بسام سفر: مسرحية “الخزان” تأثيرات الهجرة، ومصاعب حياة السوريين

 

 

بسام سفر –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

 

اعتبر رولان بارت أن المسرح هو الآلة التي تبث الرسائل ذات الخصوصية، وتظهر هذه الخصوصية في عرض”الخزان” ذي الرسائل المتعددة التي قدمت على المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، عن نص”الخزان العظيم” للكاتب الانكليزي بيتر تيرسون، ومن تمثيل”فادي حواشي، فداء”، و”خالد شباط، أبو زهير”، وعمل على سينوغرافيا العرض”فارس خليف، غيث المرزوقي، رشا زندافي، يزن قرموشة” إضاءة أوس رستم، صوت رامي الضللي، الفريق التقني”طاهر سلوم، منتجب عيسى، مخرج مساعد طارق عبدو، إخراج يزن الداهوك”.

الحكاية والصراع:

أبو زهير عامل في الخزان المبني منذ سنوات طويلة، حيث وقعت مجموعة من الحوادث منها التشقق الكبير(الشرخ)، الذي لم يستطيع أحداً غيره معالجته بوجود مهندس ابن مهنة وقديم في المصلحة، يأتي إلى الخزان عامل جديد من موظفي مديرية الأحوال المدنية (النفوس) أسمه فداء، ويبدأ كل منها في استعراض مهارته في العمل مع إبريق الشاي الذي صنعه أبو زهير، ويقدم كأس منه لفداء.

وتتخلل الحديث لحظات صمت، لكن يكسر هذا الصمت أبو زهير بسؤال ” تشرب كأس عرق، ويجيب ذاته أبو زهير: أكيد بتشرب قرب كرسيك”، ومع تتالي كؤوس العرق تنفتح  قريحة أبو زهير وفداء في سرد قصص حياتهم حيث يبدأ أبو زهير بعرض قضية هجرة زوجته وابنه بدون استشارته وأخذ رأيه في سفرهم خارج البلد نحو تركيا أولاً، وثانياً إلى ألمانيا حيث استقرت الأم والابن، ويحدثنا عن آخر حديث مع الطفل على الموبايل وكيف” طاير عقل مدرسه الألماني بالطفل الصغير الذي غنى لأبي زهير أغنية باللغة الالمانيه”، ويتساءل لماذا يخرج الإنسان من بلده ، وهو حمار لا يفقه شيئاً، بينما في بلاد الغربة والمهجر تتفتح جديته واجتهاده وحتى عبقرية الإنسان السوري”. ويعود لقضية أخذ الأم طفلها إلى تركيا بدون أذنه وعلمه، وكيفية ركوب البحر إلى اليونان، ومنها إلى ألمانيا براً، والمخاطر التي يخلقها هذا الركوب، وتأثيره النفسي على الطفل، وفيما لولا قدر الله غرقت هي والطفل، كنت سأموت خلف الطفل”.

ويضيف أبو زهير:”إذ سنتين وبطل يرد عليي، بس يصير عمره( 18) ماذا سيفعل؟!”.

ويرد فداء على هذا الحوار أن الحضور في البلد من خلال المفاهيم التقليدية للإنسان العادي السوري مثل”الحارة، ابن الحارة والبلد، الياسمين الشامي، ويعمق أبو زهير بوحه عن مكنونات صدره إذ يقول:” بكرا بيكبر زهير، حينها لن يرد على أحد، هو لا يتحمل مسؤولية تصرفه، الحق على أمه، هذه المخلوقة خطفت قلبي حتى أخذت الطفل وبقيت وحيداً، الآن لا تتخيل شكل حياتي؟!.

ويرد الموظف الجديد فداء: أنه لو كانت تحبك حباً حقيقياً لبقيت في البلد ولم تغادره سرقة هروباً منك في كل شيء؟!، لكن أبو زهير يفصح عن المزيد في بوحه إذ يقول: “غداً لن يعرف ابني صورتي، ويتساءل عن صورتي صورة من هذه، ماذا فعل هذا؟!.

ويتدخل فداء من جديد قائلاً: أنا منذ كنت صغيراً لا أحب والدي، فهو كان يحسسني أنني لست رجلاً؟! ويسألني أين ابنك؟! غير قادر تنجب ولد ؟ معه حق منذ صغري أخاف أن أذهب إليه، وأقول له أنني أحبه وأخجل من قول ذلك له، والله مخنوق… ويرد أبو زهير على حديث فداء بالبكاء قائلاً:” يفضح شرب الخمره معك، وسكرتك شو مبهدلة؟! كل يوم أشرب لا يحدث معي هكذا. أنت واحد فاسد في دائرتك لا تختم للمواطنين والناس معاملاتهم إلا بالفلوس، مثل كل مؤسسات الدولة، العمى كيف الواحد بدو يعيش معكم، كرهتونا البلد والعيشة فيها، يتحرك عن الطاولة الصغيرة ويستلقي على التخت الخشبي في الخزان لينام، وعندها يتحرك فداء نحو السلم الخشبي الذي يصل إلى الخزانات ويصعد عليه ويبدأ بفضح أبو زهير من خلال ما قاله في هذه الجلسة بتوجيه تهمة أنه ليس رجال، لو أنه كذلك لما غادرت زوجتك البلد، وأنه لم يصلح الشرخ، وأن برنامج توزيع المياه لا يكفي سكان المنطقة، وأن العمل في الخزان مثل عمل العتال. مما يدفع أبو زهير لحمل عصا يطارد بها فداء الذي يركض بإتجاه الخزان ، ويتعرقل ويقع، ويصرخ منفعلاً من الألم، وهنا يعود أبو زهير إلى تخته وينام من تأثير المشروب، ويهبط فداء بدرجات السلم إلى الأرض ويستلقي لينام.

أن الصراع الذي دار في الخزان بين أبو زهير وفداء يوضح مقدار الغيرة التي تتوضع في دواخل العمال الموظفين بمكان ما مثل الخزان، وعدم قدرة هؤلاء العمال على مصارحة زملائهم بالعمل بما يعتمل دخل كل واحد منهم، وحتى البوح أمام والد كل واحد منهم، فالصراع هنا نوع من المكاشفة الاجتماعية لا تتم إلا بوجود الخمره التي تفتح الباب واسعاً أمام الزميلين للخروج من حالة المجاملة المهنية نحو الصدق المهني المعتمد على المكاشفة.

لكن هناك نوع آخر من الصراع يظهر في عرض الخزان معتمداً على المنولوج الذاتي البوح الذي يتحول إلى معلومة يستخدمها الزميل ضد زميله في الخزان.

الارتجال:

يؤشر المخرج يزن الهواك إلى أن عرض الخزان” تبعاً لمجموعة من الارتجالات الحرة التي قام بها الممثلين استناداً على نص الخزان العظيم للكاتب بيتر ترسون، وقام الكادر الإخراجي بضبطها وتنظيمها بغية الحصول على نص سوري أصيل”. أن عمل الدراماتورجا يظهر جلياً في عرض الخزان  بعملية الاستغناء عن النص الانكليزي ووضعه في البيئة السورية، وزرع الهم السوري في بنية النص الدرامية المعتمدة على الارتجال المنظم اليومي والدؤوب في جعل هموم الإنسان السوري في الهجرة إلى العائلة والتواصل مع المهجرين في بلدان الاغتراب السوري، والوظيفة وتضخم الأسعار وعدم وجود السلع أحياناً في السوق، إلى ارتفاع سعر صرف الدولار وغيره في العملات مثل اليورو، وكذلك دفع البوح نحو الصراع الجسدي المباشر الذي يدفع فداء لضرب ساقه بأساطير المياه في الخزان، واستخدام العصا من قبل أبو زهير من أجل إرهابه وتخويفه لعدم النزول إلى الأرض، لكن الإصابة تدفعه للنزول، فالإرتجال المنظم من مدخل العرض على أغاني ملحم بركات ( غيابك طال) ويقوم أبو زهير بشرب الشاي وجمع غسيله الشخصي من الحبل على إيقاع هذه الأغنية وصولاً إلى ( العذاب شو بيعمل بالعاشق) واستمرار الأغاني إلى لحظة دخول فداء العامل الجديد، وطلبه إيقاف الغناء، كل ذلك جاء ليقول أن الارتجال نحو البيئة السورية كان ناجحاً.

الأداء والإخراج:

ظهر أداء الممثل “خالد شباط” مميزاً في استحضار الحالة الشعبية بالمعنى الشكلي للمعلم المهني من خلال الاستعراض الذي يعتمد على الصوت العالي، والحركة الواسعة على منصة المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وكذلك في لحظات البوح الخاصة بعلاقته الخاصة بطفله، وانفعاله في شرح علاقته بالخزان وخطوط توصيل المياه، بينما يبدو أداء “فادي حواشي” محدوداً في إطار الخطة المرسومة منذ دخوله في موقع رد الفعل، لكنه يفلت من هذا الإطار بعد الكأس الثالث من عرق الريان وصعوده إلى سطح الخزان حيث يبوح بكل ما يحمله على شخصية أبو زهير، وهنا يرتقي أداءه لمستوى غير مسبوق في العرض. ويمكننا القول أن المخرج الداهوك نجح في توظيف جميع أدوات العرض في السينوغرافيا، والإضاءة والصوت والفريق التقني والإخراجي لتقديم عرض مسرحي ممتع حظي بإعجاب شرائح واسعة من الجمهور النخبوي في مسرح المعهد، بعيداً عن التنظير المسرحي في أداء الممثل والأسلوب الإخراجي نحو واقعية بيئية فنية سورية معتمداً على ممثلين وطواقم فنية استطاعت الوصول إلى الجمهور ببساطة واضحة.

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …