فلاسفة الامل….نجم الدين سمان

najm

  نجم الدين سمان

 صديقي د. عمر ألتنجي.. وبعد تخرّجه من بلاد السوفييت كطبيب نفسي؛ ظلّ عاطلاً عن العمل؛ و ظلّ يشتري الأمل على هيئة بطاقة يانصيب طيلة 30 عاماً؛ فبات يعرفه كل باعة اوراق اليانصيب في حلب؛ يدخلون الى حيث يجلس معنا و يهمسون في أذنه: عندي إلك ورقة فيها ثلاث أربعات وأربع خمسات.. فيشتريها ويطويها بأناقته المعتادة؛ ثم يدخل شاب صغير.. ويهمس له:

– عندي ورقة ما بتتكرر.. فيها تاريخ ميلادك بالساعة وباليوم وبالشهر وبالسنة. فيشتريها بثمنٍ مُضاعَف؛ ضاحكاّ بذقنه التروتسكية: كيف عرفوا تاريخ ميلادي؛ مو قصدي هدوليك.. اللي بيعرفوا من هلّق تاريخ وفاتي.

فنسأله: – حسب مدرسة علم النفس السوفييتي.. ألا تشكّ بأن سيدنا عزرائيل نفسه.. كان متعاقداً مع الكي جي بيه؟!.

يُجِيببنا بعدَ صَفنَة نفسية مناسبة: – كلّ شي وارد.. مرّة عَم عالِج شاب.. قام قلّي: قرّب دكتور.. يدّي قِلّك سِرّ؛ أنا الملاك اللّي واقف على كتفك اليسار.

قلتلو: وليش مو اليمين؟!؟؛

همس لي: منعرِف إنّك خرّيج السوفييت والمام خالد بكداش.

منرجع لليانصيب.. صاحبنا الألتُنجِي؛ ولا مرّة.. ربح أكتر من ألف ليرة طوال 30 سنة.

ومرّة.. إجا صيّف د. أحمد برقاوي بحلب؛ مو.. صيّف من خاطره؛ جابته زوجته الحلبية ليتعرف فلسفياً على شوب حلب في عزّ آب اللّهاب؛ قعد معنا في قهوة القصر بجانب د. التنجي؛ فيلسوف بجانب عالم نفس مُحاط بملائكة اليانصيب الحكومي؛ ثم يتغالظون على د. برقاوي: منشان الله ولو نص ورقة؛ فلم ينجح أحد سوى ولد في السادسة ظلّ يقول له: بدّي آكل فَلَق من أبوي إذا رجعت البيت ومعي ولو ربع ورقة يانصيب. فتعاطف برقاوي معه فلسفياً واشترى الورقة كاملة؛ وهو بفصفص عظام الأمل فلسفياً مُعارِضاً فكرة بيعه وشرائه على هيئة أوراق يانصيب؛ أو على هيئة شعارات دينية؛ ايديولوجية؛ بَطِّيخِيّة كما قال بالحرف؛ وهو يطوي ورقة اليانصيب ويدُسُّهَا في الجيب الامامي الصغير لبذلته .

بعد أسبوع.. جاء د.برقاوي الى جلستنا؛ بينما كان د. ألتنجي يُدقق بين الأرقام التي اشتراها وبين نشرة البطاقات الرابحة؛ ثمّ زفر كعادته من شدّة الامل؛ وتذكّر قائلا للبرقاوي: هات.. لنشوف ورقتك يادكتور؛ وكنّا غارقين في نقاشٍ عن الطبيعة الإلهيّة لثورة الخميني؛ فصرخ الدكتور ألتنجي: آآآآآآآآآآآآآخ… طويلة جداً؛ حتى ظننّا بأن مكروهاً أصابه: – خير يا دكتور ألتنجي.. فيك شي.

تَبَلجَمَ عالِمً النفس وهو ينظر الى عالِمِ الفلسفة.. حتى كادَ أن يفترسه.

قال البرقاوي: هي أول وآخر ورقة بشتريها بحياتي؛ انا فلسفيا ضد اليانصيب.

فرد الالتنجي مُنتَكِساً: بلا فلسفة.. بلا بطيخ.. انت ربحت مليون ليرة.

عندها فَقَعَ د. احمد برقاوي ضحكةً فلسفيةً فلسطينيةً.. إهتزّ لها كِنِيسِت دُوَيلَةُ اسرائيل.. من شدّة الأمل.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً