حوارات هامسة قبل الثورة

الدكتور رياضد. رياض نعسان آغا- بناة المستقبل:

كانت الطريق إلى يعفور معتمة ، ثمة بريق أضواء تشع من بعيد من على شامخ من هضبة يتربع فوق قبتها قصر الشيخ حمد بن خليفة ، وثمة كوكبة أخرى من الضوء تنبعث من جوف الوادي حيث قرى الأسد التي بنتها مؤسسة الإسكان العسكري لتكون استراحات  فاخرة لضباط الجيش ، ثم سكنها المدنيون الميسورون وبنوا قصوراً وفيلات وصارت بلدة طبقة جديدة تحوم حول السلطة ، أو تدور في فلكها .

كان صاحبي يقود السيارة ببطء التنزه ، وعيناه مشدودتان إلى بهرجة الضوء على قمة الهضبة ، وبصوت خافت لجمته سنوات الخوف رغم الموقع الخطير لصاحبي في عنق السلطة ، قال  (ما تفسيرك لاختيار الشيخ حمد هذا الموقع من دمشق ليبني فيه قصراً؟ ) قلت : (أحسب أن الرجل يفكر في أن تكون دمشق مستقراً له ومقاماً حين يقرر ذات يوم أن يترك الحكم لابنه ) قال : (ولم دمشق وليس أوربا مثلاً ؟)  قلت (هو يحب بشار ، وتعلم أن صلتهما باتت صداقة عائلية وطيدة ، ويرى أن له جذوراً هنا ، ألم تر كيف أنه ينقل الكثير من استثمارات قطر إلى سورية ؟ حسبك مشروع ابن هاني ، ثم حسبك ما تحدث به ذات يوم عن رغبته بمشروع طريق دولي يربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب في سورية تقيمه قطر ، ولو تم تنفيذ هذا المشروع لقفزت حيوية التجارة بين أوربا والخليج كله عبر سورية) لكن صاحبي حام بنظرته بعيداً وراح يسأل كأنه يحاور نفسه (هل تعتقد أن الحكم مستقر في سورية ؟) ضحكت ، قال : ما الذي يضحكك ؟ قلت )تضحكني المفارقة في كونك أنت تسأل هذا السؤال وأنت الأعلم والأعرف والأقرب ) قال (لكني أحب أن أسمع رأيك) .

كان البوعزيزي قد أحرق نفسه قبل شهر من حديثنا ، قلت  مقاوماً حذري (سأكون صريحا معك ، لا ياصديقي الوضع غير مستقر ، وعندنا مثل شعبي يقول إذا حلق جارك فبلّ أنت) قال (وهل ترى في أوضاع البلد ما يدعو إلى ثورة كالتي تحدث في تونس ؟) قلت (هناك خطر على الحكم إن لم ينتبه إلى خطر العدوى ، وأعتقد أن الناس في سورية ليسوا محتقنين من الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الديني ، هناك احتقان شعبي من تنامي سلطة الأمن ، ألا ترى أنك وأنت من أنت تكلمني بصوت خافت لاأكاد أسمعه وليس بيننا في السيارة أحد سوى خوفك من أنهم يتنصتون عليك وعلي ) قال ( نسينا أن ننزع بطارية الهواتف ، لايكفي إغلاق الهاتف) قلت ( يكفيني  هذا جواباً منك) قال (وما العمل ؟) قلت ( سأرسل  له طرفة جميلة لعلها تلفت نظره) قال ( ماهي ؟) قلت (يروى أن معاوية بن أبي سفيان سأل عمرو بن العاص وهما داهيتا  العرب قال : فيم دهاؤك ياعمرو ؟ قال عمرو : لايقع أمر إلا وجدت منه مخرجاً ، فضحك معاوية وقال : أما أنا ياعمرو فإني أحتال للأمر ألا يقع ) قال صاحبي (ماذا تريده أن يفعل ؟) قلت (يكفيه أن يفعل ما كان يفكر به قبل سنين وما سميناه يومذاك مشروعه الإصلاحي ) قال :  ماذاك ؟  قل بوضوح) قلت : ( يبعد الحزب وأجهزة الأمن عن السلطة، ويبعد الأقربين عن الاقتصاد ،  والناس على ما أرى  لايضيقون به شخصياً في غالبيتهم ، فقد تفاءلوا به كثيراً ولحرصهم عليه يرددون دائماً أن المشكلة فيمن حوله وليست فيه) قال بانتباهة قوية (وهل أنت  ترى أن المشكلة فيه ؟) فزعت من انتباهته كأنه أفاق من سبات ، لكنني تماسكت وقلت (لست أنا من يقول ، إنه صاحبك سعد الله نوس من سمى مسرحية له بعنوان – الملك هو الملك – وأنت كنت موجودا يوم ذكرت  له في اجتماع ترأسه قول عثمان بن عفان –  إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن –  أليس هو الآمر الناهي ؟ أليس هو الذي طلب من الحكومة والوزراء أن يبتعدوا عن رجال الأمن وألا يقوموا بزيارات لهم؟ لقد قال لنا بوضوح من يذهب إليهم فالأفضل أن يبقى عندهم ، حتى إنني اسـتأذنته حين طلب مني أحدهم أن ألتقي به، فسمح لي وقال لامانع فأنا طلبت منه أن تلتقيا لمناقشة  قضية كذا) قال (أذكر ولكن يبدو أن الأمر تغير ، لقد تمكنوا كثيراً ، وهم يريدون السيطرة على الحكومة   وهذا هو سبب التعديلات الأخيرة  ) قلت (إذن حمانا الله مما سيحمل المستقبل) قال (أنت ضب لسانك لأن العين مزورة منك ) قلت (لايصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، وأنا أقول ما يصب في صالح البلد وليست لي أية غاية شخصية وأحمد الله الذي أخرجني بالسلامة ، وهو يعرف رأيي ، ولو بقيت صامتاً لبقيت ، لكنني لم أعد أطيق، أخشى ألا يقدّر خطر ما يحدث حولنا، مصر تشتعل، واليمن وليبيا تتمخضان ، ولن يقبل السوريون على أنفسهم وهو  مفجرو الثورات عبر التاريخ أن يستمروا في الصمت، أرجوك كلمه وانصحه أن يتصرف قبل أن تحترق البلد ) قال (هو متأكد أن الوضع في سورية مختلف ، نحن دولة مقاومة وممانعة ، موقفنا الرسمي من كل القضايا المصيرية والقومية منسجم مع الموقف الشعبي ، والوضع الاقتصادي ممتاز ، لم يبق علينا دين خارجي ، تمت زيادة الرواتب ولم يبق إلا زيادة واحدة تفي بها الحكومة بوعدها) قلت (لن ينفجر الناس لأسباب اقتصادية ، ولا لأسباب سياسية ، المشكلة أمنية محضة ، إذا كنا أنت وأنا نشعر بخوف حين نتكلم ونحن وحدنا ، وإذا كان صديقنا فلان وهو من هو  في أجهزة الأمن يتكلم بصوت خفيض وحين نلتقي ينزع بطارية الهاتف مثل ما فعلنا، فما بالك بالمواطن الضعيف الذي لاسند له؟ بعض أجهزة الأمن تراقب دوام الموظفين في المحافظات لترهب الناس، وأحد الصعاليك يأتي إلى الوزارة كل يوم ليأخذ نسخاً من قراراتي مع أنني أرسلها بشكل إجرائي إلى رئيس الحكومة، لقد استدعيته مرة وقلت له ( إذا كانت أجهزة الأمن ستراقب الموظفين في دوامهم ، فمن سيراقب الموساد ؟ وكلمت رئيسه وقلت له (يا أخي دعوا أمور الموظفين لهيئة الرقابة والتفتيش واهتموا بخلايا الموساد النائمة) وحين زارني سيده قلت له ( أنتم تتباهون بمعرفتكم من تأخر عن الدوام صباحاً ولكنكم لاتعرفون من يتسلل إلى البلاد، أرجوكم اهتموا بشغلكم الأمني، ودعو للحكومة وهيئاتها موظفيها ) قال صاحبي  (إذن أنت ترى أن المأساة قادمة !!) قلت (مجرد تصرف حكيم يبعد الأمن والحزب عن سلطة القرار السياسي، ويوسع دائرة المشاركة السياسية وينهي حالة السجن لمعتقلي الرأي، يمكن أن ينقذ سورية، شعبنا لديه مطالب يسيرة التحقيق) كنا قد وصلنا إلى بعيد على طريق بيروت، قال ( هل تعتقد أنه سيفعل ؟ ) قلت ( أخاف من شيئين ، هما الغرور والعناد، وإن لم يفعل  فالخوف أن نمضي إلى  الجحيم لاسمح الله، لأن النار تسري في الهشيم سريعاً ، و لاتدري تحت أي حصى تمكن شرارة حذزنا منها شاعر قال  ومعظم النار من مستصغر الشرر ، فكيف إذا تصرف أحدهم بحماقة وعالج الأمر على طريقة الثمانينات ، غير مدرك أن القضية اليوم ليست قضية تطرّف وجهاد ولا إرهاب ولا مسلحين خارجين على النظام ، هذه المرة قد تكون كما في تونس وليبيا واليمن ومصر ، حيث يحتدم الصراع ، قضية شعب تلفحه نيران الثورات ، وفي جوفه خزان غضب .

شاهد أيضاً

سميرة مسالمة: رسالة سورية من مؤتمر الرياض 2

  سميرة مسالمة: العربي الجديد تتبادر إلى أذهان سوريين كثيرين ثلاث قضايا ملحة، وهم يتابعون …

اترك تعليقاً