محمود الوهب: البشير

 

محمود الوهب –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م

(1)

على الرغم من تعاملي الواسع، وأنا طفل، ويافع، مع الكثير من الحمير.. ركوباً ولهواً، واستخداماً في أمور مختلفة.. إلا أنني لم أكن على دراية تامة بما يمتاز به الحمير من فضائل، ولم أتعرف إلا على نتف قليلة من بعض طباعها، وأمزجتها، وكلُّ ما أستطيع قوله عن الحمار:

“إنَّ الحمار صديق ودود للإنسان، وخادم جيد له..”

لكنَّ الحقيقة أن مولاي سيدي عباس، بما يملكه من علم غزير، وخبرة عملية، قد فتح ذهني على ما في الحمير من صفات ومزايا تتفوق، في أحيان كثيرة، علينا، نحن بني الإنسان..!

(2)

أن يستدعيك زعيمك المفدَّى على نحو مفاجئ، وفي وقت مبكِّر من اليوم، أي قبل الدوام الرسمي بعدة ساعات، فهذا يعني أنَّ ثمة أمراً خطيراً حدث أو سيحدث، وهذا ما يضعك في نفق أسئلة، ما تني، تنمو، وتتشعب، مدخلة إياك في دوامة من القلق، والهواجس! إذ تأخذ أعمالك اليومية الماضية تكرَّ أمامك ككرة من الخيوط تأخذ في التدحرج على منحدر، لتهوي في النهاية إلى واد سحيق! أتراه دعاك لأمر يخصُّك؟ أله علاقةٌ بخطأٍ ارتكبته؟ أهناك وشايةٌ ما؟! وهكذا، تذهب روحك في رحلة قلق ورهبة، تستعرض خلالها وجوه زوَّارك، وأسماءهم، ومراتبهم، ومشكلاتهم، والحلول التي عملت بها، وتظلُّ الوساوس الشيطانية تعبث بأعصابك، تشدٌّها نحو نهاياتها، لتعزف عليها أناشيد الفزع والترقب! وأنت سائر بين يدي حرَّاس زعيمك المقربين، ممتثلاً للأوامر، كأنك أسير لا وزير. ذلك، في الحقيقة، ما حصل معي يوم بادرني الزعيم بعلومه اللافتة عن الحمير..!

(3)

ما أراحني ذلك اليوم، أنَّ الطريق لم تكن طويلة، فأنا الوحيد، من بين أفراد الحاشية كلها، من مُنِحَ هذا البيت الفخم بجوار قصر الزعيم. “وحدك، يا عبد الملك، من يستحق هذه الدارة!”

(بهذه العبارة همس لي الزعيم حين أمر بمنحي دارتي التي أسكنها).

كان مولاي سيدي عباس، لدى وصولي إلى القصر، على هيئته البهية المعتادة، وبكامل هندامه الرسمي، أما أنا فقد صرت إلى حال من الخوف لا تشتهى لعدو.. حاولت جاهداً أن أرسم على وجهي ابتسامة ما.. لكن محاولاتي ذهبت عبثاً، فروحي القلقة لم تستجب لي، وبقيت صفحتا وجهي منغلقتين على ذاتي الداخلية. وشعرت بتضاؤلي المتناهي إلى درجة أنني لم أعد أحس بوجودي! وفي الحقيقة، لا أعرف كيف قدِّمت تحيتي لمولاي الزعيم؟! بل إنني أتساءل الآن هل قدمتها فعلاً؟! هل جاءت تحيتي مشفوعة بانحناءة لامست ركبتي مولانا على أتم وجه؟ أتراني قبلت يده، كالعادة، دون تكليفه عناء رفعها؟! هل قرأت بياني الشفوي على نحو واضح، بيان تجديد عهدي الطاعة والولاء! أتراني أتيت على ذكر فضائل الزعيم علينا بدءاً بما يمنحنا نسغ الحياة، وليس انتهاء بالخيرات الجمة التي يغدقها علينا في الأعياد والمواسم المختلفة، وبخاصة علينا، نحن – المقربين – منه، المحافظين على عهده، المسبحين بحمده، وببقائه الأبدي ذخراً لنا ولأمتنا الأبيّة الذي يسهر على راحتها وأمنها!

(4)

كيف زالت الغمة عن نفسي، أنا لم أعِ ذلك، فما إن سمعت مولاي يتلفظ بعبارة: “ولاية العهد”، حتى عادت إليَّ يقظتي وحيويتي الداخلية، صحيح أنني لم أصدق أذنيَّ ما قد سمعتُه في البداية، وصحيح أنَّ شكّاً ما داخل نفسي، لكنني، وعيناي، تريان إلى مولاي، وهو بكامل هيئته، وجلوسه المعتاد، ويقظته التامة، وجدِّيته في طرح المسألة أكثر من أية مسألة طرحها عليَّ طوال فترة خدمتي له.. شعرت بأنّ حواسي كلّها تستنفر هكذا دفعة واحدة، إذ تأكد لي أنني لست في حلم على الإطلاق، وأن مخاوفي الأولى كانت مجرد وهم، ومحض خيال..! وسمحت لنفسي أن يهمس بعضها إلى بعض بأن مولاي العظيم، يقصدني بولاية العهد، وإلا ما كان دعاني وحيداً، وفي غير الدوام الرسمي أيضاً.. ولا أخفيكم، أنَّ بهجة ما قد غمرت داخلي، ومن غير أيَّة محاكمة للأمر، انهلت مباشرة على يدي الزعيم الاثنتين ألثمهما هذه المرة، وجها وقفاً، محبة صافية لم أحس بمثلها في حياتي كلها، وهُيِّئ لي وكأنَّ روحي تناثرت بين يدي مولاي..! لكنَّ فرحتي لم تطل، بل لم يتركها مولاي أن تطول، إذ ما إن كنت أحلِّق فرحاً وامتناناً، حتى رأيته، يسحب يده، بما بقي لديه من قوة، ويستجمع بقايا صوته، ليقول لي في نبرة غاضبة:

“ما لك، يا “عبد المالك”، تزيد في التقبيل والولاء، دونما سبب، كأنك ارتكبتَ وزراً ما؟!” ولم يتركني لمتابعة الشكر عرفاناً بالثقة التي سيمنحني إياها، وشعرت وكأني صرت على حد السراط أرتجف خوفاً مما أكون قد تورطت به.

(5)

عفواً، يا جماعة، فاتني أنْ أقول لكم:

إنَّ زعيمنا حُرِم من الأولاد، رغم كثرة زوجاته، ورغم الولَّادات منهن على نحو خاص، ورغم فحولته التي لم تشك منها أيُّة أنثى، حرة كانت أم جارية، ورغم كثرة الأطباء، والعقاقير المختلفة، ورغم ألوان الأطعمة التي يصفها الأطباء.. لكنَّ مولانا الزعيم، لم يرزق بولي للعهد.. فالذرية، تعلمون، هبة من الله وحده..!

واحدة فقط من هؤلاء النسوة الولَّادات، وصفت للزعيم، بـ: “ذات الهَنِ الحنون” إذ، كما قيل لمولانا:

لا يمكن للبذرة، ضعيفة أو مريضة، أن تموت في رحمها، وبالفعل استطاعت هذه المرأة أن تحضن للزعيم ولداً، وأن تلده سليماً معافى، صحيح أنَّ المولود لم يكن ليشبه مولانا في شيء، لكنَّ “ذات الهن الحنون” أقسمت أنَّه من صلبه، ومولانا صدَّق على قولها بإحساسه الأبوي نحو ولده، وتيمّناً به أطلق عليه اسم البشير..! لكن الأقدار القهَّارة كانت أقوى، إذ توفِّي البشير بحادث عارض أليم.. عند ذلك، وبردة فعل توقف الزعيم عن البحث في مسألة الأولاد أولياء العهد، واكتفى بالكثير من أبناء الحيوان، إذ حوى في القصر أنواعها، وقد خصَّ حماراً صغيراً بمحبة خاصة، أبقى اسم البشير عليه حفاظاً على ذكره.

(6)

لم يطل انتظاري، ولا غضب سيدي العابر، فدخول ”البشير” المفاجئ كان قد محا كلَّ شيء، حين جاء إلينا يتهادى بلونه الأبيض، وعينيه الواسعتين البرّاقتين، وأذنيه اليقظتين المرفوعتين مثل لاقطين، وبذيله الناعم الممشوق! وكان مولاي عباس قد أمر بأن توضع، على المائدة، الجفنات المذهّبة، وأن تملأ بأطايب الطعام، فإنه يريد، اليوم، أن يشاركنا “البشير” فطورنا، وما إن صدرت إشارة السيد إلى البدء حتى رأيت البشير يترك التبن الأحمر والشعير، وألوان طعامنا المختلفة، ويميل إلى جفنة المكسرات فيقرقشها على دفعات، ويهز رأسه لدى كل دفعة، ثمَّ رأيناه يرفع رأسه، وهو ينظر إلينا، ضاحكاً ممتناً.. حينئذ وقع الزعيم في نوبة من التأمل الطويل، دون أن يمدَّ يده إلى المائدة، وكذلك فعلت أنا بالطبع، لم أجرؤ على البوح بأيّ كلمة، إلى أنْ أيقظني الزعيم، كأنما من حلم، أرأيت، يا عبد الملك، مدى قدرة البشير على التمييز..؟! فما وجدت غير أن أردد في شيء من الذهول:

– نعم يا مولاي، وتاج رأسي، إنه يا سيدي.. ولم يدعني الزعيم أكمل عبارتي، إذ تابع:

– من أجل هذا دعوتك.. فقلت، ولم يزل الذهول المقلق يلفني:

– أنا في خدمتكم يا مولاي..!

– لن آتي على بقية فضائل البشير ما ينمُّ عن ذكائه، وقوَّة ذاكرته وقدراته الخارقة، في الريادة والقيادة، وفي هندسة الطرق في الأماكن الوعرة.. فأنت لا شك تعرف الكثير، وأنت تذكر، حين اختطفه اللصوص من حديقة القصر، كيف احتال عليهم، وعاد بمفرده..! ثمَّ إنك تعرف أنّه لولا “البشير” وأمثاله لما استطاعت قطعاننا أن تخرج إلى المراعي بمفردها! أترى يا عبد الملك، كيف يضع المرياع رأسه بين رجلي الحمار، ويمشي خلفه، فيتبعهما القطيع كلَّه؟ أليس كذلك، يا عبد المالك، أم إنني مخطئ؟!

– بلى يا مولاي.. حاشاك من الخطأ..!

– لهذا، يا عبد الملك، لم أر أحداً غيرك أمنحه ثقتي برعاية قراري الخاص بتعيين وليٍّ للعهد، فيما إذا أصابني مكروه مفاجئ..!

(7)

الفيديو الذي سرِّب بعيد لقاء الوزير عبد الملك بفخامة الزعيم الأبدي عرض صوراً للسيد عبد الملك، وهو يقبِّل البشير من وجنتيه، وأنحائه كافة، وعيناه تفيضان بدمع غزير، وهو يهز رأسه موافقاً سيِّده..!  

(8)

حين شاع أمر الفيديو وما فيه من قُبَلٍ ودموع، صدر أمر بأخذ عينِّة من الصور وإرسالها إلى مركز البحث والاستقصاء في الدولة العليَّة، لمعرفة محتواها وماهيتها، وما إذا كانت دموع الوزير ناجمة عن حزن أو فرح..؟!

*  كاتب سوري مهجَّر يعيش الآن في مدينة غازي عينتاب التركية.

شاهد أيضاً

رزق العبي : (الزيت عمود البيت).. إدلب تقطف زيتونها السابع بتوقيت الثورة

    رزق العبي –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م بدأ أهالي …