د. محمد حبش: الباصات الخضر…. انتصارات أم حروب مؤجلة

 

 

د. محمد حبش-  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

والباصات الحضر ليست مجرد حافلات نقل مستأجرة، يدفعها حظها العاثر لتكون جزءاً من النكبة، بل هي ذلك النمط الذي بات النظام يعتقده حلاً للمشكلة عن طريق ترحيل العوائل الثائرة من ارضهم واقتلاعهم منها وارسالهم ماركة غير مسجلة إلى إدلب ليقوم من بعد بمطاردتهم مجدداُ بالبراميل….

لا مكان لصوت العقل في هذه المذبحة الإنسانية المستمرة منذ مطلع العشرية الثانية في هذا القرن بعد ان أكد النظام أنه غير معني باي حل إلا الإذلال والاحتقار للمخالفين، ويصرح أشراره دون خجل وفق ما قرره دخل الله عضو القيادة القطرية يوم أعلن أن باب الوطن بات مفتوحاً فقط لمن يقبل احذية جنودنا البواسل ويطوف على فروع مخابراتنا الساهرة فرعاً فرعاً….!!!

فهل هذا منطق من يريد حل النكبة؟؟؟ وهل يؤتمن هؤلاء على وطن نصف ابنائه في الشراد؟؟؟؟

في الثمانينات واجه النظام ثورة محدودة وقام بالبطش بيد من حديد وزج في سجونه الرهيبة عشرات الآلاف وفر من بين يديه عشرات الآلاف أيضاُ….

شهدت سوريا استقرار القبور بعد تلك المظالم القاسية، وبدا للواهمين أن أسلوب النظام قد انتصر وأنه نجح في بسط السيطرة على الأرض وهذا يكفي.!!

حاولت في مجلس الشعب مع عدد من الأصدقاء أن نطرح الأمر واقترحنا الحلول، ولكن النظام كان يعتبر الحوار في حل المأساة توهيناً للشعور القومي، وكان الكلام عن معاناة المهجرين والمعتقلين يعتبر نكأً للجراح، وتأكدت أنها قاعدة اتفاقية بين الاستبداديين ان النائب الصالح هو النائب الميت!!

لقد كنا نطالب كل يوم بحل هذه المأساة في سوريا وطي الملف الأليم وابلاغ الناس بمصائر المفقودين والسماح للهاربين بالعودة كما هو الحال في كل دول العالم المتحضر فليس في العالم الحر أي معارض خارج وطنه مهما كان لون هذه المعارضة، وحين يتجاوز القانون يحاكم تحت قبة القضاء وينال العقاب الذي ينص عليه القانون.

لم يوافق النظام أبداً على أي خطوة باتجاه حل حقيقي وبعد مراجعات طويلة قال لي في النهاية سعيد بخيتان الذي كان رئيس مكتب الامن القومي آنذاك: المشكلة انتهت، وكل من لم يستلم دعوة لزيارة قريبه في السجن فإن أقاربه قد قتلوا وانتهى الأمر!!!

هكذا تصور رفاقنا في الدولة الأسلوب المناسب لنهاية مأساة كانت تمس مائة ألف سوري وانتقلت إلى أبناءهم وأحفادهم وطل النظام عاجزاً عن الشجاعة والمصارحة والمحاسبة في هذا الملف الإنساني الأليم.

كانت النتيجة أن هذه المعاناة والآلام انفجرت غضبا بعد ثلاثين عاماً وانضم إليها أضعاف مصاعفة من السوريين وتحولت إلى شكل الهول الذي نعانيه…..
فكيف يتصور النظام أنه سينهي الحرب اليوم بالطريقة إياها التي انتهت بها الحرب القديمة قبل ثلاثين عاماً؟؟؟؟

يتصور فريق النظام أنه يتتصر، وهو وهم صار عمره ست سنوات منذ أطلق فلاسفة المقاومة في لبنان شعار خلصت… والباقي تفاصيل… وكان الشهداء يومئذ بضعة آلاف وكان الشراد السوري يومذاك لا يزيد عن عشرين الفاً.

في المسألة الكردية كان الظلم قهراً وقع على الأكراد البدون، وكانوا نحو اربعين ألفاً عجز كل العقلاء ان يمنحوهم حقهم في جنسية الأرض التي يعيشون عليها (أي أرض)  وكان النظام الذي يستدبر الثقافة الكردية واللغة الكردية والتاريخ الكردي لأسباب شوفينية محضة لا يكترث بهؤلاء ولا يريد لأحد ان يذكره بهم… وكانت النتيجة أن الجماعة اليوم نظموا أنفسهم وثاروا بالحديد والنار، وحققوا انتصارات غير متوقعة! وقد باتوا يسيطرون على ثلاث محافظات سورية فيها كل قمح سوريا ونفطها، بحماية دول كبرى ولن يجد النظام ما يفعله في النهاية إلا أن يصرح علناً بأنه بأنه بات مستعداً للنقاش حول اقليم خاص للكرد بقوم فيه حكم ذاتي.

الظلم حروب مؤجلة، والظالمون يموتون وتورث مظالمهم، والتاريخ لا يمنح الوارث إلا فترة اختبار بسيطة ثم يشتعل عليه ناراً…..

إنهم يقومون بحصار القرى قرية قرية ومعهم بطش روسي وإيراني بلا قلب، ويدفع النساء والاطفال حياتهم وارواحهم ثمنا للتصفية السياسية، وحين يبلغ الانهاك الغاية تصل الباصات الخضر لاولئك الذين لا يريدون أن يراجعوا فروع المخابرات السوداء.

ولكن أين يذهب ركاب الباصات الخضر؟

وهل يشكل رحيلهم الى المجهول في ادلب نهاية للحرب ؟ هل يمكن أن يتصور ذلك اي ساذج، وهل سيتحول هؤلاء الفرسان المحاربون الى رهبان غانديين زاهدين يطلبون الفغران؟ خاصة بعد أن تصلهم صور بيوتهم المدمرة وعصابات التعفيش المنظم التي تسطو على كل ما تبقى لهم في بيوتهم من احلام؟

هل سيدرك النظام أن هذا الأسلوب ليس إلا حروبا مؤجلة، وان الحل الحقيقي في مكان آخر، والكلمة السحرية فيه هي العدل، والكلمة الفاجرة فيه هي الظلم بكل أشكاله.

ليس هذا المقال لرسم خارطة طريق أو مبادرة سلام فقد صار عدد خطط الحل السياسي أكثر من عدد الشعب السوري نفسه، ولكنها كلمة أتمنى أن يسمعها رفاقنا الذين ما زالوا في الدولة السورية وهم يحملون ضمائرهم في جوانحهم.

بنى النظام بطشه على اساس أنها مؤامرة كونية وأنه يواجه المحاربين الغرباء ابو هريرة التونسي وابو كعكة البلجيكي وابو مصعب الصومالي… ولكنه يدرك اليوم أكثر من أي أحد أن محاربيه ومقاتليه سوريون بالكامل وأن سجونه تغص بالسوريين لا بسواهم، ومن كل مائة معتقل في سجونه هناك أكثر من 95 من السوريين، وأن باصاته الخضر فيها سوريون بواقع أكثر من 97 بالمائة، إنه يواجه اليوم الغوطة وحوران وليس فيها أجنبي واحد إنهم ابناء الأرض في الجاهلية والاسلام، ولا يعني ترحيلهم الى ادلب الا تأجيلاً لزمان الحرب الجديدة ومكانها، ومن المؤلم أنها وفق حركة التاريخ ستكون اشد بطشا وضراوة وقسوة .

يتحمل النظام المسؤولية التاريخية الكاملة في قراراته الباطشة، واستيراده لثلاثة أشكال استعمارية تامة على سوريا، ولكن قدراً كبيرا من السوريين سيحملون المسؤولية نفسها أمام الله والتاريخ أيضا حين ينفخون في كير الحرب ويدعون الى مزيد من الضرب بالحديد تحت عناوين شتى منها حماية الأوطان ومنها مقاومة المؤامرات.

الانتصار وهم كبير يشبه انتصار المنتخب بكأس العالم، وأوهام السيادة الوطنية تعصف بها رياح أستانة حيث كعكة الأمم،  تداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، ويسمح للسوريين نظاماً ومعارضة بالتفرج فقط، والاطلاع على بعض ما يريد الكبار ان نطلع عليه.

الباصات الخضر حروب مؤجلة، والحرب لن تنتهي إلا يقيام العدالة، وانتصار الإنسان.

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …