الثورة السورية .. تخبط دولي وقتل بالجملة

بناة المستقبل- فراس العبد الله .

تشهد الثورة السورية مرحلة دقيقة جداً  لاسيما بعد معركة القصير والتدخل السافر لعناصر حزب الله اللبناني، في ظل انهيار المنظومة الأخلاقية للعالم الدولي والعربي الذي رغب بدور المتفرج على المجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري، يبدو للمتابع لاجتماعات القادة الأوربيين على سبيل المثال غياب الرؤية الموحدة حول الحل للخروج من الحالة التي يشهدها المسرح السياسي والعسكري على الأرض السورية، وبين رغبة خجولة بتسليح المعارضة، ورفضٍ تواجه به من دولة كألمانيا، في المقابل وعلى المعسكر الآخر  – (( حلفاء الأسد )) –  هناك انسجام واضح في التعاطي مع الحالة.

فيما يبدو أن المؤتمر الدولي المزمع انعقاده قد يتأخر حتى نشهد ولادة معادلة جديدة لحل الأزمة، تبدأ بإيجاد صيغة للتوازن على الأرض بين الطرفين المتصارعين في الداخل، وبالتالي القبول بأية مبادرة توقف شلال الدماء قبولاً يفرض على الطرفين، والحقيقة أن كفة الميزان في مثل هكذا معادلات تميل ليس للأقوى على الأرض بل لمصلحة الدول ذات المصالح في حل أو استمرار الثورة السورية. المرحلة التي سبقت تقدم الثوار على الصعيد العسكري أرغمت حليف الأسد على التدخل بوقاحة، وسط تبرير روسي، فهو من جهة يحقق بعض المكاسب على الأرض، تعيد للنظام توازنه مما يعطيه قوة في الجلوس على طاولة المفاوضات بعد أن فقد سيطرته على معظم الأرض، ومن جهة يكون نواة للتقسيم في حال الهزيمة وانطلاقاً لعمليات جديدة نحو حمص المدينة الاستراتيجية الهامة بالنسبة للنظام في وقت يرغب فيه بإعلان الدويلة النصيرية.

الصورة السابقة ترسخ في الأذهان غياب دور القرار السوري الوطني وأعني هنا الغياب المثير للريبة  للائتلاف السوري ناهيكم عن الفوضى داخل بيت المعارضة السورية رغم محاولات لملمة التشرذم، ليصبح التدخل الدولي في الثورة السورية حقيقة واضحة على كل المستويات السياسية والاقتصادية، وبصورة باتت واقعاً ترجمه التدخل العسكري من طرفٍ دون الآخر، لتغدو الأرض السورية مسرحاً لمعارك إقليمية تغيب فيها مصلحة الشعب السوري، والفاتورة تدفع من دم أبناء سورية، بل ويفتح الباب على صراعٍ طائفي انجرّت إليه لبنان أو على الأقل بتنا نلمح دخانه في الأفق مع ما قام به الشيخ (( الأسير ))، متزامنةً مع دعوة من بعض علماء أهل السنة للجهاد في سوريا…

ولعلنا نثير التساؤل التالي: الشعب السوري طالب بالديمقراطية، بينما لم يكن صوت العراقيين واضحاً في زمن الغزو الأمريكي للعراق أو قبله، فماذا لو أن العراقيين طالبوا آنذاك بالديمقراطية؟

يبدو أن الديمقراطية التي قدمتها واشنطن للعراق ما كانت لتواجه ما واجهته الثورة السورية. فرغم معارضة روسيا وألمانيا وفرنسا للحرب،إلا أن الوجود الأمريكي – الإيراني أصبح أمراً واقعاً ومن ثم لينحسر الدور الأمريكي ويبرز النفوذ الإيراني في آب 2005 مع استئناف طهران برنامج تخصيب اليورانيوم، وبدأت مرحلة ربما تعيدنا لسنوات الحرب الباردة، وتعيد ترتيب أوراق التحالفات الدولية، خاصةً بعد بروز الدور الإيراني على السواحل الشرقية لكابول، وتدخل إيران على خط الصراع في سوريا من بوابة المشروع التوسعي المكشوف، وتدخل روسيا للحفاظ على آخر قدم لها في الشرق الأوسط، لتغدو دمشق منصة لصراع دولي- إقليمي بين معسكرين، وبرز التشجيع الروسي الصيني لكسر القطب الواحد منذ الفيتو الأول في4/11/2011 و4/2/2012 قبل أن تقر واشنطن بالدور الروسي كمفتاح لحل الأزمة السورية حين أقرت ذلك باتفاق 7/ أيار /2013 فيما عرف باتفاق موسكو لتكون ورقة نعي للقطبية الواحدة وولادة عالم جديد متعدد الأقطاب، يبدو أن الصراع على سورية هو كونها مفتاحاً للمنطقة، بالنسبة إلى الروس كامتداد إلى البحر المتوسط، وبالنسبة إلى الإيرانيين كونها تكرس تواجدها في المنطقة وتخدم مخططها الطائفي التوسعي، ربما لا نملك دليلاً على تجدد الحرب الباردة بين تحالفات بدأت تفرض وجودها اليوم على الساحة السياسية والعسكرية، لكننا بشكل أو بآخر أمام تشكيل صورة لعالم جديد تعاد فيه صياغة المعادلات السياسية للمنطقة برمتها، حرب كسر الإرادات، لاسيما بعد رفع الحظر الأوربي عن تقديم السلاح للثوار، سياسات تنسف ما بني في الماضي، وإعادة لهيكلية أخرى للصراع في المنطقة العربية… صياغة عالم جديد، مع الأيام تتكشف ملامحه وتكتلاته، محور (( تركيا، دول الخليج، الدول الغربية وبزعامة واشنطن ))،والمحور الآخر (( موسكو، بكين، طهران ))، طهران وأذرعها في المنطقة حكومة المالكي في بغداد، وحزب الله المسيطر على سياسة بلاد الأرز، مع بروز حيادية مترددة للقاهرة.

أطراف اللعبة تزداد، وتبقى الرؤية للخروج من الأزمة غير واضحة، في ظل رغبة روسية بالعودة للعب دور في المعادلة السياسية، وغياب التصور الأمريكي للحل، فقد كشف تحرك موسكو الآخير لعرقلة بيان الإدانة لتدخل (( حزب الله )) في القصير الضوء على الهوة العميقة بين موسكو والغرب بشأن معالجة الأزمة السورية، ومع تصاعد وتيرة القتال داخل الأراضي السورية تبرز تصريحات ربما تدعم جدية العمل لحل الأزمة، ولعل أبرزها ما قاله وزير الدفاع الفرنسي: (( إن امكانية امتداد الصراع عبر الحدود إلى لبنان جعل الحل أكثر إلحاحاً )) مضيفاً : (( هذا هو سبب ضرورة الإسراع في الحل لأن وجود اضطرابات في لبنان والعراق من شأنها أن تسبب قلاقل ضخمة في المستقبل ولخريطة الشرق الأوسط )).

إن التخبط في السياسة العالمية (( الداعمة )) _ بيين قوسين طبعاً _ لقضية الشعب السوري، وهنا أتحدث عن التخبط في إدارة الصراع بهدف الحصول على مزيد من المكاسب السياسية في مواجهة التحالف الروسي الإيراني، يجعل الخاسر الوحيد هو الشعب السوري الذي بات يذبح بالجملة، مع إطالة  بعمر آلة القتل المسلطة على رقاب السوريين.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً