أحمد طلب الناصر: النخب الثورية والاغتيالات

 

أحمد طلب الناصر –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

يبدو أن الموت ملاحق للسوريين في شتى أصقاع الأرض، ولم يقتصر فقط على الموجودين داخل سوريا جرّاء البراميل والطيران والمدافع والكيماوي وغيرها، وكذلك الأمر لم يقتصر على الذين ركبوا البحر باحثين عن بلاد الأمن والأمان فابتلعتهم أمواجه، وليس أيضاً على الهاربين عبر الحدود فتمّ قنصهم بقصد أو بدونه. وكل أولئك الضحايا قتلوا ويقتلون عشوائياً دون التمييز بين كبير وصغير، أو رجل وامرأة، أو طفل وشيخ، أو متعلم وجاهل، أو نافع وضار، أو ثائر ومؤيد لنظام القتلة.

لكن ما يحصل في تركيا اليوم فاق حدود العشوائية والصدفة والتحمّل، لا سيما وأن تركيا كانت ولا تزال المعقل الرئيس لأكبر جالية سورية مهاجرة، ولأوسع الشرائح الثورية ومؤسساتها وشخوصها الفاعلين. فأضحى المقصود في عمليات القتل من السوريين في تركيا هم النخبة الثورية الواعية والمثقفة والفاعلة، لا سيما الإعلامية منها، وقد بدأت تلك العمليات بنحر الزميلين الصحفيين العاملين في شبكة “الرقة تذبح بصمت” في منزلهما بمدينة أورفا عام 2015 مروراً بكاتم الصوت الذي اغتال الصحفي والمخرج “ناجي الجرف” في أشهر شوارع مدينة غازي عينتاب، وصولاً إلى حادثة مقتل الإعلاميتين والناشطتين الدكتورة “عروبة بركات” وابنتها “حلا” في منزلهما بإسطنبول.

ورغم الاغتيال- الخديعة، الذي أخرجه محمد بيازيد مؤخراً واتهم به نظام الأسد ليستغل تعاطف الناس الذين صدموا بكذبه، إلا أننا لا نستبعد البتة ضلوع نظام الأسد في جميع الحالات السابقة لتلك الحادثة، بل ونمتلك اليقين الكامل بأنه المخطط والمدبّر والمحرّض والمنفّذ، وإن تعددت واختلفت الطرق والتفاصيل والأماكن، فأولاً وأخيراً ما كنّا لنصل إلى هذا الواقع المميت لولا إجرامه بحق الثورة والثوار.

  • نظام الأسد.. تاريخ حافل بالاغتيالات:

اغتيال النخب الثقافية والسياسية، من السوريين وغيرهم، خارج الأراضي السورية، ليس جديداً على نظام عائلة الأسد، فقد بدأ فعلياً باستهداف الزعماء السياسيين الكبار قبل انتقاله إلى الرموز الثقافية والإعلامية الناشطة ضدّه. فكانت البداية من لبنان، الذي تعتبره عائلة الأسد امتداداً لمزرعتها، وذلك منذ اغتيال الزعيم السياسي والثقافي “كمال جنبلاط” 1977 وتبعه اغتيال الرئيس اللبناني “بشير جميّل” عام 1982 ثم الرئيس اللبناني “رينيه معوّض” عام 1989، ثم رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري 2005، ليبدأ بعدها بسلسلة اغتيال الإعلاميين اللبنانيين كـ “سمير قصير” و”جبران تويني”.

تخللت فترة الاغتيالات تلك، العديد من المجازر داخل الأراضي السورية، وخاصة في ظل أحداث الثمانينات بذريعة انتفاضة الإخوان المسلمين، فكانت مجزرة سجن تدمر ثم مجرزة حماة، بالإضافة إلى العديد من المجازر في حلب وجسر الشغور وديرالزور وغيرها.

ولم يكتفِ النظام بذلك وإنما لاحق زعيم الإخوان آنذاك “عصام العطار” ليتمكّن من اغتيال زوجته ابنة الداعية السوري علي الطنطاوي “بنان” في مدينة “آخن” بألمانيا عام 1981.

  • لماذا في تركيا الآن؟

يتساءل العديد من المهجّرين السوريين: لماذا لم نشهد حوادث مشابهة في باقي الدول التي هاجر إليها السوريون؟ لماذا لم تحصل حادثة اغتيال لنشطاء وإعلاميين معارضين في لبنان مثلاً، الذي تحكمه ميليشيا حزب الله الشريكة الفعلية لنظام بشار الأسد في قتل السوريين؟ أو في باقي الدول الأوروبية التي تضم أعداداً كبيرة من المؤيدين لنظام الأسد؟

الجواب بكل بساطة يتعلّق بالامتداد الشاسع للدولة التركية، وحدودها الطويلة مع سوريا، والأعداد الكبيرة التي دخلتها بشكل عشوائي وغير منظّم، وتسللت إلى داخل المدن الكبرى فيها واختلطت مع الشعب التركي الذي وصل إلى 90 مليون نسمة. والأهم من كل ذلك هو طريقة تعامل الحكومة التركية مع السوريين كافة بنفس المعايير دون رقابة، أو تفريق بين هذا وذاك، أو التعرّض لأي شخص من السوريين ما لم يثبت بالدليل القاطع قيامه بعمل إجرامي على الأراضي التركية، وهذا أكثر ما يثير قلق الثوار السوريين، حيث يجعلهم عرضة للانتقام على أيدي عملاء النظام، الذين حرص على زرعهم والتواصل معهم طيلة ست سنوات، بين لحظة وأخرى. ونتيجة القطيعة التي تشهدها حكومة البلدين، نظام الأسد والحكومة التركية، والتهديد الذي تشكّله الأخيرة للأول، من خلال استيعابها واحتوائها لأهم مؤسسات ومنظمات المعارضة والنشطاء والإعلاميين الثوريين، بالإضافة إلى إشرافها على تدريب ومساندة فصائل الجيش الحر، ووقوفها بوجه قوات النظام وسيطرته على الشمال السوري مع حلفائه الانفصاليين وتنظيم داعش، فإن استهداف الشخصيات الاعتبارية والنخبوية على أراضيها سيكون له أثر فاعل عليها إنسانياً وأمنياً ودولياً.

ولا شك بأن نظام الأسد أدرك تماماً أن السوريين الذين اختاروا التوجّه إلى الدول الأوروبية لم يعودوا يشكلون خطراً محدقاً به وبنظامه مستقبلاً مثلما تشكّل  النخبة السورية المتواجدة على الأراضي التركية المتاخمة لسوريا، والتي تسخّر جلّ إمكاناتها الثقافية والإعلامية والسياسية لإسقاط حكمه وتوجيهها نحو الداخل السوري، فضلاً عن غالبية السوريين الذين ينتظرون استتباب الأمور للعودة بأقرب فرصة إلى ديارهم داخل سوريا في حال سقوط النظام.

أما في لبنان، فالجميع يعلم أن السلطة العليا فيه تعود لحزب الله، الحليف الطائفي التاريخي لعصابة الأسد، بالتالي لن يسمح بخلق حراك ثوري داخل الأراضي اللبنانية، خاصة بعد تمكّنه من إزاحة معظم مناهضيه الذين ذكرناهم آنفاً، وترهيب من تبقّى منهم.

  • ما الحل؟

ضمن دولة تحكمها المؤسسات التشريعية والتفيذية والقضائية، كتركيا، ليس من السهل أبداً إيجاد آلية دقيقة ومسبقة لحماية النخب السياسية والإعلامية والثقافية، إلا أن بإمكانها اتخاذ بعض الخطوات التي من شأنها الحد من ظاهرة الاغتيالات والتصفيات التي تستهدفهم يوماً بعد يوم.

فمن الناحية الأمنية على سبيل المثال، بإمكان الحكومة التركية إصدار بعض القرارات أو التعميمات التي تمنع التعامل مع كل من يثبت تأييده المطلق لنظام الأسد من خلال دعمه مادياً أو معنوياً، ويتم ذلك من خلال تخصيص لجان محددة من شخصيات سورية اعتبارية، دينية أو سياسية أو ثقافية، يتم التواصل معها بشكل مباشر، واتخاذ إجراءات صارمة بحق من يثبت تورطه مع نظام الأسد.

كذلك، منع كافة مظاهر التشجيع والتشبيح، لنظام الأسد، التي تقوم بها فئات من السوريين داخل الجامعات وبعض المنظمات، وداخل المقاهي والصالات، وفي الشوارع العامة، بمناسبة أو بدون مناسبة، حيث تقوم تلك الأعمال باستفزاز وبث الذعر والخوف داخل نفوس المهاجرين السوريين، وتزيد من شحن الكراهية وممارسة العنف تجاههم مستقبلاً.

والأهم من كل ذلك، تأمين الحماية اللازمة للنخب السياسية الفاعلة، وللنشطاء والإعلاميين، وللمفكرين ورجال العلم والدين السوريين، وذلك بإنشاء مكتب خاص يتم من خلاله متابعة أمورهم في حال شعور أحدهم بتهديد يستهدف أمنه وأمن أسرته وكيانه، وهذا يجري بالتنسيق بين المؤسسات الثورية السورية والحكومة التركية.

والحال، فإن نظام الأسد لن يتوانى لحظة واحدة عن القضاء على كل ما يستطيع ممن وقف ضده، وإسكات البقية وإرهابهم، لا سيما المثقفين والإعلاميين والعلماء، فثورتهم ثورة كلمة وصورة، وهذا أخطر ما يواجهه أي نظام قتل على الأرض.

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …