نوّار بلبل: أنا ابن الشارع السوري الثائر وخرجتُ من وطني بعد تهديدات

 

“كانت حياتي، في السنوات الخمس التي سبقت الثورة، سنوات نهوضٍ عمليّ، أنشأنا أنا ورامز الأسود “مسرحَ الخريف”، وانطلقنا بأول عملين مسرحيين، حصدا جوائزَ عدّة حول العالم، في الوقت الذي اندلعت فيه ثورات الربيع العربي، وكنت متحمّسًا وتوّاقًا لأرى المشهد ذاته في سورية”، بهذه الكلمات استهلّ الممثل والمخرج المسرحي السوري نوّار بلبل حديثه لـ (جيرون).

أضاف: “كان أول عمل لنا، في مسرح الخريف، هو مسرحية (حلم ليلة عيد)، تبِعه العمل الأضخم (المنفردة) الذي كان من كتابتي وإخراج رامز الأسود، وتناول العمل قضية سجناء الرأي والسجناء السياسيين، ومعاناتهم داخل السجون، في فترة كان العمل الفني يخضع فيها لرقابة شديدة من قِبل أجهزة المخابرات، وعُرض العمل في أكثر من 25 دولة حول العالم، من أميركا إلى كندا وأوروبا وحتى اليابان، وحصدنا العديد من الجوائز؛ ما لفت أنظار القصر الرئاسي، فاستدعتنا أسماء الأسد، وعرضت علينا المساعدة والدعم، وتبعها استدعاؤنا من القصر الجمهوري، وعرض علينا ميزانية سنوية تراوح بين 80-100 ألف دولار سنوي”.

أشار بلبل إلى أن رامز الأسود كان موافقًا على العرض، أما هو فقد تسبّب له باضطرابٍ وقلق، لا سيّما أن القصر الرئاسي اشترط، مقابل العرض، العملَ ضمن الحدود والأُطر التي يسمح بها، ويريدها، وقال في هذا الصدد: “شعرتُ حينذاك أننا سنكون سعادين سلطان”.

إلا أن ثورات الربيع العربي التي تلت العرض بفترة وجيزة، كانت بالنسبة إلى بلبل كـ “المنقذ”، حسب قوله، وأوضح: “مع انطلاقة ثورة تونس، وبعدها مصر وليبيا؛ أغلق النظام كل ملفات مشاريع الدعم والتطوير، ووجّه جهده نحو التخطيط لقمع التظاهرات، إذا ما اندلعت في سورية، وعندما انطلقت الثورة؛ لم أتردّد لحظةً في الانحياز إليها، وأنقذتني من هبة السلطان التي لا يمكن رفضها”.

حول أسباب تأييده للثورة، قال: “كثيرًا ما يُطرح عليّ هذا السؤال، وجوابي أنني بالأصل لم أكن يومًا ما مع هذا النظام، ولم أبجله وأعظمه وأسبّح بحمده -كما فعل ويفعل الكثيرون- ولقاءاتي الإعلامية مع وسائل إعلام سورية، قبل الثورة، تُثبت ذلك، وكنت أعدّ الدقائق والثواني منتظرًا يوم انطلاقة الثورة السورية التي بدأت من المهد: درعا، حين قمع النظام المتظاهرين ضده، من أول يوم، وقتلهم”.

لفت بلبل إلى أنه في نهاية آذار/ مارس عام 2011، بدأ الفرز في صفوف الفنانين السوريين، وأضاف في هذا الجانب: “تعرضتُ لأول موقف في أثناء فترة إنهائنا لتصوير مسلسل (رجال العز) الذي كان بطولة الشبيح قصي خولي، حيث إن هذا الشبيح كان يتحدث بصريح العبارة (فليمسح النظام درعا ويزرعها بطاطا). هؤلاء المنتفعون لا يمكن أن يكونوا إلا أبواق نظام، وكنت سعيدًا لهذا الفرز”.

تابع: “هنا، توجّهت إلى أصدقائي الفنانين، ممّن أعلم مواقفهم الحقّة، مثل فارس الحلو، ومحمد آل رشي، وكان يفصل بيني وبين الأخير -قبل الثورة- خلافٌ بسيط، لكن انطلاقة شرارة الحرية أنستنا ذلك الخلاف، واجتمعتُ معه في منزله في دمشق، لنفكّر بما يمكننا عمله، ونبدأ حراكنا مع الشارع السوري الذي ننتمي إليه، وشرعنا نشارك بالتظاهرات السلمية، في ركن الدين، ثم دوما، ثمّ شاركتُ في تظاهرات حمص، وكان تواجدنا في التظاهرات يعطي حافزًا إيجابيًا للشعب، في الخروج بالتظاهرات ضد هذا النظام المجرم”.

أردف: “على الرغم من أننا -الفنانين- لم نتعّرض كباقي الشباب للاعتقال والتعذيب، لكن كانت تُمارس ضدنا ضغوطات من نوعٍ آخر، فمنذ بداية توقيعنا على “بيان الحليب”، في بداية الثورة، قامت شركات الإنتاج بإيقافنا عن العمل، وهي تتبع أساسًا لأجهزة النظام المخابراتية، وعمّمت بحقي مذكرة اعتقال على حواجز النظام؛ ما ألزمني البقاءَ في المنزل، وعدم الخروج منه إلا في حالات الضرورة القصوى”.

روى بلبل نقاشًا، دار بينه وبين زهير رمضان، نقيب الفنانين السوريين، المنحاز بشدة إلى نظام الأسد، ويصفه بلبل بـ (رأس الشبيحة)، وقال: “كان يتحدث معي من منطلق أن دوما هي معقل السلفية والإرهاب، فكنت أتحدّاه بأن ينزل معي إلى دوما، ولن يُمسّ بسوء، وأخبره بأن هؤلاء معارضون أحرار، فكان يغضب ويبدأ بالسب والشتم، حتى جاء يوم واستدعاني في نهاية 2012 إلى مكتبه، ليُبلغني رسالة مخابرات النظام، ويضعني بين خيارين صريحين: إما الخروج على شاشات التلفزيون السوري وتقديم اعتذار للنظام وللشعب، مقابل اعتقالي لـ 15 يومًا، وبعدها تسوية وضعي، أو أن اللواء جميل الحسن ينتظرني، وجميل الحسن هو رئيس فرع المخابرات الجوية في سورية الأسد”.

أضاف: “كان في تهديد الشبيح زهير رمضان الصريح خيارٌ مُبهم، وهو خروجي من سورية، فوجدتُ أنه الحل الأفضل، وخرجت وبدأت مشواري انطلاقًا من (خيمة شكسبير)، في مخيم الزعتري في الأردن”.

في إطار الأعمال الفنية التي قام بها بلبل دعمًا للثورة السورية، أوضح “بدأتُ بإنشاء (خيمة شكسبير) داخل مخيم الزعتري، واستقطبت الخيمة العديد من وسائل الإعلام، الأمر الذي استدعى إغلاقها، ومنعي من دخول المخيم من قِبل السلطات الأردنية، بسبب قدوم وسائل الإعلام، واطّلاعها على واقع السوريين المرير في ذلك المخيم، بعدئذ، سافرت إلى عمان وأتممت عمل مسرحية (سفينة الحب) التي لاقت صدًى كبيرًا، في وسائل الإعلام”.

عن حاضر سورية ومستقبلها، أشار بلبل إلى “أن الثورة قائمة شاءَ من شاء وأبى من أبى، ومهما تعرّضتْ لنكسات وطعنات؛ فإنها تظل ثورة شعب، وطولُها دليل على صحتها، بالرغم من الألم الكبير الذي يوجع القلوب في كل لحظة، لما يحدث من مجازر يومية وغزو لسورية”.

عن الأسباب التي تَحول دون إنتاج مسلسل تلفزيوني يحكي معاناة الشعب السوري، ينفذه الفنانون المناصرون للثورة، قال بلبل: “في واقع الأمر، لا يوجد جهة تموّل مثل هكذا عمل، كذلك الأمر بالنسبة إلى القنوات التلفزيونية التي لا تقبل عرض هذا الخط، ابتداءً من قناة (إم بي سي) وقنوات الإمارات وغيرها، فكلّها تسوّق لأعمال النظام، وتسييسها بات جليًّا للمشاهدين”.

وصل بلبل حديثًا إلى فرنسا، ليتابع مسيرته المسرحية في طرح قضية شعبه وآلامه للعالم، وهو “بصدد الانتهاء من عمل مسرحي، يسعى لعرضه في العديد من الأماكن، ابتداءً من مسارح فرنسا”. على حد تعبيره.

ختم بلبل حديثه: “علينا اليوم طرح سؤالٍ مهم، أين هو المسرح! نحن الآن نعيش موسمًا من الحرية لم نشهد مثله قبل، والمسرح يحتاج إلى هذه الأجواء من الحرية وينضج بها. بالأمس، لم يكن يستطيع أي مواطن ذكر كلمة “الرئيس”، من دون أن يتلفظ قبلها بكلمة “السيد”، واليوم، نحن نفضح هذا “السيد”، ونتحدث بكامل حريتنا عمّا يرتكبه من جرائم بحق الشعب والإنسانية، وأنا أعوّل على الجيل الصاعد، الجيل الذي لم تشوهه أفكار البعث، ومهما يفعل أعداء الحياة؛ فلن يستطيعوا أن يمنعوا شمس الحرية من أن تُشرق”.

 جيرون

شاهد أيضاً

فيلم معسكر اعتقال.. الغوطة الشرقية