سما حسن: حين تكون أنانياً في فقدك

 

سما حسن –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

في سوق الملابس المستعملة كانت الأم تبحث عن سترة لكي تشتريها لابنها المراهق، فالشتاء قد حل والبرد بدأ في نخر عظامه،وفي غمرة تقليبها بالملابس عثرت على سترة جلدية مثقوبة من الخلف بثقب صغير لا يكاد يبين،ولكن حين تقترب منه تكتشف آثار حروق حوله،وقررت أن تشتريها لأن البائع الضجر طلب مبلغاً زهيداً فيها مقابل متانة قماشها وسماكته،والفراء الكثيف الملتف حول ياقتها.

في البيت ارتدى الابن السترة وبلا شعور انهال ضرباً على شقيقه الأصغر وعلق القطة من ذيلها في السقف إلى جوار اللمبة المتدلية،وسكب وعاء الماء الساخن الذي تركته الأم يغلي فوق البابور.

لم تربط الأم بين ما حدث من تصرفات على غير اعتياد من ابنها،وبين ارتداءه السترة التي ابتاعتها له قبل ساعة من صباح ذلك اليوم،ولكنه حين أخلد إلى النوم داهمته الكوابيس وبدأ يشعر بنهر من الدماء يجري تحته،وأفاق مفزوعاً،وهال الأم المنظر وهي لا تعرف مصدراً للدماء،والتي لم تتوقف إلا حين خلع الابن السترة عن جسده النحيل،وقد فعل ذلك دون شعور بعد أن تصبب عرقاً وهو يحاول تجفيف الدماء التي سارت باتجاه باب الغرفة الصديء وتسربت لا تلوي على شيء بين أزقة المخيم.

في المخيم المعتم رأى الجيران نهر الدماء الصغير فتتبعوا مصدره وانهالوا بالطرق على الباب الصديء، ارتدى الابن الناحل السترة ثانية فتوقف الجيران عن الطرق وولوا مذعورين من المكان.

صورة على الحائط

سألته المعلمة أين والدك ؟

فأجابها : صورته معلقة على الحائط.

على الحائط كانت الصورة محاطة بإطار خشبي قديم باهت اللون،ولكنه حين سأل أمه أين أبي؟ فردت :صعد إلى السماء..

حتى يومنا هذا لا يدري كيف خرج والده من الإطار الخشبي القديم الباهت اللون وصعد إلى السماء،ولكنه أدرك أن علاقة ما بين صعوده وهذا الإطار والجوع الذي ينهش أحشاءه الصغيرة على الدوام.

أم الشهيد

حولها يلتففن ويطلقن الزغاريد، شعرت أنها بطلة لأنها عاشت وحيدة وفقيرة ولديها ابن وحيد،ويوم أن ارتقى شهيدا أخبروها أنه قد ارتقى من أجل الوطن،وبقين إلى جوارها لثلاثة أيام،في اليوم الرابع تم تعيين ابن جارتها البدينة التي كان صوتها يعلو بالزغاريد دون انقطاع وبصورة لافتة، تم تعيينه محافظا للمدينة،وانتقلت أمه للعيش في قصر بعيد سمعت زغاريد فرحتها به وهي تبكي وحيدة أمام كوخها المتآكل.

المقبرة

خرجوا في المساء من المقبرة بأسمال بالية،البعض كان وجهه يشع نورا،والبعض كان يغمر وجهه السواد وتوجهوا صوب المدينة وحين وصلوا لأبوابها كان الجمع  الذين تشع وجوههم بالنور يتجهون نحو الأكواخ المترامية بلا انتظام،وذوي البشرة الكدرة توجهوا نحو القصور والبيوت الفارهة، الغريب أن أحداً لم يكترث بعودة مشعي الوجوه بالنور،وضجت القصور والبيوت الفارهة بالاحتفالات حتى الصباح.

بكاء

نشرت دموعها على ” الفيس بوك”،بكت وانتحبت وسالت الدموع حتى دخلت لكل حسابات صديقاتها وأصدقاءها، ولكن في لجة الليل سمعت صوت قلبها وحيداً،ورأت فراش الغائب خاويا،وسمعت أيضا صوت ضحكات الصديقات والأصدقاء على نكتة جديدة.

مرسوم رئاسي

أعلن الرئيس عن مرسوم رئاسي يقضي بسجن كل طفل يولد ولديه أذنان كبيرتان،فهو لا يريد أن يسمع الناس أصوات التعذيب المنبعثة من قصره،ولكن زوجته وضعت في تلك الليلة وبعد صدور القرار مولودا يملك أذنا حمار…

سرقة

قال المرشح الرئاسي أن كل من تسول له نفسه بسرقة الاموال العامة سوف يقدم لمحاكمة عسكرية،وعاد إلى بيته وقدم لمحكمة عسكرية عاجلة مدير مكتبه الذي لم يرفع له على عجل قرار تحويل آلاف اللترات من البنزين من مستودعات الدولة إلى مستودع بيته السفلي لكي يضيء قصره بالمولدات ليل نهار ويشغل الأجهزة الكهربائية،ويتابع الأخبار ويبث التهديدات ويطلق التصريحات وينذر الوعود عن حل قريب لمشكلة الكهرباء المتقطعة والتي لا تزور بيوت المواطنين إلا لساعات قليلة وغيرها من المشكلات التي لا زال يعد الشعب بحلها.

حين تكون أنانياً بفقدك

تركت هاتفها في البيت وذهبت وهي تسحب قدميها لبيت عزاء ابنها الشهيد المقام على أعلى تلة في المدينة، توقعت حين تعود أن تجد عشرات الرسائل تواسيها وتشد من أزرها،ولكنها حين عادت وجدت هاتفها خاليا كباطن اليد الخالية من الشعر،ولم تبد عليه أي حياة،فقررت أن تكون أنانية وتمارس حياتها،وتكور حزنها في المساء مع أوراقه وملابسه وتنثر ابتسامات عالقة على الجميع حولها.

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …