العرب والقوى الإقليمية

333د. رياض نعسان أغا- الاتحاد:

كنت أحد المتفائلين بأن يسفر «الربيع العربي» عن نهوض للأمة يحقق لها حضوراً إقليمياً إن لم أقل دولياً، ولكن مسارات هذا الربيع جعلته شتاء موحلاً، وتراجع الحضور العربي بشكل مريع في الساحات الإقليمية والمحافل الدولية لدرجة أن قضية العرب الكبرى اليوم وهي القضية السورية ليست في أيديهم، على رغم أن نتائجها وما ستؤول إليه سيحدد مستقبل الأمة على مدى عقود قادمة.

لقد نهضت في المنطقة أمم كانت تعاني أشد مما عانى العرب من تخلف وضعف وتراجع حضاري، وحسبنا ما نرى من صعود أمة الفرس ومن حضور أمة الترك، ومما حقق اليهود في فلسطين رغماً عن الجميع بذريعة أنهم من أمم المنطقة تاريخياً، وبقي العرب يحاولون أن ينهضوا وأن تكون لهم قوة أو مكانة إقليمية دون جدوى، وهم الأكثر عدداً وعدة، والأوسع أرضاً ومساحة، والأغنى ثروة وطاقة، والأوسع تاريخاً وثقافة، وهو الذي تخشى إسرائيل من نموه فيجعلها جزيرة صغيرة جداً في محيط إسلامي يمتد بين كل قارات العالم.

ولقد كانت مصر في زمن عبدالناصر بل في السنوات القصيرة التي اتحدت فيها مع سوريا قد منحت العرب تفاؤلاً بأن يكون لهم حضور ومكانة في المنطقة على الأقل، ولكن التجربة سرعان ما أخفقت، ولم يطل أمد الوحدة وبعد سقوطها بخمس سنين تكسر الحلم العربي بهزيمة يونيو الشهيرة، ومن يومها لم يتمكن العرب من تحقيق أي حلم وحدوي، بل صار النظام العربي المتردي يبحث عن حدود دنيا من التضامن فلا يجد، وباتت بعض مؤتمرات القمة التي حرص عليها العرب لكونها آخر ما يوحي بأنهم أمة لها جامعة ومجلس وقمة، موضع تندر بمناقشات بعضها مضحك مثل خطابات القذافي التي بشر فيها بسقوط النظام العربي وكان من أول الساقطين. وقد مرت الأمة بعدة محاولات للوحدة ولو على صعيد شكلي فلم تنجح، وبقي مجلس التعاون الخليجي صامداً على رغم كل ما اعترضه من تحديات.

وقد جاءت الدعوة إلى الانتقال بالمجلس من التعاون إلى الاتحاد مطلباً مهماً في فترة يزداد فيها تراجع الحضور العربي، ويضعف فيها اهتمام العالم بالعرب جميعاً. وقد كشفت القضية السورية كثيراً من الحقائق الخفية وأهمها هشاشة التحالفات القائمة تقليدياً. وبات مريعاً أن يكون العرب هامشيين في مسرح أخطر قضية عربية عاشها العرب في تاريخهم الحديث وهي تدمير سوريا وتشريد شعبها وتمزيق وحدتها، واستباحة أرضها من قبل الفرس والروس معاً، ودخول قوات أجنبية إرهابية تقاتل شعبها وتهدم بنيانه، وتهدد الدول العربية المجاورة بزلزال يمتد إليها. وقد يعتبر بعض العرب ما يحدث في سوريا على فظاعته شأناً داخلياً، أو مختلفاً عليه بين مؤيد لبقاء نظام الأسد وبين رافض له، ولكن النتائج التي يتمخض عنها هذا الصراع لن تخص سوريا وحدها، وإنما ستكون نتائجها ذات شأن إقليمي ودولي بعيد المدى.

