سوسن جميل حسن: ألمانيا وسورية.. درس في الديموقراطية

 

سوسن جميل حسن: العربي الجديد

بينما كانت المفاوضات بشأن الأزمة السورية تتعثر في مؤتمر جنيف الثامن الذي انفرط عقده، بعودة وفد النظام، قبل أن يلتئم، واعدًا بجنيف بحسب متوالية حسابية مفتوحة على رقم مجهول، كان ينعقد في مدينة هانوفر الألمانية المؤتمر الثامن لحزب البديل من أجل ألمانيا، في الثاني من ديسمبر/كانون الأول الجاري، الحزب اليميني الشعبوي، الموسوم من مناهضين له ولسياسته من الشعب الألماني بالنازي، وهو نعتٌ يعتبر نقيصة كبيرة بالنسبة لألمان كثيرين، وقد دخل هذا الحزب البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) للمرة الأولى، بعد أن حقق نسبة 13% من أصوات الناخبين. فهل يحق لمراقب سوري أن يعقد مقارنة بين الحالتين؟ 
من حيث المبدأ، لا يمكن مقارنة الحراك السوري بالحراك الألماني منذ انطلاق الحملة الانتخابية التي انتهت بفوز حزب البديل بنسبةٍ تخوله دخول البرلمان الاتحادي، فالشعب السوري الذي تظاهر، كما الشعب الألماني المتظاهر أمام مقر انعقاد المؤتمر الثامن لحزب البديل منددًا بسياساته، كان طامحًا في وطنٍ معافى يعيش فيه ضمن دولة مؤسسات وقانون، تضمن له حقوقه، وتحترم كرامته، وتدافع عن كيانه، ويحظى فيها برتبة مواطن، دولة تقوم على أساس ديموقراطي، تحقق طموح مواطنيها وأحلامهم وحياتهم بعدالة. لكن الشعب الذي تظاهر بسلمية كاملة قوبل بالرصاص الذي استولد رصاصًا أغزر قوبل بالعنف الذي أجّج عنفًا أكبر، وكان قد رفع شعاراتٍ تطالب بالحريات، فقوبل بخنق أكثر لحرياته وزجّ به في المعتقلات، طالب بدولة مدنية، فانبثق بين أجنابه سلاح يسطو على حلمه، ويعيده قرونًا إلى الوراء، طارحًا أمامه دولة الخلافة التي تقوم على الشريعة وشعار الإسلام هو الحل، ومن لا يوافق فالإقصاء والجلد والرجم والذبح بديل شاف ودواء ناجع. 
لم يحقق الحزب اليميني الشعبوي هذه النسبة، لولا أنه كان لديه برنامجٌ ما، طرحه شعاراً يلامس قضايا ومشكلاتٍ يعاني منها الشعب الألماني، بل وربما لامس نزعةً عصبيةً ما زال لديها بعض الصدور تضمرها في ألمانيا بعد النازية. لكن من المنصف القول إن لدى كل شعب مشكلاته، مهما بلغت تجربته، ومهما حققت من نمو وتطور. ليس الشعب الألماني مرفهًا بالمطلق، فهو شعب كادح يعمل ساعات طوالا، ويدفع الضرائب المرتفعة، ومن حقه أن تكون لديه أحلام وطموحات بتحقيق حياة أكثر راحة وأكثر رفاهية، فجاء حزب البديل ليقول له إن اللاجئين هم أساس مشكلته، فهو يدفع الضرائب، واللاجئ يأخذ المساعدات على حساب تعبه وجهده. ربما لم ينتخبه الجميع من أجل هذا الشعار، وإنما منحه بعض الناخبين أصواتهم نكاية في الحكومة الحالية التي رأى تعثرًا في أدائها وقصورًا ما في تحقيق طلباته، فأراد التعبير عن رفضه سياساتها والتجريب في مكان ما، هذا السلوك هو تعبير عن ثقافة الديموقراطية التي صارت جزءًا من التركيبة النفسية والمعرفية للمواطن الألماني، هي خلاصة تجربة تاريخية مكلفة، أدت إلى إرساء هذه المفاهيم وممارستها، وإلاّ ما كان هذا التظاهر الحاشد المناهض أمام مقر المؤتمرات الذي يعقد فيه حزب البديل مؤتمره الثامن، فمن حق الحزب أن يعقد المؤتمر، ومن واجب الحكومة أن تؤمّن له الحماية، كذلك من حق الشعب أن يتظاهر ضده وضد طروحاته. 

أثارت الكتلة البرلمانية لهذا الحزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني الشعبوي، عاصفة من الاستهجان والغضب لدى نواب الأحزاب الأخرى، الممثلة في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، إثر تقديمه اقتراحا، في 22 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وكانت كتلته قد قدمت اقتراحًا يدعو الحكومة الألمانية إلى الاتصال بالنظام السوري مباشرة، للاتفاق معه على إعادة اللاجئين السورين في ألمانيا، باعتبار أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد اندحر كقوة، وكأن مشكلة الشعب السوري في الأساس مع الإرهاب، ولم يكن لديه طموح التغيير باعتباره حقا للشعوب. وقد قوبل الاقتراح باستهجان من كل الكتل الأخرى، حتى إن النائب في الحزب الاشتراكي الديموقراطي، يوسب يوراتوفيتش، الذي جاء لاجئًا إلى ألمانيا، خاطب كتلة حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني الشعبوي، قائلا: “إما أنكم لا تعرفون شيئًا عن الوضع في سورية، أو أنكم تريدون السير فوق الجثث”. 
إنه درس في الديموقراطية بشقيه، داخل “البوندستاغ” الألماني في السجال الذي جرى بين الكتل الممثلة للأحزاب، وفي الشارع الألماني حيث يتظاهر آلاف للتعبير عن رفضهم طروحات عصبوية، يصفها بعضهم ببساطة بالنازية، لكنها الديموقراطية الواعية. فما الذي يأتي بأفراد من كل الأعمار والأجناس في ظروفٍ مناخيةٍ صعبة، حيث تنزل درجة الحرارة تحت الصفر، ليسجل موقفًا، لولا إيمانه بعدالة القضية التي يدافع عنها وتمسّكه بحقه الديموقراطي، وبأن يكون له صوت؟ كان التجمع الحاشد يحوي مجموعاتٍ تنتمي إلى أحزابٍ، وأخرى من المستقلين، ومن اللافت والطريف مشاركة حزب دي بارتاي، أي حزب “الحزب” الذي اتخذ من السخرية نهجًا لطرح شعاراته وتحقيق أهدافه، فهو، كما تحدّث الناطق الإعلامي باسمه لموفدة “دويتشه فيليه”، ميسون ملحم، إلى موقع انعقاد المؤتمر، يطمح عن طريق السخرية إلى التأثير على الجيل الشاب، وجعلهم يرون بعين ناقدة. في المقابل، كان هناك تجمّع صغير من حزب العدالة والمساواة السوداني، يرفعون لافتة تطالب بالعدالة في بلاد الديموقراطية والعدالة التي لجأوا إليها، فتحدث أحدهم بمرارة: لجأنا إلى هنا، لأن العدالة مفقودة في بلادنا، نطمح بعدالة بديلة هنا. لذلك جئنا نضم أصواتنا إلى أصوات المناهضين لسياسة تعادي اللجوء. 
كل هذا الحراك الذي تُعتبر مشكلة اللاجئين في مركزه، والسوريين تحديدًا، ويبقى الشلل السياسي متمكّنًا من الحراك السياسي فيما يتعلق بالشأن السوري، مواكبًا للتصعيد العسكري، على الرغم من اتفاقات عدم التصعيد أو التخفيف منه، فأين المشكلة؟ لا يمكن الحديث عن مشكلة مجسّدة واحدة، لأن الأزمة السورية، بحد ذاتها، إشكالية كبرى ومشكلة معقدة، بسبب 

كثرة الأطراف الضالعة فيها. لكن يمكن القول إن المعارضة التي ما زالت تحاول طرح نفسها الممثل الوحيد للشعب، وعلى الرغم من التعديلات أخيرا في الهيئة العليا للتفاوض، إلا أنها لم تستطع تقديم برنامج يقنع الشعب، وتلامس قضاياه وطموحاته، المعارضة التي تترجم على الأرض واقعا لم تحقق صورة أفضل مما كانت قبل الانتفاضة السورية، بل كرّرت نمط إدارة الحياة نفسه، وأحيانًا بصورة أقسى. كان أداؤها مثلما لو أن النظام يعيد إنتاج نفسه بمسمياتٍ مغايرة. لم تقدم المعارضة التطمينات لمختلف فئات الشعب السوري، ولم يكن سلوكها نزيهًا، وهي مثل النظام، لم تحترم الدماء التي سفحت على تلك الأرض، ولا الأرواح التي زهقت، ولا النفوس المقهورة المظلومة المنتهكة. 
المعارضة والنظام المخوّلان بالتفاوض على مستقبل سورية، وكيان الوطن والشعب السوريين، لا يملكان حرية القرار والإرادة، كل منهما مرتبط بسياسات وأجندات إقليمية ودولية، وكل منهما يعتبر الوطن كاملاً من حقه، مثلما أن كلا منهما، على ما بدا ويبدو، يطمحان إلى امتلاك عرش السلطة، فأين هي الديمقراطية التي صدّع رؤوس السوريين بها كلا الطرفين؟ أين البرامج المستقبلية التي تجعل الشعب يميل إلى هذه الضفة أو تلك؟ هذا فيما لو بقيت للشعب قدرة على أن يميل. المشكلة السورية تكمن في ضرورة تفكيك نظام سياسي اقتصادي اجتماعي ديني إداري راسخ، صارت منطلقاته وأسسه ونهجه مثل لوح وصايا، نظام لا يمكن قبوله بعد هذه الفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب السوري، هذه هي العقدة الكبرى التي لا يوليها اهتماما، أو ربما لا يملك بديلاً عنها، من يمثلون الناطق الرسمي باسم الشعب، الشعب الذي لم ينتخب، لا نظامه ولا معارضة هذا النظام.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …