نهاد قلعي الثاني عشر: حسني المناضل

 

نهاد قلعي الثاني عشر –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

حين دخل “حسني الجَقَـل” منذ حوالي سنتين ونصف، تهريباً، إلى تركيا، لم يكن بنيّته ركوب البحر والهروب إلى اليونان كباقي أقرانه من أبناء الضيعة. وجلّ ما كان يبتغيه هو الحصول على الأمان الذي افتقده طيلة ثلاث سنوات بسبب قصف النظام المستمر، والحرب الدائرة بين الأخير والجيش الحر في الضيعة.

وحسني لم يكن من الثوار ابداً، وإنما من جماعة “الله يطفيها بنوره” ويعتبر “المسلحين” هم الذين جلبوا الويل والدمار على الضيعة و”مؤسساتها” التي من أكبرها وأهمها، المدرسة الابتدائية، التي كان يعمل فيها موجّهاً بواسطة شهادته (البكالوريا) وعضويته العاملة في حزب البعث “قائد الدولة والمجتمع”، إلى أن جاء تنظيم داعش الذي أجبره على اتباع دورة شرعية للاستتابة والتنزّه من تاريخه.. بعدها، أَسَـرّ له “أبو عبدو الشرعي” بأنه سيقنع التنظيم بتسليمه (النقطة الإعلامية) بالضيعة، لما يحمل من مواصفات فنيّة وتعبوية تؤهله لهذا التشريف.

ربّى حسني، خلال شهرين، لحية ذات كثافة تمنحه هيبة المسؤول عند داعش، كما تجاوز الدورة بجدارة، وأثبت أهليته لتسلّم النقطة التي وعده بها أبو عبدو، وبالفعل، صار حسني إعلامي التنظيم في الضيعة، وجعل من غرفة إدارة المدرسة مكتباً له، وراح يشرف على النشرات والمطويّات التي يتم توزيعها بين أطفال المنطقة.

من خلال منصبه الكبير والحسّاس، الذي يساوي منصب “شريف شحادة” عند النظام، استطاع حسني جمع مبلغ كبير من العملة الصعبة، كما تمكّن من بيع قطعة كبيرة من أرض أهله التي كانت تعود له ولأخواته الأربع اللاتي هجرن الضيعة مع أزواجهن بمجرد دخول داعش إليها وملاحقة الثوار. وتسري شائعة بين الأهالي بأن حسني هو الذي كتب التقرير بأزواج أخواته وزجّ به إلى التنظيم.

وبعد قضائه في منصبه حوالي أربعة أشهر، تمكّن حسني من الفرار ليلاً، والتوجّه نحو الحدود التركية، ومن ثم الدخول إلى مدينة أورفا الحدودية. بمجرد وصوله، وبواسطة “رحّال الذيب” وهو من معارف الضيعة، وكان يعمل مستخدماً في المدرسة، ووصل إلى أورفا قبل حسني بعام، قام باستئجار منزل مفروش عند ساحة “المدفع” المعروفة، في وسط المدينة، ثم راح يبحث عن إنشاء مشروعه الخاص.. افتتاح مدرسة خاصة بالسوريين، يكون هو مديراً عليها، فقام بالسعي لإنجاز خطوته الرئيسة الأولى، وهي الحصول على شهادة جامعية، وبقدرة قادر استطاع التخرّج والحصول على شهادتين جامعيتين خلال ثلاثة أيام، واحدة في اختصاص التربية، وأخرى في الشريعة، والاثنتان من جامعة دمشق!

راح حسني، برفقة رحّال الذي يتقن بعضاً من اللغة التركية، يراجع قائم مقام المدينة تارة، وتارة أخرى رئيس البلدية، وكثيراً ما كان يراجع دائرة الإفتاء، إلى أن استطاع الحصول على بناء مجاني في أحد أحياء المدينة من دائرة الأوقاف، وتكفّلت البلدية بتزويده بجميع الوسائل والمعدات التعليمية اللازمة إضافة إلى القرطاسية، فأقام فيها مدرسته الموعودة.

أنشأ صاحبنا صفحة خاصة بالمدرسة على الفيسبوك، وصمّم لها شعاراً فاتناً يُتوّجُه علم الثورة السورية، ونشر فيها إعلاناً عن بدء تسجيل الطلاب اللاجئين السوريين، فتوافد على البناء مئات الأطفال مع أسرهم، وقام رحّال بتسجيلهم بعد قبض أول قسط منهم، رغم أن البلدية اشترطت على حسني أن تكون المدرسة مجانية، لكنه لم يبلغ أهالي الطلاب بذلك، واستمرّ مع “شريكه” المخلص رحّال بتحصيل الأقساط الشهرية من الطلاب طيلة العام الدراسي بعد ذلك.

بعد تسجيله لأكثر من 500 طفل، صار يتحتم على حسني تأمين معلمين ومدرسين للإشراف على تعليمهم، فكلّف رحّال بالمهمة بعد أن منحه منصب (أمين السر) في المدرسة، فسعى الأخير، بكل ما أوتي من عزم، للحصول على معلمين ومعلمات من جميع الاختصاصات التربوية والعلمية والأدبية، فأنشأ مكتباً خاصاً لإصدار الشهادات الجامعية السورية من مدينة أورفا، استطاع من خلاله منح شهادة البكالوريوس لأي شخص خلال يوم واحد فقط، مع التصديق من الخارجية السورية في دمشق أيضاً، بل وختم القنصلية من إسطنبول!

وبذلك، استطاع الصديقان المخلصان، حسني ورحّال، الحصول على معلمين من معارفهم ومن كافة الاختصاصات المطلوبة، كلّ واحد منهم يستخرج شهادته بـ 100 دولار فقط من مكتب رحّال حسب ميوله التدريسية، ويتم تعيينه في مدرسة حسني، والتي أطلق عليها مدرسة “جيل الصدق والطريق القويم”.

حافظت مدرسة جيل الصدق، ومديرها حسني، ورحّال معاونه وأمين سرّه، على طاقمها الإداري والتدريسي في السنة الثانية لها، رغم احتجاج الأهالي وشكاواهم المستمرة من فشل أطفالهم في كافة المواد، لكن، ونظراً لعدم وجود مدارس بديلة وقتذاك لم يكن أمامهم سوى الرضوخ والرضى أمام حاجة أبنائهم للجلاءات آخر العام..

ومرّت الأيام والشهور، وحسني وأصحابه يجنون ثمار كدّهم وتعبهم، كيف لا، وهم الذين سهروا على تعليم الأطفال وتأهيلهم ليصبحوا قادة المستقبل..

ولاستمرار عطاء حسني اللا محدود، أنشأ فرعاً آخر لمدرسته في مدينة أنطاكيا، وآخر في إسطنبول، ومنح مدرسيها الشهادات الجامعية التي يستحقون من مكتب صديقه وشريكه رحّال، ونتيجة لذلك العطاء وتلك الشهادات العليا، حصل حسني وأفراد طواقمه، على الجنسية التركية التي منحتها الحكومة لأصحاب الكفاءات من السوريين..
ويستمر العطاء

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …