مفيدة عنكير : أحلام خنقتها الحرب

 

 

مفيدة عنكير –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

كنت أقرأ عن الحرب، وأشاهد أفلاما عنها أيضا،  لكن كل ماكنت أتخيله ، أنها ستنتهي بعد الانتهاء من قراءة الكتاب أو مشاهدة الفيلم، لم أكن أعلم يوما أنني سأعيشها كل هذ المدة، وأني سأكون بطلة من أبطالها، ولربما هذا اللقب، أبعد ما يكون عني، فلست سوى ضحية من ضحاياها، كما الآلاف، فعقد السعادة معي كان يشارف على الانتهاء، وأسرتي الصغيرة السعيدة، ودعت أيام الفرح مع دخول عناصر الجيش لبيتنا، واعتقال زوجي.

كل ماكنت أظنه أنها أيام ويخرج، لكن الأيام تحولت لشهور، ولم يعد باستطاعتي إكمال هدنتي مع الصبر، صبري الذي تعلمته من حبه لي، حين عاند الجميع وتزوجني، تقول علا: أن تفقد المرأة زوجها في مثل هكذا ظروف، كما لو أناه فقدت قدميها وعينيها، لم أعد أستطيع الكذب على اطفالي، في كل يوم يسألون به عنه، كنت أقول أنه مسافر، في حرب كهذه، بات الكذب يعرف طريقه إلينا بسهولة، كيف أقول لأطفال لم نزرع في رؤوسهم سوى حب الوطن، أن حماة الوطن هم من سرقوا أبيهم منهم، كيف أقنعهم أن الأب الذي رسموا صورته في مخيلتهم بأنه الفارس الذي لا يقهر، قهره اخوته في الوطن وسجنوه. 

عاندت الليالي، والأيام وأنا أبحث عن أحد يساعدني لأعرف مكانه، كل من ساعدني في البحث عنه، جاءني بجواب قاتل، غير موجود في الفرع كذا،  لم يسمع أحد به، ضاقت الدنيا بي، صار لزاما علي العمل، لأستطيع تأمين الطعام لأطفالي، وجدت عملا في محل للألبسة، لكن المنطقة، اشتعلت أكثر، الاعتقالات طالت الجميع، حتى صاحب المحل، اضطررت للانتقال إلى بيت أهلي، أمي التي كانت بلا أقدام ولا عيون أيضا، فأبي الذي ودعنا قبل أن يرى ماحل بنا، تركها مثلي تماما، وحيدة تتخبط حتى كبر أخوتي وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم.

 استطعت أن أشتغل بالصوف قليلا، وأساعد أمي في مصروف البيت،  فمعاش أبي لم يعد يكفينا جميعا، بقيت هكذا حتى نهاية 2013، وأنا لا أعلم شيئا عن زوجي، إلى أن جاء لأهله  خبر من أحد المفرج عنهم، أنه يعرف زوجي ورآه في سجن تدمر، وأن تهمته كانت حمل السلاح، زوجي الذي لا يعرف حمل سكين، متهم في حمل سلاح، تقرير من أحد المغرضين جعل من زوجي مجهول المكان، بعيدا عن أطفاله وعني، هكذا ببساطة وبجرة قلم من عابث حاقد، كما أغلب المعتقلين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون في بلد، مخابراته أكثر من أطبائه، وثمن الإنسان فيه، يساوي وشاية.

استطاعت علا أن تتمسك بالأمل، حتى شعرت أن الأمل لم يعد له وجود في قلوب الجميع، سنتان، ولا خبر عنه، سوى أنه في سجن تدمر، وكلما سأل أحد عنه، جاء الرد بالنفي. لم يعد الحي التي تعيش به في ريف حمص، حيا آمنا، بدأت الأمور تتجه للسلاح، والقصف اليومي، فصار لزاما عليها حماية أطفالها، الذين طالما قالت عنهم أنهم أمانة زوجها عندها،

تكمل علا: كنت أدعو الله دائما أن يجعلني قادرة على رد الأمانة له، انتظرت خروجه أشهرا، وأنا أشعر أن عيوني لم تعد جزء من وجهي، وأسئلتي أطفالي تقتلني ألما، انتقلت إلى إدلب مع أمي وأخي الصغير وأطفالي هناك، هناك منحتنا أحدى العوائل  الذين كانت تربطهم علاقة صداقة بأبي، بيتا، وبقينا في إدلب، في قرية صغيرة بعيدة عن القصف التي تشهده أغلب المناطق. وتعهد صديق أبي الطيب، أن يسأل عن زوجي، ويبذل كل جهده ليساعده في الخروج، وفعلا، لم يمض شهر واحد حتى جاءني بالخبر الصاعق، لم أعد أذكر بعد أن سمعته ماحل بي، كل ما أذكره أني  صحوت لأجد نفسي في المشفى، وأنا أسمع كلمات أمي وهي تواسيني، وتوصيني بالقوة والصبر من أجل اطفالي.

أكملت علا حياتها بقليل من الحياة وكثير من الصبر، فخبر إعدام زوجها، أفقدها الإحساس بالحياة، لكن من وجوه أطفالها استطاعت أن تسرق الصبر، الصبر الذي يجعل منها امرأة من فولاذ.

تكمل علا: لم أكن أعلم أن الحياة تلاعبني بهذه الطريقة، لتجعلني أكون أمام خيار أن أموت ليعيش غيري، فقدت القدرة على الصبر فجأة، القصف اليومي الذي بدأ يربكني ويزيد قلقلي، وخوفي على أطفالي دفعني أن اطلب من أمي تغيير البلدة، ساعدنا أصدقاء أبي بذلك، انتقلنا إلى بلدة ريفية أخرى، وهناك بدأت لعبة الحياة معي، كان كرم ذلك الرجل  الذي ساعدنا في تأمين بيت ،  سخيا، للحد الذي جعل أطفالي  يحبونه، ويشعرون بالأمان معه، رجل بكل مواصفات الإنسانية، يحمل من الطيبة، ما لو وزعها لأحيت الجميع،  ولأنه بكل هذه الصفات، أرادني زوجة له، طالبا مني أن أقبل أن يعينني على تربية أطفالي، لم أستطع أن أقبل في البداية، فأنا كل ما أعرفه عن زوجي أنه أعدم، لكن لم أرى جثته، ولا حتى بطاقته الشخصية، لأتأكد من ذلك، فكل من سمعنا عن إعدامهم في المعتقل، كانوا يرسلون لهم بطاقاتهم وبعضا من لباسهم.

 تضيف علا: بقيت أرفض قرابة لعدة شهور، إلى أن جاءني بصحبة شيخ، مفتيا لي أن طول مدة غياب زوجي، تبيح لي الزواج، خاصة مع خبر إعدامه، طلبت منه مهلة، وأنا أفكر بأطفالي وقدرتي على مواصلة الحياة وحيدة، في هذه الظروف الاستثنائية، وما كان مني إلا أن وافقت، ليكون يوم عرسي أشبه بالعزاء، لكن طيبة ذلك الرجل جعلتني أعاهد نفسي أن لا أفكر بزوجي بعد هذا اليوم.

عاشت علا قرابة الشهرين،  دون شعور بالخوف من انقطاع ما بقي لديها من مال، ودون أن تفكر ببحث عن عمل، وسكن أمها وأخوها معها، ولا شيء يعكر عليها سوى أخبار الموت اليومية، نتيجة القصف المتكرر حولها. وأخبار المدن الأخرى التي باتت زاد عيونها اليومي من التلفاز.

تكمل علا: لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم، فمنذ الصباح وأنا أشعر أن شيئا ما سيحدث، كان الوقت ظهرا، حين جاءتني رسالة من أحد أقرباء زوجي السابق، فهم لا يعرفون بخبر زواجي، حيث لم أجد أن الخبر سكون جيدا لهم، لهذا كتمته عنهم، لم أكن أعلم أن هذه الرسالة هي لعبة الحياة معي، زوجي على قيد الحياة بعد غياب ما يقارب السنتين وبعد وصول أخبار عن إعدامه، وانقطاع كل أخباره. لم أعرف ماذا أرد ولا من أخبر، وماذا سأخبرهم، أني الآن على ذمة رجلين، لم يكن هذا كرما من الحياة، إنه امتحان بشع، شعر زوجي بارتباكي، فأخبرته هو وأمي، لم يكن من إلا أن خرج من البيت، دون أن ينطق كلمة، ليزيد فوضى تفكيري، لكن أمي أخبرتني أن أخبر أهل زوجي بالحقيقة، ففعلت. وماهي إلا أيام حتى أتصل زوجي الأول بي وطلب عنواني، ليأتيني في اليوم الثاني. حيث شرحت له أمي ما حدث معنا من ذلك الرجل الطيب، أي زوجي الثاني. كنت وقتها لا أستطيع فعل شيء فأنا على ذمة رجل جديد، لم أستطع حتى أن أعانقه، وأضمه لي، كنت أحسد أطفالي وقتها، أنهم يستطيعون ضمه ومعانقته، كان موقفا قاتلا لنا جميعا، الرجل الذي أحبه و يحبني ووالد أطفالي والرجل الذي أحبني وأكرمني وساعدني. كان من الصعب أن يطلب مني الأول الطلاق والأصعب أيضا أن يطلقني الثاني، وهو لا يعلم إن كان يريد مني زوجي الأول العودة له حتى، فمن الصعب على رجل تقبل أن يرى زوجته مع رجل آخر حتى لو كان شرعا. كنت متأكدة أننا الثلاثة كنا نتمنى لومتنا أفضل من أن نوضع أمام هكذا خيار. لكن أمي بحكمتها طلبت من الاثنين أن يجتمعا معها. لكن زوجي الأول طلب وقتا للجميع للتفكير. ليفاجأني بعد أيام بأنه يترك الخيار لي في البقاء  أو العودة معه، لكنه يريد أطفاله. أحس زوجي الثاني بي، وبدوره صارحني أنه لا يريد أن يحرمني أطفالي، لهذا أراد أن ينهي حيرتي، ليطلقني ويتركني أذهب مع أطفالي بعد انتهاء مدة عدتي.

عادت علا لزوجها، لكن شيئا ما تغير، زوجها الذي ما توقف عن حبها يوما، تبرد مشاعره تجاهها، والسبب خبر كاذب للأمن، ثم خبر كاذب لها، ليتوقف قلبه عن النبض، فلا شيء يجمعهما الآن سوى البيت والأطفال، وعلاقة زوجية مكتوبة على ورقة. تخشى أن يقترب فيه اليوم الذي تتمزق به حتى تلك الورقة.

شاهد أيضاً

محمود الوهب: البشير

  محمود الوهب –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م (1) على الرغم …