ولست ممن يرون القضية في سوريا طائفية على رغم كل الحشد الطائفي فيها، فهي أبعد من ذلك. وإذا فسرنا الموقف الإيراني برغبة في نشر التشيع مثلاً فبمَ نفسر الموقف الروسي على رغم إعلانه عداء واضحاً لأهل السنة؟ لقد تطورت مسارات القضية السورية وباتت تتعلق بإعادة هيكلة النظام الدولي كله انطلاقاً من المنطقة التي يهتم بها قادة العالم ليس بسبب نفطها وغازها وثرواتها المكنونة فحسب، وإنما لأسباب تتعلق بحضور إسرائيل وسطها وبما لدى الصهاينة (وهم المسيطرون على العالم اليوم) من مشاريع نفوذ تضمن للغرب كله عدم قيام العرب والمسلمين بأي دور قيادي في هذه المنطقة من العالم.

وأما الدعم الذي تجده إيران بما فيه التصالح الإعلامي وترطيب خواطر العرب بتصريحات دبلوماسية، فهدفه تحويل بوصلة الصراعات في المنطقة، وقد بدأ هذا الهدف بالتحقق، فلم يعد الصراع العربي الإسرائيلي أولوية أو قضية مركزية كما كان يراه العرب، لقد تحول هذا الصراع إلى مراتب دنيا، وقفز إلى صدارة المشهد الصراع العربي الفارسي أو الصراع السني الشيعي. وأمام أعداء الأمة الخارجيين يستوي السني مع الشيعي، فهما معاً مسلمان وخلافاتهما ليست أشد من خلافات المذاهب المسيحية التي وصلت إلى حروب طاحنة كالتي دارت بين البروتستانت والكاثوليك مثلاً، ولم تنته حروب المسيحية إلا حين استبعد الدين من الصراعات، وبوسعنا أن نتذكر معاهدة ويستفاليا التي أنهت ثلاثين عاماً من الحروب المقدسة بين المسيحيين عام 1648.

ولا أحمل الغرب أية مسؤولية عن الصراعات الدينية بين الطوائف والمذاهب الإسلامية، فجذورها التاريخية كافية لإيقادها، ولكن الحكمة تقول إذا رأيت عدوين لك يقتتلان فدعهما حتى يفني أحدهما الآخر. وما حدث مؤخراً من محاولات إبعاد العرب عن حلول القضية السورية، متزامناً مع حالات استعراضية لتقارب أميركي إيراني لا يخرج عن كونه استخفافاً بالعرب كقوة إقليمية يحسب لها حساب.

ولا أجد اليوم مرشحاً قادراً على ملء الفراغ العربي قبل أن يتسع سوى تشجيع فكرة الاتحاد الخليجي، فدول المغرب العربي مشغولة بقضاياها المحلية، وفي تونس وليبيا صراعات مراحل انتقالية تحملهما الكثير من الأعباء، وفي الجزائر وضع قلق، وفي المغرب ترتيب للبيت الداخلي، وأما مصر فلم يعد بوسعها أن تلعب الدور الذي كان العرب يأملونه قريباً، فالمشكلات التي تواجهها تحتاج إلى زمن غير قصير لعلاجها ولاستعادة العافية السياسية والاقتصادية. والعراق غارق في بلواه، والسودان المنقسم أضعف من أن يحمل عبء الأمة، وسوريا التي كانت منبع قوة محتملة، تعاني من انهيار غير مسبوق. ولم يبق غير دول الخليج قادرة على القيام بدور إسعافي، وأعتقد أن الدعوة إلى تكوين اتحاد قوي بين دول الخليج ستكون بداية لتحالفات عربية تضمن للعرب حداً أدنى من التحول إلى قوة إقليمية يعاملها الجميع باحترام.

وليس هدف القوة تهيئة لحروب، فالقوة تمنع الحروب، وتدعو الآخر إلى الكف عن التفكير فيها، إنها مجرد قوة رادعة، وهذا ما فعله الفرس حين امتلكوا ناصية قوة نووية فضلاً عما حققوه من نفوذ سياسي وعسكري في العراق وفي لبنان وفي سوريا، وهم ماضون لجعل هذه البلدان مناطق نفوذهم الذي لن يقف عند حد، بل سيملأ الفراغ العربي كله لاحقاً إن استمر هذا الفراغ، وهذا ما علمنا إياه التاريخ فحين سقطت بغداد في القرون الوسطى ملأ الفراغ الفرس ثم ملأه الترك، والخطر اليوم أن يستمر غياب العرب.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً