تركيا بين القبول والرفض

بناة المستقبل- جميل عمار

يمكن اختصار موقف الرافضين  لأي تحالف سوري تركي أو اي تقارب ما بعلتين او هاجسين  يرددهم المتشائمون وهما قضية لواء اسكندرون وشبح الخلافة العثمانية القادم من الشمال  الا أن مراجعة تاريخة مبسطة للوضع تحملنا الى النتائج التالية :

قضية اللواء
عاشت العلاقات السورية التركية مرحلة من الحرب الباردة خلال حكم حافظ الاسد حيث أن حافظ الاسد كان يهدف من خلال تمسكه بشعار استعادة لواء اسكندرون واستعداء تركيا الى اهداف لا علاقة لها بالوطنية والمقاومة وأنما لاهداف أخرى أهمها :
اولا : صرف نظر السوريين عن تخاذله امام اسرائيل في 1967 وحتى 1973 وعدم قدرته على استرجاع الاراضي المحتله فكانت قضية اللواء بـؤرة توتر لصرف انظار المواطن السوري عن الهدف الام وهو استعادة الجولان وليعطي ايحاء أنه رجل وطني يتمسك بالارض والحقوق علما انه لا يتحمل مسؤوليه سلخ اللواء عن سوريا بقدر ما يتحمل مسؤولية سقوط الجولان بيد اسرائيل
ثانيا : وجود نسبة من العلويين بمنطقة اللواء يحاول من خلال هذه الدعوة اللعب على الوتر الطائفي واستمالتهم بحجة أنهم مقهورون مغيبون من قبل الحكومة التركية وابقائهم خزان دعم في مرحلة يحتاجها اليهم بالداخل السوري فيما لو اضطر الى حرب مذهبية داخل سوريا … وهذا ما حصل والدليل معراج اورال
ولو قدر للقاطنين باللواء الاســتفتاء على بقائهم تحت الحكم التركي او الحكم السوري لما رغب واحد منهم للانتقال الى الحكم السوري واستبدال الحكم التركي ولا حتى المنافق معراج اورال قائد منظمة ما يسمى تحرير لواء اسكندرون
ثالثا : مغازلة الاحزاب الكردية ذات الفكر الانفصالي ليدعمها في تركيا لقاء عدم ممانعتها له بالداخل السوري ودعهم عن طريق الاقليه العلوية باللواء وهذا ما صرح به علانية بالصوت والصورة معراج اورال من خلال اجتماعاته مع عبد الله اوجلان ذو الاصول العلوية
ولكن موقف تركيا الصلب تجاه النظام السوري انذاك اجبر حافظ الاسد على التراجع والتخلي عن دعم وحمايه اوجلان والتعاون المخابراتي مع تركيا وامريكا  للقبض على اوجلان في كينيا
مع وصول بشار الى الحكم والذي ايضا رافقه  وصول حزب العدالة بتركيا للحكم بدأت مرحلة جدية من العلاقات بين الدولتين اشبه بسنوات العسل وحينها تنازلت الحكومة السورية عن المطالبه المسرحية باللواء فألغيت المهرجانات بذكرى سلخ اللواء وتم حذف اللواء من الخريطة الرسمية السورية حينها وبدء التضيق على الاكراد في سوريا ايضا
اذن قضية اللواء هي للمتاجرة السياسية وليست قضية مبدأ والدليل أنه بعد أن توترت العلاقات مع تركيا نتيجة موقفها الداعم للثورة السورية قام النظام بإعادة طرح قضية اللواء من جديد على المستوى الشعبي للتحريض على تركيا وعين للواء محافظا سوريا يقيم بحلب
أذن اغلب الاقليات في الداخل السوري هي ضد التقارب السوري التركي لانها تشعر أنها مهددة بعملية تهميش لدورها الانفصالي او كي لا تخسر الميزات التي كسبتها كونها كانت ومازالت حليفة للنظام الطائفي بسوريا

متلازمة الاحتلال او الغزو العثماني

هنالك مغالطات كثيرة تشوب الفكر العربي  عند الكثيرين  ممن يدعون أنهم اصحاب فكر ومعرفة  والذين تمسكوا بشعارات قومية ووطنية جوفاء وتجاهلوا حقائق التاريخ

من هذه الحقائق المغيبة  هو مفهوم السلطنة العثمانية  او الاحتلال العثماني  للوطن العربي

من يتتبع التسلسل الزمني لتاريخ المنطقة يكتشف أن الوطن العربي لم يكن دول مستقلة  وجاء العثمانيون لاحتلالها بل على العكس  بعد انتهاء العصر العباسي  عاشت المنطقة العربية  صراعات وحروب عديدة وتقسمت من خلال هذه الفوضى  الى دويلات صغيرة متناحرة  وكانت تقع اغلب الدول العربية انذاك  تحت  سيطرة المماليك  وهو  عبيد  تم تجنيدهم و استقدمهم من اواسط اسيا  من قبل الايوبيون  عام 1250 م  لخدمة الدولة الايوبية  الا  انهم  تمكنوا مع الوقت  من السيطرة على الحكم فكانت لهم دولتان  هما المماليك البحرية والمماليك البرجية وتعاظمت دولتهم في  مصر  والشام الى أن انتصر عليهم السلطان سليم 1517  م وانهى دولة المماليك  في  الشام ومصر  وايضا قام  ولده  سليمان  بدحر الصفويين عن العراق

فبعد أن انتزع المماليك الحكم من الايوبيين  ومع  مرور الوقت وضعف  دولة المماليك وعدم قدرتها على مواجهة الغزو البرتغالي  المجهز  باسطول بحري  قوي  سقطت العديد من المدن بيد البرتغاليين  فقام السلطان سليم  بالتوجه جنوبا لمحاربة المماليك الذين تخاذلوا امام البرتغاليين   بمعركة حاسمة على ارض سوريا  بدأها في سهل مرج دابق في 24 آب سنة 1516 م بالقرب من مدينة حلب وكان السلطان سليم الاول يقود الجيش العثماني اما الجيش المملوكي فكان بقيادة السلطان قانصوه الغوري ( 1500- 1517) ونتيجة لضعف الجيش المملوكي  امام الجيش العثماني اضافة الى خيانة قائدين للسلطان الغوري وهم خاير بيك نائب حلب وجان بردي الغزالي نائب دمشق وتبادلهما الرسائل سراً مع السلطان سليم الاثر كبير في هزيمة المماليك ومقتل السلطان الغوري وانسحاب بقية القوات المملوكية المنهزمة الى مصر . دخل السلطان مدينة حلب في 28 آب 1516 وقد قرأت الخطبة في مسجد الظاهر وصفه الخطيب بانه (( ملك الحرمين الشريفين)). فنهض السلطان سليم  من مكانه وقال بل انا خادم الحرمين الشريفين  فكان اول من  نودي  بهذا اللقب

الا أن البرتغاليين كانوا قد بدؤا باحتلال الخليج العربي  وتمكنوا بعد  اكتشاف رأس الرجاء الصالح سنة 1498 م من الوصول الى المياه العربية الجنوبية المتمثلة بالخليج العربي والبحر الاحمر البحر العربي  وقد احتلوا اغلب موانئ العربية المهمة وجزره وبنوا قلاعاً دفاعية حصينة في هرمز ومسقط والقطيف والبحرين وقد جاءوا الى المنطقة بأساطيل قوية تضم سفن كبير ذات اسلحة نارية لذلك لم يكن لسكان المنطقة قبلاً بها فعجزوا عن مقاومتها. كما تميزت سياستهم بالعنف والقسوة والتعصب الديني. كان الوطن العربي عندما بدأت هجمات البرتغاليين  تحت  سيطرة  المماليك يعاني من  انحلال سياسي وعسكري في حين كانت الدولة العثمانية في اوج عظمتها  فأقترح شريف مكه سنة 1516 ارسال وفد الى السلطان سليم الاول طلباً للمساعدة العسكرية ولكن السلطان المملوكي منع سفر ذلك الوفد. الى أن استردت الدولة العثمانية النفوذ من البرتغاليين فيما بعد  بعهد سليمان باشا الارناؤطي 1538م

كما أن العثمانيين  دور كبير  في محاربة الفرنسيين بقيادة نابليون في مصر وإلحاق الهزيمة به وبجيشه  وتولي محمد علي  ولاية مصر تحت الحكم العثماني

كل  هذا  يدل  على  أن  العثمانيين  جاؤوا  ليضموا  ولايات  لم تكن تحكم من  اهلها  بل  أما  كانت ترزح تحت حكم ن  الصفويين  او  المماليك او البرتغاليين  ولقد ساهم العرب بازدهار الامبراطورية العثمانية وبفتوحاتها  شرقا وغربا  ولكن طالما أن لكل زمان دولة ورجال بدأ الوهن  يدب في  جسد الامبراطورية العثمانية  شيئا  فشيئا وبدء الغرب معركة الثأر من العثمانيين واستغلال ضعفها حيث اصبحت الدولة المريضة فكان لابد من ازكاء  روح القومية العربية لمحاربة العقيدة الاسلامية  ولدفع العرب للتحالف مع الغرب لاسقاط الدولة العثمانية بحجة ان الاتراك يعادون العروبة

ولعل احمد شوقي يصف بأبيات خيبة الامل  بسقوط الدولة العثمانية من خلال الابيات التالية :

ضجت عليك مآذن ومنابر ….. وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة … تبكي عليك بمدمع  سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس … أمحا من الارض الخلافة ماح ؟

فالتاريخ يؤكد أن العثمانيين كانوا  فاتحين  ولم  يكونوا دولة احتلال  ولقد انتهت الامبرطورية العثمانية بانتهاء عصر الخلافة عام 1924 وطرد السلطان عبد المجيد من خلال معاهدة لوزان وبدء  حكومة مصطفى كمال اتاتورك الذي غير وجه تركيا ونحى باتجاه العلمنه

حتى أن السلالة العثمانية  انقرضت تماما  وكان اخرهم هو ارطغول عثمان الذي توفي عام 2009 عن عمر  يناهز 97 عاما وبذلك لم يعد هنالك من  يدعي بالحق للعرش العثماني  وكان ارطغول مسرورا بسياسية تركيا الديمقراطية

يفهم من هذا السرد المختصر لتلك الحقبة  من تاريخ المنطقة أن الامبراطورية العثمانية  انتهت  نسبا  وأثرا وفكرا وأسلوبا للحكم

ومن يتوهم أن تركيا تحلم بإعادة هذا الاسلوب من الحكم فهو جاهل بالتطور الاداري والسياسي  للحكومات والشعوب  ويحاول جاهدا خلق اوهام  لمحاربة ايه حالة تقارب مع الجانب  التركي  وبأن تركيا هي الغول الذي سيبتلع جواره مرة اخرى كما حدث بالسابق

تركيا اليوم حتى وأن عادت الى تقدير الدين الاسلامي وشرائعه واحترام حرية المسلم وغيره من اداء شرائعه لا يعني  انها تمارس منطق الامبراطورية العثمانية الاسلامية المتعصب بل على العكس  تمارس ارقى انواع التحرر من خلال اتاحت المجال للفرد أن يؤمن  ويمارس  عبادته كما  يشاء دون ان تتدخل الدولة  بالحظر عليه

التحالف السوري التركي  هو تحالف بين شعبين مؤمنين  بالحرية والعدالة  والاستقلال وليس  هو تحالف بين السوريين السنة والعثمانيين  السنة  بتركيا بهدف انشاء دولة الخلافة  ومضايقة الاقليات

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً