سما حسن: انتحار شعب

 

 

سما حسن – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

لماذا أقدمت شابة سورية في عمر الزهور على الانتحار، ولماذا قررت أن توثق لحظات انتحارها وانسحابها من الحياة من خلال التصوير بهاتفها النقال الحديث؟وما الذي يدعو شابا فلسطينيا في عمر الزهور أيضا إلى الانتحار بصورة بشعة وبطريقة مبتكرة قبل انتحار الشابة “رزان” بأسبوع؟

هل يمكن القول بأن الانتحار أصبح ظاهرة عربية أم أننا يجب أن نقول بأنه قضية جديدة شائكة تضاف إلى قائمة القضايا التي يعاني منها الوطن العربي والتي خلفها الوضع العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟

هل يمكن أن نطرح عدة تساؤلات لا نجد لها إجابة ونظل نسمع كل يوم عن حالات انتحار جديدة مسجلة وغير مسجلة،فهناك حالات يتستر عليها الأهالي ويتم علاجها والسيطرة عليها،وهناك حالات انتحار لا تسجل على أنها كذلك ولكن في النهاية نحن أمام قضية بدأت تلقي بظلالها،وتزرع الخوف بداخلنا ولكن يجب أن نكون على ثقة بأن هذا حصاد ما زرعته أيدينا.

الفيديو الذي صور لحظة انتحار الشابة رزان مؤلم جدا فلا دم ولا صراح ولا حتى أدنى صوت، فقط ارتطام، لا شيء غير صوت الارتطام وهو صوت جسدها حين شق الهواء، الهواء الذي لم يبق للسوريين واللاجئين غيره فخذلهم، لأنه أخذهم إلى الموت كموت هذه الصغيرة.

الموجع في انتحار الشابة رزان طباخة ، ليس الانتحار بحد ذاته  فقط مع كل ما يوحيه من فقدان لأي أمل، ولكن أن تنتحر على الهواء مباشرة ، أن تصور انتحارها كما لو كان مشهدا تمثيليا!!  ضريبة عن أي شيء بالضبط يدفع شباب سوريا؟ ضريبة الأحلام الخائبة والموؤودة أم ضريبة عهر هذا العالم  ووقوفه بالمرصاد ضد الأماني البسيطة،أم ضريبة العيش حين يريد لك الجميع الموت؟

ولكنها يبدو قد وصلت لمرحلة اختارت فيها أن تنتحر وتفني حياتها على أن تبقى منتحرة مع وقف التنفيذ .

(رزان طباخة ) من غازي عنتاب وثقت ما يمر به السوريون من مآسي لا توصف فاختيارها لقتل نفسها طواعية ودون أن تسبب الأذى لأحد سواء من بعيد أو قريب يؤكد أنها كانت تعاني من علة نفسية عميقة ولم تختر مثلا أن تفجر نفسها فتسبب الأذى لمن حولها وقد كانت رزان ناشطة في منظمة إنسانية بعد أن كتبت على حسابها على الفيس بوك العبارة التالية قبل أيام من انتحارها : المرء ما دام حيا يستهان به / ويعظم الرزء فيه حين يفتقد .

وهي طبيبة مرهفة وناجحة في عملها ولكنها قررت أن تنهي هذا كله رغم أنها شاركت في إغاثة مهجري الحرب ويبدو أن ذلك قد ترك أثره البالغ على نفسها المرهفة

يمكننا أن نعلق بالقول أن الورود هي التي تنتحر والأزهار تموت سريعا في زمن تدوس به الفيلة على العشب الناعم وتقرر الأسود أن تسلك مسلك الضباع وأحيانا أن تكون مثل ” العرسة ” وهي فصيلة من الجرذان حيث تقتل الكتكوت لتهجع أمه ولا تأكل لحمه .

لو سألنا أنفسنا لماذا تنتحر الزهور ندرك مسؤوليتنا عن إهمالها حتى تذبل ، ورزان  لم تترك وصية ولكنها تركت لوحة فارغة نستطيع أن نصبغها بأي لون ومن تلك الألوان القاتمة .

رزان وقبلها بأيام انتحر شاب صغير من غزة المثقلة بالحزن والفقر والتي دكتها آلة الحرب فلم ترحمها رحل وترك خلفه نتاجا قصصيا مبهرا لكي يقول لنا أن الأدب والإبداع هما زاد النفوس المتعبة التواقة إلى أفق واسع وصدور رحبة من العدل والعدالة من الحب والعطاء من الاحتضان حتى التماهي .

باختصار انتحار هذه الزهور هو انتحار شعب لاحقت  ثورته   محاكم التفتيش وأوصدت أمامه الأبواب ، شعب  بات في التيه ضائعاً   بين لون الورد ولون الدم .

أيقنت رزان المتوقدة القلب والدماغ مثلها مثل الشاب مهند يونس أنها مشروع انتحاري وسط أمة تقود نفسها إلى الهلاك .

ومهما يكن من دوافع للانتحار فإننا ندينه ونقول طوبى للصابرين .

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …