مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

 

مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

 

عندما كنتُ في الصف الأول الابتدائي (أتذكر) في عام 1986، كنتُ أحكي للأطفال حكايات غريبة عجيبة.

ـــ هل تعرفون أين تذهب الشمس كل ليلة لتنام؟

ـــ أين؟ (بصوت واحد)..

ـــ تذهب إلى خلف بناية البنات، سريرها هناك، تنام عليه.. ثمّ تستيقظ كل صباح قبلنا بقليل..

بناية البنات، كانت في أول حارتنا، آنذاك كانت أبعد نقطة يمكن أن أصل إليها أحياناً، ودائماً.. أمهات بعض الأطفال في صفي يتصلن بأمي بعد أن يتم تناقل حكاياتي في مساء البيوت القريبة.

وأنا في السادسة من عمري كنتُ متأكداً أن الشمس تنام خلف بناية البنات.

وقتها ذهبنا إلى البحر لأول مرة مع عدة عائلات، حصلنا على عدة شاليهات من نقابة العمال، النقابة التي كان أبي يشتُمُها دائماً.

لعبنا وسبحنا لساعات على الشاطئ، النساء والرجال والأطفال ذهبوا إلى الشاليهات من أجل تناول العشاء، بقيتُ وحيداً أراقب الشمس وهي تسقط ببطء في البحر لتنطفئ، ودعتها بأسى.. لم أكن أتمنى لها مثل هذه النهاية المؤلمة.. تفاجأتُ صباحاً عندما استيقظتُ فوجدتُ الشمس ثانية، لم تمتْ كما خمنتُ، غضبتُ منها، تمنيتُ لو أضربها على رأسها.

عندما رجعنا قلتُ لسائق الحافلة وأنا أشد بنزق عصا (الفيتيس) وهو يبعدني عنها، ويبتلع شتيمته خوفاً من أبي:

ـــ شمس حارتنا أحلى من شمس البحر، شمس البحر كذابة، شمس حارتنا تنام خلف بناية البنات.

كانوا يسمونها بناية البنات لأن لدى كل عائلاتها بنات أكثر من صبيان  وبعض العائلات دونما صبي واحد، وبأكثر من بنت.

بعد عقدين، وأنا في الزنزانة، أحكي ــ ببلاهة ــ للسجناء عن مغامراتي الحمراء في المراهقة على الأدراج المعتمة لبناية البنات، سوف يسألني أحد السجناء:

ـــ أين هذه؟.. بناية البنات؟..

الحارة كلها اختفتْ، ابتلعتُ غصة أوجعتْ حلقي.

ـــ مممم امشِ خلف الشمس سراً، دون أن تنتبه لك, عند الغروب، حيث تستلقي لتنام، أمامها مباشرة تكون بناية البنات..

سجين همس بأسى لآخر: لقد ضربوه كثيراً على رأسه..

آنذاك، كنتُ في السادسة، أغلب بنات تلك البناية كنّ طالبات إعدادي وثانوي، في سهراتنا العائلية يحكين لي قصصاً عجيبة غريبة.

أنا الآن في الـ 35، هن الآن في أمكنة ما في هذا العالم، في الأربعينات و الخمسينات من أعمارهن.

لم يكن جميلات ولا قبيحات، بنات عاديات جداً، بعض البيوت لا تلفاز فيها وبعضها بتلفاز صغير، بمسلسل درامي يومي واحد.. رغم هذا كان لديهن حكايات وحكايات وحكايات في كل السهرات.

الآن، البنات جميلات جداً، جميلات لدرجة مخيفة، بتلفاز كبير، بعشرات المحطات، بمئات المسلسلات الدرامية اليومية.. لكن ولا واحدة منهن تعرف أن تحكي في المساء حكاية، أو حتى نصف حكاية.

كان يجب أن أتزوج وأنا في السادسة من عمري، من وقتها.. وكلما ابتعدتُ سنة أخرى عن (السادسة من عمري) حظوظي في الزواج تَقل.

هذا الكلام قلته البارحة في اجتماع لـ (حركة نسويّة) وأردفتُ:

ـــ يقول ابن خلدون في نشوء الدول وسقوطها ما معناه: عندما تفقد بنات أي دولة المقدرة على حكاية الحكايات كل مساء، فإن الدولة تنهار وتنهشها الحرب..

تعرضتُ لإطلاق نار كثيف من (النسويات) بـ الكلاشنكوف والأربي جي وبعض القنابل العنقودية.

البارحة، نجونا بأعجوبة من (النسويات) أنا والشمس التي تنام خلف بناية البنات.

إحداهن همستْ بأسى لصديقتها بعد كلامي:

ـــ أنا أعرفه، كان يتظاهر ضد الدولة، لم يكن هكذا.. يُقال: إنهم ــ في الزنزانة ــ ضربوه كثيراً على رأسه..

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …