نجم الدين سمان: تساؤلات.. بعد 6 سنوات

 

نجم الدين سمان –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م
إذا لم نُدرِك أنّ الاستبدادَ والفساد.. عَدُوَّانُ لكلِّ السوريين؛ فإنَّ ثورتنا ينقصها البُعدُ الوطنيُّ والأخلاقيُّ والدينيّ أيضاً؛ لا أقصد هنا إسلام طالبان والقاعدة وأخواتها؛ وإنما إسلامَنا الشعبيَّ السوريّ المُنفتِح على الجميع والحضاريّ أيضاً.

أن نثور ضدّ الاستبداد وحدَه.. دونَ توأمِهِ: الفساد؛ سيؤدي بالضرورة إلى انتقال الفسادِ إلى ثورتنا ذاتِها؛ وهو ما حصل للأسف الشديد.

وإذا لم نُدرِك بأنّ الطاغيةَ يقتل مُعارِضِيه لأنهم عارضوه؛ كما يقتل مُؤيِّدِيه.. حين يضعهم في مُواجهة مُعارِضيه؛ لهذا كنتُ ضد الشعار الجاهليّ: بالذبح.. جيناكم؛ حين ابتكره الجيش الإلكتروني الأسدي.. فردَّده للأسف بعضُ الناشطين كالببغاوات!.

الثورة لا تُقلّد الطغاةَ باستعمال السكاكين ذاتها: طائفيةً أو دينيةً أو ايديولوجيّة؛ ولا نجاحَ لثورةٍ إذا تحوّلت إلى انتقامٍ وثأرٍ فقط؛ لأنها تتحوَّل حينها.. إلى حرب أهليةٍ طويلةٍ ومديدة؛ أو على غِرَار داحس والغبراء.. بينما نحن في القرن الواحد والعشرين.!


أمّا الانطلاقَ من عَلَوِيَّة النظام مقابل سِنيَّة الثورة؛ فهو انحرافٌ عن الثورة الوطنيّة ذاتها؛ فلا النظام علويٌّ.. بأكمله؛ ولا الثورةُ سُنيّةً.. بأكملها؛ وكلّ من يقول بسُنيَّة الثورة.. عليه أن يتذكر السُنَّة المُوَالِين للنظام حتى الآن!.

أذكرُ بأنّي كنتُ على تواصلٍ مع ناشط إعلامي لكتيبةٍ سريّةٍ خاصةٍ باغتيالِ شخصياتٍ من النظام؛ وقد قامت بعدَّة عملياتٍ ناجحة داخل دمشقَ ذاتِها؛ فسألته:

  • لماذا لا تفكّرون باغتيال رئيس الوزراء السُنّي؛ والمُفتي السُنّي؛ ورئيس مجلس الشعب السُنّي في حكومة الأسد؟..

فحَظَرنِي على الفور!.
إذا كنتَ سورياً.. فلا بدّ في سياق ثورتِكَ أن تُفكِّر بمصير كلِّ سوريا؛ وكلِّ السوريين.. حتى لو كانوا من المُؤيِّدين؛ كما فعل نيلسون مانديلا مع البيض في جنوب إفريقيا؛ حين رَكَّز في مفاوضاته على تفكيك أجهزة الأمن التي قمعت شعبه الإفريقيّ؛ وقاطع المفاوضات حتى تحقق له ذلك؛ وكأنّه يقول لشعبه:

ليس عدوكم.. ذاك الموظف الأبيض في دائرة حكومية خدميّة.. حتى لو كانت لديه نوازِعُ عُنصرية؛ بل.. الذين أطلقوا الرصاص عليكم وأنتم تتظاهرون واعتقلوكم وعذبوكم؛ وسنعمل منذ الفترة الانتقالية على تجفيف منابع العنصريّة في عقله.. بالحوار وليس بالعُنف؛ وصولاً إلى نظامٍ مدني ديمقراطي.. لا مجالَ فيه للتمييز بين أطياف الشعب: عرقياً أو دينياً.

أمّا إذا كنتَ سورياً ومع الثورة على الاستبداد والفساد معاً؛ ثمّ تخاطَفَكَ أمراءُ الحرب بسبب غضبكَ ممَّا يجري؛ أو بسبب يأسِكَ الشديد؛ فمِن غيرِ السوري؛ ومِن غيرِ الوطني.. أن تصمتَ عن؛ أو تُشارك في بناء إمارةٍ على غِرار طالبان؛ لا تُشبه سوريا في شيء؛ وأن تصمت أيضاً عن تجاوزات وانتهاكات أمراء الحرب.
لم يثُر السوريون لِيُقيموا سورياستان على غرار أفغانستان؛ وإنما ليستعيدوا سوريا ممَّن خطفها عبر الانقلابات العسكرية المُتوالية؛ ثمّ بطُغيان الأسد الأب وصولاً إلى التوريث؛ فاستعادةُ سوريا من خاطِفِيها هؤلاء؛ ومن أمراء الحرب؛ ومن سماسرة المعارضة أيضاً.. هو جوهرُ ثورتنا الذي تمَّ الالتفاف عليه؛ وتمّ تلويثُ عقولِ كثيرٍ من السوريين بشعاراتٍ وافدةٍ من خارج رحمنا السوري.

سيعتبرني البعضُ طوباوياً؛ أو.. من جماعة غاندي!؛ إذا لم يُخوِّنوني أو.. يُكفرونني.
وقد يسألني أحدٌ.. أين أنت إذاً من الثورة؛ بل.. في أيّة جهة؟!
فأقول له.. بجملتين:
مع القتيل وليس مع القاتل؛ حتى نقتصَّ من القاتلِ بالعَدل.
ومع الضحية وليس مع الجلاد؛ حتى نقتصَّ من الجلّادين بالعَدل.

وبالعَدل وَحدَه.. لأن تاريخ المظلوميَّات يُخبرنا كيفَ انقلبَ المظلومون إلى ظالمين جدداً.. بعد تخلّصهم من الظلم!.
لهذا سأنتقدُ الضحيةَ حين تنقلبُ إلى جلادٍ لسواها بحجّة مظلوميتها؛ فلطالما أعمَت المظلوميّةُ بصيرةَ الضحايا؛ ومن هؤلاء المليشيات الشيعية ذاتها؛ التي أتت إلى بلدنا لتقتلنا.. بحُجَّة المظلوميّة والثأر!.

ثمّة مظلومية أخرى في التاريخ؛ عانينا منها.. جميعُنا؛ حين انقلبَ اليهود من ضحايا لهتلر النازيّ؛ إلى نازيين دينيين جُدداً؛ فظلموا الفلسطينيين وهَجَّروهم من أرضهم.. بحجَّةِ مظلوميتهم!؛ فكيف لنا أن نتمثّل كلّ هؤلاء في ثورتنا؟!.

الثورة فعلُ تغييرٍ في العقول أيضاً.. وليست سلسلةً من ردود الأفعال؛ والثورةُ فعلُ حُريّةٍ وعدلٍ ومساواة.. وليست ثأراً بدوياً!.

من لا يرتقي على آلامِهِ مهما عَظُمَت وكانت داميةً.. سيظلُّ أسيرَها؛ فيضِلَّ الطريق..َ إلى آماله.

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …