهائيا، وينفض يده من شراكتهما، وأن عليه أن يواجه مصيره منفردا بعد أن سقطت إحدى بناياته وتسببت بمقتل خمسين شخصا، وبات اسمه متداولا في الصحف.

لم يعرف اللص الشاب ما الذي سيفعله بهذه الورقة الغريبة، فلم يسبق أن وجد نفسه في ظرف مماثل، وعالمه وأحلامه لا يتجاوزان، ضمن فلسفته الخاصة، سرقة الأغنياء كجزء من إعادة تدوير الثروة واستعادة بعض منها لأصحابها.

ما العمل ؟ أيرميها وينسى الأمر برمته؟ أم يستخدمها ويدخل عالم الحيتان بكل مخاطره؟ وهو الذي دأب على  التستر حتى في مظهره الأنيق تشبها بالأثرياء، لأن الأثرياء لا يمكن أن يكونوا لصوصا وفق منطق البوليس!.

عادة ما تستدعي النهايات الكلاسيكية واحدا من حلين في مثل تلك الظروف، فإما ابتزاز المتعهد الفاسد، و شريكه شقيق الوزير، وإما دفعها إلى النشر والتشهير بهما معا.

غير أن الكاتب ألبير قصيري في روايته “ألوان العار” يختار نهاية أخرى تبتعد عن كلا النمطين السابقين، نهاية لا تتوخى المصلحة الفردية لأسامة، ولا التشهير العام بصاحب الرسالة، سليمان، فما جدوى فضيحة أخرى في بلد مليء بالفضائح؟.

يقول “كرم الله” أحد شخصيات الرواية:” اسمع هذا الرجل يمثل كل العار الكوني، حتى الآن لم أكن أعرف إلا صورته في الجرائد، بفضل هذه الرسالة غير المتوقعة، ربما أستطيع لقاءه عن قرب، دائما نتعلم الجديد عندما نعاشر العار”.

وما الجديد في ذلك؟ ما الذي سيضيفه انكشاف العار لنا، مجسدا في شخص ما؟، ولكن من قال أن المتعهد الفاسد مجرد شخص؟ إنه ابعد من ذلك وأوسع، إنه الطبيعة الاجتماعية والسياسية المتمترسة وراءه، والحامية له بآن معا، إنه العار الذي يغلف الحالة السياسية والقانونية للمجتمع المقصود في الرواية التي تدور أحداثها في مصر، أو أي بلد شبيه.

ولكن ما الذي أراده الكاتب من خلال تلك النهاية غير المعتادة؟ إن فضح تلك الطبقة ليس بالشيء الجديد، وتسليط الضوء على فسادها من نافل القول.

تجنح الرواية إلى القول المضمر: إن العار الأكبر هو في انعدام الشعور بالعار لتلك الطبقة المجللة به، انه يكمن بالضبط في نظرتها المتعالية، و سلوكها اللامبالي، وفي تبريراتها المفعمة بتسفيه الآخرين وتحقيرهم إلى درجة عدم شعورها بالذنب وهي تسحق الآخرين وتدوسهم بأقدامها، أو حتى وهي تمحوهم من  الوجود لمجرد مصلحة آنية.

النهاية غير المتوقعة للرواية لم تتوخ إنزال العقاب بهذا الكائن، ولا فضحه أمام الجموع عبر وسائل الإعلام، فالقضية متداولة أصلا، ولكنها استطاعت تقديم المتعهد “سليمان” من الداخل، وأن تتلصص على روحه الميتة، وتعري قناعه الشكلي، فقتْلُ خمسين شخصا لم يصدمه، ولم يشعره بالذنب، هو فقط ينظر إلى الأمر كما لو أن زلزالا حدث، وأودى بهؤلاء المساكين،ولا يتحمل وفق هذا المنطق أي تبعات نفسية ولا قانونية، ولا شيء يزلزله ويهز كيانه سوى خسارة المال، أو علاقاته مع السلطة.

من خلال المقارنة بين لصين، أحدهما شاب ثائر وناقم، يستبيح محافظ الأغنياء، ضمن فلسفة يعتقد أنها صائبة، ولكن القانون لا يحميه، بل ويطارده، وبين لص كبير متستر بالسلطة والمال والجاه، وتحميه القوانين، وهو يقتات على دم الفقراء، يظهر العار الأكبر في الرواية، العار الذي لا قاع له، والعار الذي يحتمي بالقناع المسبوك من ورق البكنوت، ويشد أزره بكل الموروث والمتداول الاجتماعي والقانوني الزائف.

رواية “ألوان العار” للكاتب المصري” ألبير قصيري” والذي عاش جل حياته في باريس، تعيدنا إلى حوار شعري يدو بين بغيٍّ وشيخ، للشاعر عمر الخيام، ترد فيه البغيّ على الشيخ بعد أن أوسعها تأنيبا وتقريعا، فتقول له:” أنا يا شيخ كما قلتَ، وأشقى، لكن بربك قل لي: هل أنت كما تظهر حقا؟”.

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …