نوم السوري.. حارس العالم

999مها حسن- بناة المستقبل:

أنا من الأشخاص الذين لا ينامون في القطارات والطائرات والسيارات، مهما كنت مرهقة. أفتح عيني كالصقور، كأنني أحرس الطريق.

***

بينما يُوصف النوم في ثقافتنا الشعبية بالسلطان،بات السوريون اليوم يعتبرونه خيانة أو تخلٍ عن المسؤولية، وإلا فما الذي يؤرّق نومنا، ويجعلنا نذهب إليه هالكين من التعب، وما أن يُفاجئ أحدنا نفسه بالإغفاء، حتى يقفز من غفوته، مرتعداً.

يشبه السوري اليوم ذلك الثور الأسطوري، الذي تتحدث عنه أيضاً ثقافتنا الشعبية، كلما تعرضت بقعة من العالم، لهزة أرضية، فسّرناها، بأن الثور تعب من حمل العالم على إحدى قرنيه، فنقله إلى القرن الآخر، فأحسسنا بالهزّة.

هو كذلك هذا السوري، الي يحمل العالم على رأسه، خائفاً من فكرة النوم، فيحدث أثناء نومه، ما لا يجب تفويته، من خبر عاجل، كارثيّ أو سارّ.

يقول مثلنا الشعبي” أم القتيل تنام، وأم المهدّد لا تنام”، وهكذا نتجرع جميعنا، نحن السوريين، هذا الأرق، والخوف، ولهفة الانتظار.

مع الانتظار، يصبح النوم عسيراً، مع الإحساس بمراقبة العالم، بانتظار إشارة ما، بيضاء أو وردية، تحمل بعض الأمل بالانفراج، نراقب العالم في كل ارجائه، سردايب الديبلوماسية العالمية، أروقة الاجتماعات وقاعات المؤتمرات العربية، الحوارات السورية، الاشتباكات، أخبار تحرير المطارات، أعداد الشهداء..

نتحول جميعاً إلى موّثقي جرائم، ومحصي اعتداءات، ومراقبي انتهاكات، بل ومبصّرين وعرّافين ورائين. نخترع مهاراتنا، نستعير طاقات إضافية، ولا ننام، لأننا نحرس العالم، نحرس أحلامه، نحرس أمنه وسلمه، ونخشى من اندلاع قتل مباغت، أو سقوط صاروخ على ذاكرتنا ومدننا وبلادنا..ونخاف من النوم.

مع الحملقة الطويلة في المشهد المستمر، وتوتر الأعصاب، واستنفار الحواس، بانتظار اللحظة الأخيرة، كيف يمكننا أن ننام؟ وفي كل لحظة، قد تكون لحظة نهاية فيلم الرعب، ومعرفة مصير البطل؟

هل يمكن لمن عاش هذا الفيلم، على أعصابه، طيلة هذه الشهور، أن ينام عن المشهد الأخير؟ ومن يعرف متى يكون هذا المشهد، ليفتح السوريون أبوابهم ويركضون في الشوارع، أو نوافذهم ويصرخون من الفرح، من يعرف في أية لحظة، يأتي الخبر الذي يبكون فيه من الفرح، بعد كل هذا البكاء الحزين!

***

النوم سلطان واسترخاء ورحلة الأعصاب والمخيلة في فضاءات أخرى، وعوالم موازية للواقع، يخاف السوري الذهاب إليها، خشية الانفصام، بين واقع حربي عسكري، غارق في أصوات القصف، ومشاهد الخراب والتدمير والدم والجثث، وبين عالم النوم الكاذب. السوري الذي قد يغفو فيحلم ببستان أو نبع ماء أو حفلة موسيقية او أي مشهد ملون سعيد، سيجد صعوبة في اليقظة على مشهد واقعي، مخيف وأسود ، يخبئ أخبار الموت، في كل لحظة.

النوم قطيعة مع العالم المكثف الحضور، قطيعة مع الحدث الذي لا يتوقف صباح مساء، قطيعة وانقطاع عن وجع السوريين، تحت القصف، تحت الانقاض، في العتمة، في البرد، في الخيام، في بيوت الآخرين..إننا نخجل من النوم.

أن تنام، يعني أن تضع العالم على جنب، تغمض عينيك، وتتنفّس من عالم آخر، هو عالم مناقض لليقظة، عالم لن تعرف فيه إن وقع أمر عاجل، دون أن يوقظك فيه أحد..كيف تنام، وأنت مهدد بالانتظار، متعلّق بكل حواسك الواعية، بخبر عاجل، يقلب حياة البلاد والبشر، من ضفة الموت والذل والقهر والاستعباد، إلى ضفة أخرى، ترسم ملامحها، ولا تعرف كيف ستكون، فتزداد يقظة، لا صوب الحالي، بل صوب القادم.

أنت شريك في صناعة هذا العالم أيها السوري، فكيف ترفسه بقدميك، وتذهب إلى الغفوة، وكأنه سيتوقف في نومك، وينتظرك أن تفيق!

إنه هكذا، أمر واقع، وليس شريط سينما، تضغط على زر الإيقاف، فتنام، وحين تفيق، تتابع المشاهدة من حيث وقوفك… بل إنه قد يحدث في ساعات نومك، مالم يحصل طيلة حياتك التي عشتها، فكيف تفوّت هذا الحدث؟

***

تقول بعض المصادر العلمية بأن الطيور يمكنها النوم بعينٍ واحدة مفتوحة إذا زاد خطر الافتراس في البيئة، كما أن هناك من يصف نوم الراعي، بالنوم بعين واحدة، لأن الرعاة يفكرون في الذئاب والحيوانات المفترسة الأخرى، لذلك ينامون بعين واحدة والأخرى تتابع وتراقب، ويقال أيضاً بأن الذئب ينام بعين واحدة.. ينام السوري إذن بعين واحدة،مضطراً للنوم، كوظيفة بيولوجية، يرفضها الواقع السوري، حيث تحول الجميع إلى مترقبين اللحظة  التالية، داخل مشهد مؤلف من لحظات متتالية من الشد العصبي والترقب والانتظار.

***

تخاف من النوم، تقاومه، تتتبع الحياة اليقظة، بحواسه الكاملة، حواس الصياد والفريسة معاً.

تشعر بالإنهاك، فقترّع ذاتك : وماذا يقول النائمون على أرض السجن الباردة، لا غطاء ولا فراش وثير، وربما يتوجعون من التعذيب، ويحلمون بالنوم؟ والسجينات! يخفق قلبك خوفاً وأنت تنتبه إلى كلمة” السجينات” هذه الكائنات الرقيقة، كيف تحتمل أرض السجن الخشنة، إذ البلاط ميزة قد لا تتوفر لهن..

بسبب قلة الكتابات عن المعتقلات النساء ، وتابو سجن المرأة في المجتمع العربي،  فليس هناك الكثير  من تفاصيل العيش اليومي لهذه النسوة ، تحدّث الرجال في كتاباتهم، عن العلاقة مع السيجارة مثلا ً، كيف يتقاسمها السجناء ، حيث يسحب كل منهم نفَساً ، ويمررها للآخر ،إلا أنه لم تكتب امرأة عربية بعد ، كما أعتقد،عن تفاصيل آلام الدورة الشهرية لدى المعتقلات، والشروط الصحية الغائبة في السجون السياسية ،كيف تتدبّر النساء أمر الفوط الصحية مثلاً. كيف تنام المعتقلات في السجون؟ أولئك المبعدات عن عوائلهن و أحضان أطفالهن ، كيف تحتملن النوم في أسرّة تحمل روائح الغرباء، وكيف تتحملن معاناة آلام الطمث ، وتوترات قبل الطمث ، ومعاناة النظافة أثناء الطمث..

تعود إلى فانتازيتك المخيفة، وأنت تعرف أنك مصاب بهوس المبالغة والانهمام بالتفاصيل، تتساءل ماذا تفعل الصبية حين تحيض؟ وكيف تحتمل أوجاع الحيض والتعذيب؟

يقترح عليك صديق أن تتناول الأقراص المهدئة، التي تساعدك على نوم عميق، فتشعر بالذعر.. يا لكارثة نوم ثقيل لا تستطيع الخروج منه واللحاق بالحدث.

أنت سوري..أنت مهدد باليقظة، وحراسة الحدث. لن تنام، حتى يسقط النظام، وحينها، ربما، قد لا تنام، وأنت تحاول ترتيب العالم حولك.. بعد الخراب الذي صنعه النظام.

كيف تنام وسط الخراب، وأنت مهووس بترتيب البلاد!

كيف تنام وأنت مسؤول عن العالم، وأنت حارس هذا العالم، تحاول مراقبة مسقط كل صاروخ او قذيفة… ليست كرة يمكن تفاديها وخسران نقطة في اللعب، بل ضربة مميتة، لا تعرف من ستقتل، ومن ينجو منها..أنت السوري اليقظ، حارس الملعب الفانتازي، حيث رؤوس البشر هي الكرات، وبيوتهم  شبكات المرمى، وأخبار أعداد القتلى في شاشات التلفزة، هي الأهداف، وأنت الحارس السلبي، تخاف على اللعبة، تخاف على الكرة، تخاف على المرمى، تخاف على الملعب، وتخاف من أية ضربة، تطيح بمن تحب.

(بلكي صار انفجار ونحن نايمين).. يقول أحدهم ، ويقول آخر ( ياريت أموت وأنا نايم، حتى ما أتعذّب وقت التفجير)..

الوقت يتبع الوقت، لا يقظة ولا نوم… ننام قليلاً ونصحو لنتابع الفكرة ذتها والطقس ذاته والهاجس ذاته وكأننا لم ننم.. وكأن سلطان النوم، تخلّى عن السوري حتى إشعار بعيد..

لو أن المتنبي هنا، بيننا، أكان قال ماقاله عن نومه العميق، الآمن : أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم!

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً