سعد الربيع: ثورة على هامش الحرب، وصراعات على هامش الثورة …

 

سعد الربيع – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

تتركز الصورة العامة لكل ما يجري في سوريا، على الصراعات الرئيسية التي تتحوّل و تتمركز وتنتشر وتتكرر في صورٍ عدة، حتى تنمّطت بصورةٍ مَا على مرّ السنين، لتصبح بعض أخبارها عبارة عن “كليشهات” خبريّة من الممكن أن تتكرر و تستخدم لأكثر من حالة صراعية، ولأكثر من جغرافية حربية، بتغيير الأسماء وتبادل الأدوار بين المجرم و الضحية، حروب تنشأ على نتائج حروب سبقتها، وفي أوقات الاستراحة، تُستأنف حروب كانت مؤجلة، في متوالية قتالية متوالدة ومولدة لمشاريع صراعات أخرى تنموا في ظل الصراعات الأكبر، فتنشأ مناطق ساخنة جديدة في أزقّة الصراع الرئيسي، تؤثر بالأخير بشكل كبير، بينما تكاد لا تُلحظ في الوقت عينه، وهنا تكمن خطورتها…

بطولات، وبطولات مضادة…

بات جلياً أن الآلاف من الشباب السوريين، لم يكن لهم سوى مصير واحد محتوم، غالباً، اضطرهم الى ترك الكتب و ورشات العمل، ليتجهوا للعسكرة، انطلاقاً من دافعيّة الدفاع عن النفس، وصولا لأيّ هدفٍ آخر للتسلّح والانخراط في قتالٍ احتمالية النجاة فيه تساوي تماماً احتمالية الموت، ليس المقصود نسبية الهزيمة أو النصر، ولا متلازمة النصر أو الشهادة، بل الاحتمالية الحقيقية للخروج حياً من ساحة المعركة غداةَ كل قتال، لا يهم الخروج مهزوماً أم منتصراً، ما يهم الخروج والعودة سالماً أو محمولاً.

لتبسيط الصورة نقول أن لدينا نوعان من الشباب السوري المسلّح، مقاتلون من أجل الحرية، و(قوات جيش) مُنتقاة تتبع لنظام حكم وتدافع عنه، لن نذهب لتحليل الدوافع صحيحها من باطلها لكلا الجانبين، للاعتقاد بأن هذا بات واضحاً. واذا حاولنا الاستماع لما يرويه العائدون من احتمالية الموت، سنجد أن جميع المقاتلين من جميع الأطراف يروي قصصاً دامية عن معركة خاضها بأدقّ تفاصيلها، ترتفعُ قيمتها من تساوي احتماليّة الموت و الحياة فيها، فتروى كقصصٍ بطوليّة. هذه القصص هي التي تشكل الواقع الحقيقي والمراد في وجدان الراوي، عليها يتوقف كل شيء، فيعمل هنا العقل على تكريس هذه الأحداث وحفرها في الذاكرة بقوة، لتكون حاضرة حتى في غير أوانها، فهي تشكل الوعي الخالق لشخصيّة صاحبها، لاغية بذلك الشخص نفسه، ماضيه وحاضره، فهي القيمة العليا التي من أجلها تساوت فرص الحياة بالموت، الثمن الأكثر ارتفاعاً بعد طرحه للبذل في كل دقيقة. هذه القصص تروى من كلا الطرفين، من نقبله ثائراً ومن نراه قاتلا مجرماً، كلاهما يوماً ما سيكون له الحقّ في التواجد حولنا وفي أن يروي بطولته الخاصة، والتي لربما تنضوي على قتل أخٍ لنا أو قريب أو صديق، فأنت عدوُّ عدوّك، وقتلك في نظره بطولة وسيرويها لاحقا بدءا من اللحظة، وبحالٍ مَا سيكون علينا الاستماع وتقبل تجربة الآخر، فكلّ هذه الحكايا ستشكّل غداً التاريخ الذي يتكون من الحاضر، وهذا أمر واقع غير قابل إلا للتعامل معه. إذاً فهل سينتهي الصراع بانتهاء الحرب، أم أن هذا مشروع صراع جديد للمستقبل ؟!

في حادثة غير مبررة، حاول الجيش اللبناني استعراض مهاراتها في محاربة (الإرهاب)، فقام بمداهمة مخيم للنازحين السوريين في منطقة “عرسال” اللبنانية، أسفرت عن قتل عدد من الأشخاص واعتقال مئات السوريين، ومصرع عدد منهم تحت التعذيب في مشهد منسوخ من سجون الأسد. لم ينتهي الخبر هنا.!

أسفرت هذه الواقعة عن جرحٍ مؤلم ينضوي على إهانة في عمقه الحقيقي، فسقوط عدد من القتلى باقتحام للعسكر أو تحت التعذيب، بات خبراً لا يغوص عميقا في آلام شعوب المنطقة، لأنه حدثٌ متكرر متزامن مع انحدار القيمة الإنسانية للفرد العربي في قرارة نفسه، نتيجة لواقع متردي سياسياً واقتصادياً لم يعد يؤمل منه الكثير حتى بعد الثورة عليه، بل كان الأكثر إيلاماُ هو تكرار مشهديّة الموت والتعذيب والاعتقال والاهانة حتى خارج الحدود، وخصوصاً على أيدي جيوش دولٍ ،أو شبه دول، أخرى، إدّعت الحياد. حتى أنه من المستغرب بمكان، بعض الردود التي ساقها الكثير من السوريين الذين انتفضوا لتلقيهم هذه الضربة من جيش يعتبره كثيرون مجموعة من “الإمَّعات بزيّ عسكريّ موحّد”، ليس إلا ..!! فهل لو كانت المقتله حصلت على أيدي قوات عسكرية قويّة كالجيش التركي مثلا (كما حصل منذ أيام قليلة)، أكان هذا النقد سيساق هنا ؟ أم سيقبل بالموتى كأرقام جديدة بعد أن تكرست فكرة الموت السهل للشعوب!

إذاً بات من الواضح أن طريقة الموت، وماهيّة القاتل، هي من أضحت تُعطي القيمة الأعلى للضحيّة، في ميزان الوضع الراهن. وهنا نرى بوضوح، صراعُ للقيم الإنسانية وميزانها، وهذا تصعيد للصراع !

اتخذت الكثير من الشخصيات العامة (لبنانيون وسوريون)، مواقف مما حدث، تباينت كلٌّ حسب المؤسسة التي يعمل لديها، أو الحزب الذي يروّج له، أو طائفته التي تنقّح عليه مخترقة علمانيّته!، وبالطبع لن يقف الأمر عند الشخصيات العامة، وهي المحركة للرأي العام (محركة غير قائدة)، ولأن من الطبائع الجديدة للشعوب العربية خوض صراعات كلامية فاحشة، ميادينها صفحات التواصل الاجتماعي التي يظنها الكثيرون منبراً يعطيه الحق بالشتم وإطلاق الاحكام، الغوغائية ليس إلا، سيما أن الكثير من محركي الرأي العام ينتهجون خطاً قذراً بالضرب على أكثر الأوتار حساسيّة كالدين والطائفة والعرق، الأحاديث الأكثر تشويقاً ورواجاً ورفعاً للتستوستيرون الطائفي و المناطقي. هذا صراعٌ بين شعبين، يحمل في جوفِه صراعُ مواقف مكونات كل شعب على حدى، وحتى لو لم يتجسد هذا الصراع في سلوكيات عدائية كثيرة، إلا أنه يبقى صراعاً مفتوح النهايات ….

في أزقّة الصراع ..

العرب و الكورد والاتهامات المجحفة للسنّة، ميليشيات كورديّة تقاتل لأجل مظلوميّة جعلت لها السياسة سقفاً أعلى من عواميدها، وكل ذلك بدعم أمريكيّ وتصالح مع الأسد وحلفائه وبإسم مكافحة الإرهاب ! بين كل ذلك يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي عاملين مُنهِكَين لأي حركة مدنية: (متطرّفين شعبويين محرّضين للرأي العام، ورأي عام شعبوي مُحَرّض)،  الثنائية التي تتواجد في ظل أيّ صراع جانبي يقوم باستنزاف ما حوله من حركات مدنيّة ثوريّة تجعل الأولى (الصراعات الشعبوية) تبدو وكأنها نتيجة للثانية (الحركات التحررية)، ما يفقدُ أيّ حراكٍ مدنيّ قيمته الثوريّة العادلة ويصوّره على أنه سبب للخراب وزعزعة (الاستقرار) المثبت أساساً باستبداد دموي !

كي لا ننسى، همومُ اغتراب وتصدير للصراعات ذاتها، بصناديق تكمن بالصدور التي تختنق في منافٍ مختلفة المستويات، عشرات الآلاف من الشباب الذين تحولت حياتهم بشكلٍ جذري، سُلِبَ مستقبلهم ولم يعد بالإمكان لهم حتى التخطيط مجدداً على ضوء ما يتاح لهم في دول اللجوء. هذا صراع عميقُ آخر يضاف لقائمة الصراعات الداخلية، والتي تتجسد في ظلّ الحرب المستظلّة بالثورة !.

 

شاهد أيضاً

عمر قدور: ما الذي نعرفه عن عسكرة الثورة السورية؟

  عمر قدور – الحياة لعل الجدل الوحيد الذي علا ضجيجه في ما خص الخيار …