مِن لهجاتنا السوريّة…إلى لغة المُواطَنَة.

نجم الدين سمّان- بناة المستقبل:

 دخلنا الجامعة.. قادمين مِن مناطقِنا ولهجاتِنا؛ وفي الجامعة.. تعارفنا وتصادقنا من كلِّ مناطقِنا ولهجاتِنا. جَمَعَنا المُلتقى الأدبيّ لجامعة حلب.. أبرز حدثٍ ثقافيّ في ثمانينات قرنٍ مضى؛ جَمَعنا النادي السينمائيّ الذي أسسناهُ.. بأفلامهِ و نقاشاتِه؛ والمسرح الجامعيّ.. بعروضِهِ ومهرجاناته؛ ونادي الاستماع الموسيقيّ الذي ابتكرنا فكرتَه؛ وبعضُنَا كان في النادي الرياضيّ الجامعيّ.. يستعرض عضلاتِه؛ أيضاً.. جمعتنا الرحلات وحفلات التعارف الجامعيَّة. في السنة الأولى.. جاءت لهجاتُنَا معنا؛ وفيها.. مُفرداتٌ مُستغرِقَةٌ في محلّيتها؛ نضحكُ من غرابةِ بعضِهَا؛ ونتندّرُ.. حين نستعملها في غيرِ مَوقِعهَا من الجملة ومن المعنى.

 في السنة الثانية.. بدأنا نتحاشى تلك المفردات؛ لنستخدم المُشترَكَ بين كلِّ لهجاتنا.. كأنما لنخرُجَ ممّا يُفرِّقنا؛ وبخاصةٍ.. بعد أحداثِ حماةَ الدامية؛ هل كُنّا نريد أن نطوي صفحةً ليست من ثقافة السوريين؛ حين دكَّ النظامُ الأسديّ مدينةً بأكملها؛ وارتكبَ المجازر في اكثرَ من مدينةٍ والإعداماتِ الميدانية.. رداً على مجزرةٍ واحدةٍ قام بها إخوانيٌّ متطرّفٌ في مدرسة المدفعية في حلب.

في السنة الثالثة.. وبرغم الخيار الأمنيّ لحافظ الأسد؛ و برغم استفحال أجهزة الأمن وامتداد سطوتِهَا حتى الى غُرفِ نومِنَا؛ صارت لدينا لهجةٌ سوريةٌ واحدةٌ؛ نلتمُّ حولها من حيث لا ندري؛ و نُتداولها كأنما لنحمي أرواحنا من التعصّب؛ و بلدَنَا من حماقات الطوائف؛ ومن شرور الطائفية؛ حتى أنِّي أسميتُ ما تبلور بيننا من لغةٍ.. آنذاك: لهجة المُواطَنَة.

في السنة الرابعة.. كنّا شهوداً على أكثر من زواجٍ مُختلَط.. وأذكر أن قاضياً شرعياً قد تأمَّل في هويَّاتنا الشخصية: هويَّة العروسين وشاهدَيّ الزواج؛ قلّبها مراراً وقد أخذته الدهشةُ لأنها من أربع محافظاتٍ سوريةٍ مُختلفة؛ قلت له: – انه الحبُّ يا قاضينا.. يعبر المذاهب والطوائف والأديان جميعها. بعد التخرُّج.. أخذتنا الحياة؛ كلٌّ إلى دربٍ؛ بعضنا.. عاد إلى محافظته؛ بعضنا.. سافر للعمل أو لإكمال دراسته العليا؛ وبعضنا.. هاجر نهائياً؛ إحدانا.. أليس الياس مسّوح؛ خطفها الموتُ بغتةً.. قبل أن تُكمل مجموعتها القصصيَّة الأولى؛ لكنّا تعاونّا جميعنا.. حتى أصدرناها؛ ثمّ أقمنا لها ندوةً وقرأتُ لها قصةٍ.. بالنيابة عن روحها التي كانت بيننا.. لم تُغادِرنا؛ وكذلك فعل الموتُ مع الشاعر عبد الطيف خطاب؛ من طِوَالِ العَبَا في رقّة الرشيد على شاطىء فُراتِنا.

اليومَ.. و بينما يخطف الموتُ السوريين.. بالجملة؛ كم منّا.. لم يُغادِر لغتنا المشتركة؟ّ!. يتكرّر منذ ثلاث سنواتٍ.. الخيار الأمنيّ الأسديّ ذاتُهُ؛ وعلى نحوٍ أكثرَ شراسةً ودمويّة؛ وقد نجح للأسف في جرِّ السوريين إلى.. وحول الطائفية؛ كأنّه طوال ثلاث سنوات مضت.. كان يقصِفُ ما أنجزناهُ برغم القمعِ.. من مفردات المُواطَنة. وكم من السوريين.. اعتقلوا من أجلِ تلك المُواطَنة؛ وسيعتقُلون من الجميع: نظاماً وكتائبَ مُتطرّفة؛ كم شهيدٍ تحت التعذيب؛ كم من المهجّرين داخل بلدنا؛ كم منّا في تغريبتهم السورية الكبرى؟!. لستُ يائساً جداً؛ ولا متفائلاً جداً.. لكني على يقينٍ بأنّ نجاةَ بلدنا من خرابها الماديّ؛ ونجاة السوريين من خرابهم الروحيّ.. لن يحصلَ مالم يجتمع السوريون مرة ثانية على لغةٍ سواءٍ بينهم.. لغة المُواطَنة.. تشتركُ في ابتكارٍ أبجديتها كلُّ اللهجات؛ وما أن تكتملَ حتى تختفي منها اللهجاتُ.. جميعُها. أليست المُواطَنةُ.. أليس الحبُّ.. جناحان؛ لا يستطيعُ وطنٌ أن يطيرَ نحو مستقبلهِ.. بدونهما ؟!.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً