من مسرح الثورة السورية…سوناتا الربيع

sonata

جاء عرض مسرحية (سوناتا الربيع) في مهرجان المونودراما في الفجيرة  2012ثم في مسرح أبو ظبي مفاجئاً  لجمهور المسرح العربي بحضور قوي للثورة السورية ضمن رؤية إداعية حاولت أن تسبر أغوار الاحتقان الذي تفجر ثورة أطلقها أطفال درعا، وسرعان ما انتقل لهيبها إلى كل المحافظات السورية.

صرخة مدوية مؤسسة لعهد جديد من المسرح السياسي في سورية.

وسوناتا الربيع ( مونودراما )   حققها  المبدعون السوريون الثلاثة (جمال آدم مؤلفاً ،  وماهر صليبي مخرجاً، ومازن الناطور ممثلاً) وبدت   إشراقة لمسرح الربيع العربي ، وتأملاً واسع الطيف لما حدث ويحدث.

ولابد لي من أن الإشارة  إلى أن المسرح السوري شهد العديد من المسرحيات التي كانت تناقش جوهر المشكلة الإصلاحية في سورية ، وبعض الفنانين السوريين قدموا نماذج مسرحية بارعة في النقد السياسي ، وهذه مهمة المسرح التنويرية ، وكان بعضها  يبدو أقرب إلى التنفيس السياسي في مثل مسرح دريد والماغوط قديماً ، وقد اختطف التلفزيون ظاهرة المسرحة السياسية المشهدية في مثل ( مرايا ياسر العظمة ) الذي أسس لكوميديا سياسية بارعة ،  ولم تكن تمر  بسلام في أغلب الأحيان،  ولكن شعبية هذا الفن  كبرت لأنه  يواجه  الفساد فصارت تلقى دعماً رسمياً  وكان من أكثرها رواجاً قبيل الثورة  كوميديا ( بقعة ضوء ) ثم ( ضيعة ضايعة ).

أما (سوناتا الربيع) فهي ذات سمات تختلف رغم كل التشابه الفني ، إنها  تأتي اليوم صرخة مدوية مؤسسة لعهد جديد من المسرح السياسي في سورية، وتكمن أهميتها في تلبيتها للحدث وللظرف الراهن الذي تعيشه سورية اليوم ، فالحدث السياسي ما يزال ساخناً ومأساوياً في سورية ، والسوناتا تفسر بعضاً من سر ما يحدث ، أو تشير إليه بما يكفي ، ولم تكن مثل هذه الإشارة تثير إشكالية لو أنها جاءت  قبل موت البوعزيزي ، فطالما قدم المسرحيون أعمالاً تثويرية أو تحريضية ، كان انفعالها يتنهي بنهاية العرض ، لكن توقيت السوناتا يأتي على صفيح ملتهب ، وتحتفظ السوناتا بعقلانية تنويرية ، فلا تشتط ولاتبالغ ، ولاتحكي عن الحدث في ساحته المشتعلة الآن ، وإنما هي تحكي ما قبله ، وما تسبب في إذكاء نيرانه ، إنها حديث عن مسببات الانفجار، وهي مختصرة في كلمات.

والسوناتا التي تعزفها آلة واحدة كما نعرف منذ القرن السابع عشر، وفيما ترك الموسيقيون الكبار أمثال باخ وبتهوفن، تتكون من أربع حركات، وهي في مسرحية جمال آدم تتناوب سرعة وبطئاً ، وتصعد قلقاً وعصاباً ، وتصل إلى ذورة في الانفجار ، وبيانو المسرحية الذي يتفرد على الخشبة وحده بالعزف البارع، هو مازن الناطور وقد بدت أوتاره تنشد  حتى توشك أن تتقطع ألماً ، ثم تهدأ مثقلة وتذوي حتى توشك أن تتفتت ، ومازن يلعب دور الدكتور عصام الذي سافر إلى باريس لدراسة الطب كما رغب أبوه ، لكنه درس التاريخ ، ربما كي يعرض لنا أهمية تاريخ بلده الذي نمت فيه أعظم الحضارات، ومرت عليه جحافل الغزاة ،

وبقي متمسكاً بهويته الحضارية ، عصام تزوج من فرنسية وأنجب الطفلة ( سوناتا ) وهنا لا أدري درامياً سر توظيف زواج أستاذ في التاريخ العربي من امرأة فرنسية ، تركته وأخذت طفلتها ، وبقي يعارك الخلل الذي تحول إلى ظلم اجتماعي يمارسه الأقوياء ، وقد اختار جمال أهون الأضرار حين جعل مشكلة عصام في رفضه أوامر لإنجاح طالبة في الكلية لمجرد أن أباها ذوشأن ، وقد رفض عصام أن ينصاع فاعتقل وعذب ، ولايخفى على جمال أن هناك من المشكلات ماهو أصعب وأشد معاناة من إنجاح طالبة فاشلة في قسم التاريخ ،  لكنه اختار مشكلة رمزية ، تشير إلى خلخة القيم ، واختار التعليم بوصفه أساس البنية الإصلاحية ، والمهم هو ما استعرضه عصام في السوناتا التي عزفها بأعصابه من مشكلات لآخرين فقد أبكانا مع ذكرياته الحميمة ، مع جده وجدته ،  ومع أصدقائه، ولكل منهم  مأساته ،  وقد أدهشني مازن الناطور بموهبته وقدرته على ملء الخشبة وحدة لأكثر من ساعة ، يتقمص فيها شخوص المسرحية وحده،  ويغني ويرقص ويبكي ويضحك ويقفز ويسترخي ، وهو يسد غياب فرقة كاملة.

وقد أبدع ماهر صليبي في إيجاد الحلول المسرحية المشهدية ، مستخدماً تقينات متنوعة منها الفيديو، ومنها الإضاءة البارعة في تكوين الظلال، فتحية لهؤلاء المبدعين الذين عبروا عن تمازج بارع ، بين الحس الوطني ، والحس الإبداعي .

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً