حرسي علي.. الأسد!

05qpt995صبحي حديدي- القدس العربي:

في غمرة المتبارين حول الانتفاضة السورية، أو المتكالبين عليها، من زاعمي الخبرة الجيو ـ سياسية في شؤون وشجون الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلام عموماً، ومدّعي الدراسة والدربة والدراية في أدقّ تفاصيل تاريخ سورية واجتماعها واقتصادها وثقافتها؛ لم يكن ينقص إلا… أعيان حرسي علي، دون سواها: المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة ‘العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل’، أحدّ أشدّ الأعمال ركاكة وغثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ ‘خضوع′، الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية، وأسفر عن اغتيال المخرج واختباء ‘النجمة’ بعد وضعها تحت حراسة أمنية مشددة…
ماذا أبدعت هذه العبقرية عن الانتفاضة السورية؟ أو، بالأحرى، ما الذي يمكن أن تخرج به قريحتها الضحلة، سوى التنميطات الركيكة التي لم تعد مكرورة وفارغة وجوفاء، فحسب؛ بل صارت أقرب إلى النفخ في قربة مثقوبة، أو تشغيل أسطوانة مشروخة كانت نشازاً في الأصل. ما يجري في سورية، وخاصة سقوط مئة الف ضحية (لإنّ الستّ حرسي علي ما تزال واقفة عند هذا الرقم) ليس ناجماً عن وحشية النظام، ولا عن استخدام جميع صنوف الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك صواريخ الـ’سكود’ والقاذفات والأسلحة الكيميائية؛ بل هو نتيجة طبيعية لامتناع ‘الثقافة الإسلامية’ عن ‘قبول الآخر’، وعجز المسلم عن تقديم التنازلات لأخيه المسلم، وانعدام مبدأ التفاوض في الشريعة!
‘في سورية، تندلع حرب أهلية تتزايد باضطراد طبيعتها الطائفية. وفي تونس، تتعاظم الاحتجاجات ضدّ الحكومة الإسلامية، في أعقاب اغتيال سياسي علماني آخر. وفي ليبيا يتفاقم العنف بين الميليشيات المتنافسة. وهناك، كما فيالعراق، نشهد السيارات المفخخة واقتحام السجون’؛ وأمّا ‘فرصة تدخّل غربي فعّال’ للمساعدة في إسقاط النظام، فإنها ‘نُسفت بسبب سيطرة المجموعات الجهادية على الحرب ضدّ الرئيس بشار الأسد”؛ تكتب حرسان علي، على سبيل توصيف مآلات ‘الربيع العربي’، في تعليق نشره موقع ‘هفنغتون بوست’ الإخباري الأمريكي. وبفضل علومها النيّرة، ومعلوماتها التاريخية الفذّة، نكتشف أنّ النزاعات الدينية التي تشهدها المنطقة ليست عائدة إلى الانقسام السنّي ـ الشيعي (إذْ لا ترد هذه الثنائية على بال حرسي علي، البتة)؛ بل هي ناجمة عن… سقوط الإمبراطورية العثمانية!
مفيد أن يعود المرء بالذاكرة إلى صيف 2006، حين استقالت الحكومة الهولندية ودعت إلى انتخابات برلمانية مبكرة، بعد انهيار ائتلافها الليبرالي جراء انسحاب الحزب الأصغر في التحالف، احتجاجاً على سعي وزيرة الهجرة ريتا فردونك إلى سحب جواز السفر الهولندي من النائبة حرسي علي. ورغم أنّ فردونك كانت تطبّق القانون بحذافيره، على نائبة يحدث أنها تمثّل الحزب الليبرالي ذاته الذي تنتمي إليه الوزيرة، خصوصاً بعد أن أقرّت حرسي علي علانية بأنها خالفت القوانين المرعية وقدّمت معلومات كاذبة في استمارة طلب اللجوء؛ إلا أنّ البرلمان صوّت على قرار يطالب فردونك بإيقاف إجراءات سحب الجواز، الأمر الذي امتثلت له الوزيرة.
كادت القضية أن تنتهي هنا، إذاً، مع تسجيل نقطة لصالح الديمقراطية ضدّ البيروقراطية، خاصة بعد رضوخ الوزيرة العنيدة؛ لولا أنّ حرسي علي برهنت على عناد أشدّ وأمضى، فلم تكتفِ بالاستقالة من البرلمان، وإنما أدارت ظهرها للبلد بأسره، ويمّمت شطر الولايات المتحدة، لتلتحق بالمعهد اليميني المحافظ ‘أمريكان إنتربرايز′؛ حيث عملت ـ صدّقوا ما تقرأون! ـ ‘خبيرة’ في شؤون الإسلام! ‘شهادات الخبرة’، التي جعلت المعهد يسارع إلى توظيفها، نهضت على هذا التقريظ (الذي لفّقه أحد الناطقين باسم المعهد، دون أدنى خجل من التخابث الرخيص في حشر الألقاب الدينية كيفما اتفق): إنها ‘إبنة الإسلام المتمردة على آيات الله’!
مفيد، كذلك، استعراض الشريط التالي، من وقائع حياة هذه المهاجرة: 1992، تصل إلى هولندا، من الصومال، وتحصل في زمن قياسي على اللجوء السياسي بسبب ما تعرّضت له من اضطهاد على يد الإسلاميين في الصومال؛ 1997، تُمنح الجنسية الهولندية، دون مشكلات تُذكر، وفي زمن ماراثوني بالقياس إلى الغالبية الساحقة من الحالات المماثلة؛ 2002 يضمّها الحزب الليبرالي إلى لائحة مرشحيه للبرلمان، فتضطرّ عندها إلى الإقرار بأنها قدّمت معلومات مضللة في طلب اللجوء والجنسية؛ 2003، تفوز في الانتخابات، وبعد سنة فقط تظهر في شريط ثيو فان غوغ… أيّ مسار ‘مهني’ و’أكاديمي’، ذاك الذي أهّلها للعمل ‘خبيرة’ إسلام ومسلمات ومسلمين، في المعهد الأمريكي العريق، الحصين المنيع الذي لا يدخله إلا ثقاة المحافظين والمرضيّ عنهم من أهل اليمين!
ولكن لِمَ العجب، إذا كانت الدورية الشهيرة ‘فوريين بوليسي’، التي يصدرها معهد كارنيغي الأمريكي الشهير، اختارتها في المرتبة 37 من لائحة الـ 100 شخصية الأكثر تأثيراً في الوظيفة الحساسة التي يطلق عليها الغرب تسمية ‘المثقف العمومي’؟ ثمّ ما الغرابة ـ من سيدة لم تنتج إلا ركاكة الأقوال عن الشريعة، والعزف على ذات الأوتار التي تطرب خواف الغرب من الإسلام، وتغذية بعض نزوعاته العنصرية ـ في أن تخاطب سفاح سورية بـ’الرئيس′، فيصفّق لها إعلامه، ويتلهف شبّيحته على نسبها إلى آل بيته، ولعلها بذلك تكتسب كنية جديدة: أعيان حرسي علي… الأسد!

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً