محمد صارم: لماذا لا ينتصر الشر في الأدب؟ اغتيال المعنى

 

محمد صارم –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

يروى عن ستالين انه كان يمنح جنرالات الحرب الذين يحققون انتصارات مذهلة على جبهات القتال مع النازية رتبة إضافية، وأعلى وسام في البلاد مكافأة لهم على انجازاتهم، ولكنه في الوقت نفسه كان يمنح طباخه ذات الرتبة والوسام.

و بتحليل القصة فإن هدف ستالين لا يتوقف عند إخصاء المعنى الرمزي لانجازات القادة فحسب، وإنما يحدد واقعا أهم ما فيه أنه لا يستطيع حجب المعاني، ولكنه  يستأثر بمركزية القيمة وحصرية امتلاكها وتوزيعها،وتسفيهها أيضا.

من المدهش قوة الواقع على إخضاع المعاني ولي أعناقها لتغيير مدلولاتها ومفاهيمها، وصولا بها إلى نقيض ما هي عليه، فمفردة “الأمن” في سوريا تثير الرعب لدى الناس فيما كلمة “مسؤول” التي تأتي على صيغة اسم المفعول، وتعني خضوع صاحبها للمساءلة، تتحول لتعني حصانة حاملها من فعل المساءلة، وتزيد على جعله من يوجه الأسئلة، ويتحكم بمصائر الآخرين.

إذا كان انزياح الواقع الشديد يدفع بالمفردات الواضحة  في اللغة إلى التموضع قي الضفة النقيض ، فان تأثيرات ذلك الواقع على المعاني حاملة القيمة الجوهرية في الحياة لا تقل قسوة وغرابة، إنها تدفع بالمعاني الأصيلة إلى زاويتي التسفيه والتمجيد معا، لكن كلا من التسفيه والتمجيد لن يكون صادقا في حال اغتيال المعنى واقعيا كما فعل ستالين.

ففي الدولة الشمولية لا مكان لأي من القيم العليا إلا من خلال ممراتها وأشخاصها وأفكارها، فالشمولية تنسج شباكها حول القيمة، و تحاصرها، تحتكرها كما لو أنها واحدة من منجزاتها ، أو من أعطياتها للبشرية، وتعيد تدوير تلك القيمة بما يناسبها.

إن أعلى درجات تسفيه المعاني أن تكون حاضرة وغائبة بآن معا، حاضرة في الخطب الرسمية والشعارات والمواقف الانتهازية وغائبة في صلب الواقع الفعلي، يتم انتهاكها والتغني بها يوميا من ذات الأشخاص.

ولكن إلى أي مدى يمكن للقيم أن تتأثر بهذا الواقع الضاغطـ، وان تنزاح دلالاتها كما حال المفردات التي انزاحت؟ هل تنحني وتقبل الانزياح كما المفردات؟ أم تواجه؟ وهل يمكن لها الاستمرار طويلا في حالة التحدي؟

يقول الفيلسوف الفرنسي “آلان”: ” ماذا يكون  عليه العالم لولا المُثُل، لن يُكتفى بأنه لن يكون مفهوما، فهذا أقل ما يمكن أن يقال، إنه لن يكون أي شيئ، بل هو لن يكون له من ظهور”.

حاجة المجتمعات الإنسانية للمعاني الجوهرية هي حاجة تأصيلهم كبشر يتمايزون فيها عن الحالة البهيمية، إنها امتداد لفطرتهم السليمة، وما التأكيد الدائم عليها  سوى تخصيب لتلك المعاني في  بذرة الواقع، فلا تقبل الفطرة الإنسانية عند الطفل أن ينتصر الشرير في الحكاية، سيطلب منك مرارا وتكرارا تعديل القصة لتصل إلى فحواها الجميل كما يراه، على الشرير أن ينال جزاءه وعلى الطيب أن يثاب في نهاية القصة.

تشبه المجتمعات الإنسانية  في سعيها للحفاظ على المعاني وتمجيدها حالة الطفل الذي يطلب منك تصويب القصة لتضعها في مسارها الطبيعي، و هي بذلك  تتلمس بفطرتها قبل ثقافتها الخط الفاصل بين انحيازها لإنسانيتها، وبين  الدرك الحيواني، وتبقى المعاني في كل مجتمع هدفا لا بد منه، وغاية يجب الارتقاء إليها مهما كانت الهوة بينها وبين الواقع.

فالمعاني السامية لا تدفن عبثية الحياة  وعقمها، و لا تنزع عنها قشرة اللاجدوى فحسب، وإنما تساهم عبر النقاء والبراءة الطفوليين في صياغة حبكة أكثر أصالة  لمبررات وجوده، ومعقولةً بالقدر ذاته.

ولا يتوقف الأدب عن الإسهام في إبراز تلك الحبكة، ولا يمل منها، كل عمل يصدر عنه هو استعادة  لصراع القيم مع محيطها،  وعبر شخوصها، وكل جديد فيه  هو تنويع  وتذكير لما ستبدو عليه الحياة في غياب تلك القيم ومعانيها.

خلافا للواقع  الأليم الذي نعيشه ، والذي ينتصر الشر فيه  أحيانا، أو غالبا، يأتي الأدب ليذكرنا باستحالة استمرار هذا الانتصار لأنه معاكس لطبيعة الحياة، لا يقبل الأدب انتصار الجانب السيئ، ستبدو القصة كما لو أنها لم تنته، أو أن جزءا ما سيليها، ستبدو مبتورة، وفي أسوأ الأحوال  سيبدو الجانب المهزوم من الخير كما لو انه بذرة زرعت في الأرض بانتظار انتاشها، لا مكان لهزيمة الخير والقيم النبيلة في الأدب، لا مكان لهزيمة المعاني، قد يُهزم حراسها وقد يسقط بعض منهم، ولكن في الحالين ستبدو القيمة  هي المعيار، فنجاح رموزها في الأدب يعلي من شأنها، وسقوطهم يعزز الحاجة إليها، وهو ما يمكن تسميته بالانتصار الرمزي.

إن اغتيال المعنى على أرض الواقع لن يدفع بالمعاني النبيلة والقيم الأصيلة إلا إلى مزيد من المواجهة والإصرار ، ولن يكون بوسع  الانزياحات الدلالية للواقع مهما بلغت شدته ووطأته أن يكسر روح المعنى.

غير أن الواقع لن يكون دائما بهذا التبسيط المدرسي بين الخير والشر، بين حامل القيمة ورافضها، ثمة صراع أكثر التباسا  إذ يدعي  كل من الطرفين المتصارعين امتلاك القيمة ذاتها وحراستها ويتهم الآخر بالتنكر الفعلي لها.

 في تلك اللوحة الداكنة من التراشق والإنكار المتبادل، سيكون للأدب متسع في  صقل المشهد وتعرية الوهم، والإبحار بين عواصف اللحظة والدخول إلى أعماقها، ليظهر بجلاء لا لبس فيه أن قائمة المعاني النبيلة لا يمكن أن تحوي أحذية مرفوعة فوق الرؤوس، ولا شفاه منحنية إلى الأرض لتقبيل تلك الأحذية، وأن استيراد تلك الأحذية إلى تلك الشرفة النبيلة ما هو إلا إقرار واضح بنقص المعانى وضحالتها، وزيف قيمها المحروسة أو المتخيلة من قبل حامليها.

 وملموسية اللحظة تكفي لهذا، لكن الأدب أكثر ديمومة وأقوى ذاكرة، وربما أشد مرارة في كشف العري الأخير  .

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …