عمر قدور: وداعاً لإسقاط النظام!

 

عمر قدور – المدن

يُجمع المراقبون ومحلّلو الشأن السوري على أن سيرة إسقاط الأسد قد انطوت؛ هذا قد لا يكون مهماً بقدر ما تبدو المعارضة نفسها قد وضعت هدف إسقاط تنظيم الأسد وراءها. فنحن اليوم إزاء كتلتين من المعارضة تفترقان “بصمت” عن ذلك الهدف؛ هيئة التفاوض بعد أن ضمت في عضويتها منصة موسكو التي تجاهر برفضها رحيل بشار، والمعارضة التي تعمل بدعم أردوغان وتنتظر منه إيعازاً للانضمام إلى مؤتمر سوتشي، بعد تحمّلها مسار آستانة رغم خرق تفاهماته مراراً وتكراراً.

وبينما يغلب على المعارضة التي اجتمعت في الرياض الطابع السياسي، رغم تمثيل فصائل عسكرية أبرزها “جيش الإسلام” الواقع تحت الضغط العسكري حالياً، تحظى القوى المدعومة من أردوغان بحضور عسكري أقوى على الأرض، فضلاً عن التجانس الأيديولوجي لفصائلها الإسلامية. الهجوم الوحشي على الغوطة الشرقية لا يبعد عن ذلك الانقسام، ففي الجانب السياسي منه هجوم على ما تبقى من حضور عسكري للرياض، وإن قدّم فصيل “أحرار الشام” المقرّب من أنقرة الذريعة بهجومه المباغت على ثكنة ضخمة لميليشيات الأسد والميليشيات الشيعية المتمركزة فيها.

الحديث عن تنافس بين المسار الأممي في جنيف ونظيره الذي ترعاه موسكو، بالاتفاق مع طهران وأنقرة، يكتمل بوجود أدوات محسوبة على المعارضة السورية ضمن المسارين. وإذا كان ظاهراً على السطح وجود حكم الملالي كحليف ضمن المسار الروسي، بسبب طغيان الحديث عن الصراع الشيعي السني في المنطقة، فهو يغطي على وجود أردوغان الذي يطرح نفسه قطباً سنياً، وينافس على هذا الصعيد الزعامة السعودية. وكما كان الأمر خلال سنوات الحرب ستغيب عن الواجهة آثار ذلك التنافس، رغم أنه كان من العوامل الأسوأ تأثيراً في الميدان، ورغم استمراره في تشتيت جهة خصوم الأسد في مرحلة حرجة تهدد بتصفية القضية السورية.

إلا أن أي كلام عن أثر التنافس الدولي أو الإقليمي لا يلغي مسؤولية المعارضة، بخاصة عندما تفقد هدفها تحت تلك الضغوط، أو تحافظ عليه لفظاً في انتظار لحظة إعلان إفلاسها وعجزها التام. تكرار الإشارات عن ضعف المعارضة وضرورة تحليها بالواقعية لا يستقيم مع محاولات ترويضها وتحجيمها خلال السنوات الماضية، وإذا كان بعض تلك المحاولات يبتغي إيصالها إلى هذه اللحظة “لحظة الاستسلام” فالوصول إلى هذه النتيجة أيضاً مسؤولية أولئك الواقعيين الذين أسلموا قيادهم إلى قوى الأمر الواقع الخارجية. مع ذلك، ليس محتماً اضطرار المعارضة إلى قبول ما كانت ترفضه سابقاً، إلا إذا كان محتماً رضوخها لشتى أنواع الضغوط على حساب قضيتها.

تملك المعارضة حتى الآن، بالطبع بعضها لا كلها، أن ترفض محاولات دفعها إلى التوقيع على تسوية تُبقي تنظيم الأسد في السلطة. السؤال عن الخيارات البديلة أمامها يوحي بوجود مكاسب من عملية التسوية، وهذا ما تكذّبه مجريات كافة جلسات التفاوض حتى الآن، سواء في جنيف أو آستانة. عملياً كانت هناك إرادة دولية منعت إسقاط الأسد، والآن لا توجد إرادة دولية لعقد صفقة سياسية يتنحى بموجبها، وفي كل الأحوال لن تكون الصفقة المأمولة مع سوريين بل مع الروس والإيرانيين، وطالما بقي الملف السوري في عهدة موسكو وطهران فموعد الصفقة بعيد جداً، إذا لم تكن سراباً.

كذبة المفاوضات برعاية أممية تكاد تنتهي، فخلال ثماني جولات لم تكن هناك مفاوضات فعلية، ولم تكن هناك مواكبة دولية في حدها الأدنى، بل تُركت لموظف دولي يتنقل بين الغرف، ولا يندر أن يعبّر عن تفاؤله رغم اعترافه بعدم تحقيق أية نتيجة! ما يحدث في جنيف، أو ما لا يحدث، لا يعني فقط عدم نضج التسوية الدولية، الأقرب إلى الدقة هو وجود لامبالاة أمريكية إزاء الملف السوري، إن لم نقل وجود تواطؤ أمريكي مع موسكو لإفشال المسار الأممي. تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في هذا الشأن قد لا تعكس رأي إدارته، وعلى أية حال هو مهدد بالاستغناء عنه بسبب خلافاته معها.

ولكي ترفض المعارضة استخدامها في إنعاش تنظيم الأسد فالأمر يتطلب منها عدم الانصياع للأوامر الإقليمية، حيث ثبت أن الاعتبارات الإقليمية لا تقيم أدنى شأن لمصالح السوريين، وثبت ضمن الصراع الإقليمي الأوسع استعداد كافة القوى المؤثرة للتضحية في ملف لقاء الكسب في ملف آخر. وأهم التغيرات الأخيرة في هيكلة الوفد المفاوض ليس استبعاد بعض الأشخاص على خلفية الخلاف الخليجي مثلما قيل، وإنما ضم تيار شبه موالٍ للأسد على خلفية التفاهم مع موسكو، ما يوضّح أن قضية التغيير في سوريا غير موجودة ضمن أولويات الدول الإقليمية التي تتسابق لإرضاء قوة الاحتلال الروسي، ولعل أنقرة كانت سبّاقة على غيرها في الإرضاء وفي حصد النتائج لصالحها.

تستطيع المعارضة أن تقول “وداعاً لإسقاط النظام” الآن، لأن الظروف غير مواتية حقاً؛ هذا مختلف عن توقيعها تسوية تفرّط بحقوق السوريين. تستطيع عطفاً على ذلك إعلان فشل الخيار العسكري، لأن هذا الخيار غير ممكن عملياً من دون دعم دولي جاد، وقد كُتبت نهايته منذ التفاهم الدولي والإقليمي على تسليم حلب بثقلها ورمزيتها.فوق ذلك ينبغي على المعارضة الاعتراف بأنها فشلت فشلاً ذريعاً على الصعيد الخارجي، لا لأنها راهنت على قوى خذلتها فحسب، وإنما لأنها جعلت من القوى الإقليمية وسيطاً بينها وبين القوى الدولية المؤثرة، ومن ثم قبلت بأن يكون الوسيط وصياً عليها وعلى توجهاتها. هذه هي الواقعية التي قد تفيد المعارضة، وهي غير تلك التي تنص فقط على النتيجة الحالية والاستسلام لها.

لا تكسب المعارضة احترام السوريين بشعار إسقاط النظام بينما تنصاع لما يخالفه، ولا تكسبه وهي تتبدل بموجب الرعاة والأوصياء، وأيضاً لا تخسر بشرف. يمكن للمعارضة أن تكون “واقعية وتطلب المستحيل” عندما تستعيد قرارها وتمثيلها تطلعات السوريين، وبالطبع يمكن لها الانتظار مطولاً برفقة ديمستورا، وأن تتعلم منه تمسكه بوظيفته بخلاف أسلافه.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …