مؤتمر جنيف 2.. لن يكون سوريا وستحسـم فيه ملفات الشرق الأوسط الجديد

_11666_60إبراهيم الجبين- العرب: لن يكون سهلاً رسم خرائط للتحولات السياسية التي ستطرأ على العالم في العام القادم 2014، بالاستناد إلى تعقيدات العام 2013، الذي بدا وكأنه عتبة زمنية لجميع الاستحقاقات الواجب دفعها الآن وعاجلا، إضافة إلى ضرورة معالجة جميع الملفات المتراكمة التي جرى الهروب منها طويلا.

يشهد الشهر الأول من العام 2014 موعدا أمميا لعقد مؤتمر جنيف 2 الخاص بالاتفاق على حل سياسي للأوضاع في سوريا، والمقدمات التي تتوافر لدى طرفي النزاع الرئيسيين، بشار الأسد وجيشه وحلفاؤه والميليشيات الشيعية التي استحضرها من العراق ولبنان واليمن والبحرين، من جهة، والمعارضة السورية بمختلف أطيافها والتي سيمثلها الائتلاف ومعه ممثلون عن تيارات أخرى في الداخل والخارج وعلى الأرض تمثلها قوات الجيش الحر والجبهة الإسلامية وحتى تنظيمات مثل جبهة النصرة.

المقدمات التي تتوافر حتى الآن لا توحي بأن جنيف 2 سيكون سهلا من مجرد احتمال عقده، فقد لا يعقد أبدا، وقد يعقد وينجح، وقد يعقد ويتعثر أو يكون مسارا طويلا من المفاوضات، ولكن الأهم هو التمهيد الجاري لجنيف 2، بزيادة درجة القصف العنيف الذي يمارسه بشار الأسد على حلب باستعمال البراميل المتفجرة التي تستهدف الأحياء المدنية، فيما يسقط العديد من الضحايا يوميا، ويطلق الأسد وإعلامه وحلفاؤه التصريحات التي تؤكد أن جنيف 2 لن يكون تسليما للسلطة، وأن الأسد سيبقى في المرحلة الانتقالية التي تم الاتفاق عليها في وثائق جنيف 1، وأنه ربما سيكون من حقه الترشّح للانتخابات القادمة في منتصف العام 2014، أي أن أكثر من مئة وخمسين شهيدا من أبناء الشعب السوري إضافة إلى القتلى الذين سقطوا من جانب الشبّيحة وجيش الأسد، بالإضافة إلى أكثر من مئتي ألف معتقل ومفقود، وخمسة ملايين لاجئ ونازح سوري في المخيمات ودول الجوار، كل هذا سيجري التسامح بشأنه وتعود الأمور كما كانت، ويصبح مؤتمر جنيف 2 هو فرصة الأسد لاستعادة شرعيته وتواصله الرسمي مع بقية دول العالم، كي يتفرغ للحرب على الإرهاب ومكافحة انتشار تنظيم القاعدة في سوريا، لا سيما وأن المعارضة تقاتل إلى جانبها اليوم قوات تقول عن نفسها إنها من القاعدة وتبايع أيمن الظواهري، وتشكل تهديدا لدول الجوار والأمن العالمي، ومع أن كل الدلائل والإشارات توحي بأن تلك التنظيمات القاعدية في سوريا، تم تصنيعها في أجهزة المخابرات السورية والعراقية والإيرانية، إلا أن المعارضة السورية لم تتبرأ رسميا منها حتى الآن، في الوقت الذي ينفتح فيه الداعم الأكبر لنظام الأسد في العالم، وصاحب المشروع الاستراتيجي الأكبر في المنطقة، وأعني إيران، على الولايات المتحدة الأميركية والغرب، بصورة غير مسبوقة، وقد يجري ترتيب العلاقات مع إيران على حساب حلفاء الماضي في الخليج.

ماذا لو انتصرت إيران في سوريا؟

لا يمكن تناول ملفات الشرق الأوسط اليوم ملفا ملفا، فما حصل في السنوات الثلاث الماضية لاحم جيّد بين كل الملفات، وصارت الأحداث مترابطة بشكل كبير، فما يتغيّر هنا يتغيّر مثله هناك على الفور، ولذلك لا بدّ من تخيّل توازنات المنقطة في حال انتصرت إيران في سوريا، وتم تنصيب الأسد من جديد ونسيان كل ما كان، فإيران التي تمكنت من بناء محورها الجيوسياسي الممتد من طهران إلى بغداد إلى دمشق إلى بيروت، ناثرا جيوبه في الكويت والبحرين وعمان واليمن ومصر، ومستثمرا في العلاقات مع الإخوان المسلمين بتشكيلاتهم وتجلياتهم المختلفة من تركيا إلى حماس إلى إخوان مصر، ذلك المحور الجيوسياسي الاستراتيجي، لم يكن في واقع الحال، صناعة إيرانية مئة بالمئة، بل كان صناعة أميركية، مرّت على مدة السنوات الماضية منذ وصول الخميني إلى طهران في السبعينات، فالولايات المتحدة التي سقط الشاه أمام ناظريها ولم تحرّك ساكنا، دفعت بصدام حسين لخوض حرب طويلة استنزفت القدرات العسكرية والمالية والنفطية والإنسانية للعراق ودول الخليج عموماً طيلة ثماني سنوات، في الوقت الذي باعت فيه السلاح إلى إيران عبر إسرائيل من خلال الفضيحة الشهيرة “إيران غيت” وغيرها، وكانت سياسة “الاحتواء المزدوج” لكل من الإيرانيين والعرب هي ظاهر السياسة الأميركية، بينما كان الواقع أن الولايات المتحدة، وبينما كانت تعمل على الوصول إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي في موسكو، وإلى جانبه شرق أوروبا وجدار برلين، كانت تنظر إلى العالم العربي كحقل استثمار لا بدّ من إبقائه في حال التوتّر والصراع، دون نسيان الصراع العربي الإسرائيلي الذي تهالك ولم يعد يصلح للقيام بالمهمة.

وبالمقابل لدى الولايات المتحدة حلفاء تاريخيون، كالمملكة العربية السعودية، التي طرأ التغيير من حولها، وتمكنت من احتوائه عبر إصلاحات مالية وقانونية داخلية، وما زالت بيئة مستقرة حتى اليوم، رغم المحاولات الإيرانية لزعزعة انسجام مكوناتها في المنطقة الشرقية والمحافظات الجنوبية على الحدود مع اليمن، ولكن تحالف واشنطن الرياض، تعرّض لهزّات عنيفة خلال العام 2013، حين بات على أميركا أن تكشف عن حقيقة مواقفها السياسية في المنطقة، فاختار أوباما بعد ضغط الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، بدلا عن معاقبة بشار الأسد وكيل إيران في الحرب الدائرة على حلفاء أميركا، اختار إعلان التصالح مع روحاني وبادر إلى الاتصال به وعقد لقاءات للوفود الرسمية مع وزير خارجيته وممثليه بل قال إنه لم يعد هناك من مبرر لإبقاء العقوبات على إيران بعد اليوم.

خليج ما بعد الانتصار الإيراني

من هنا اتضحت معالم التحالفات السياسية الكبرى في المنطقة، وكان على الرياض أن تردّ، وهي القوة الأكبر الباقية لدى العرب، بعد احتلال أميركا المباشر للعراق وتسليمه إلى إيران كقطعة الحلوى، كما يشتكي كبار سياسيي واشنطن المخضرمون الذين يحتجون على المسار الزمني الطويل للخطأ الأميركي المتواصل منذ السبعينات وحتى اليوم، وانهيار دول عربية كبرى مثل مصر، انهيارا بطيئا عبر الفساد التاريخي الذي قلّص دور مصر لدرجة انعدام قدراتها على معالجة قضايا أمنها القومي ومسائل مثل منابع النيل على سبيل المثال، وكذلك ابتلاع إيران لسوريا، والدور السلبي المعاكس الذي لعبه العقيد القذافي على مدى العقود الماضية، فظهر مشروع الاتحاد الخليجي الذي سيكون على إيران عرقلته، مستخدمة الدور العماني الذي هدّد بالانسحاب من مجلس التعاون في حال تم إعلان الاتحاد، ويفسّر الدكتور عبدالله النفيسي المحلل الاستراتيجي ذلك الانسجام والتنسيق ما بين طهران ومسقط بالتقارب المذهبي بين إيران “الشيعية” وعمان “الإباضية”، وكان على الرياض أن تتوقف جدّياً ومؤقتاً عند الاعتراض العماني في سبيل ترتيب الأمور في العام التالي 2014، وسيبقى أمام عمان إما الاندماج مع مشروع الاتحاد الخليجي أو الذهاب إلى إيران الأمر الذي سيعني قدوم إيران إلى الجزيرة العربية، وسيعني هذا بالضرورة إيقاظ الجيوب الشيعية الموالية لإيران من جديد، وسيكون على سلسلة من الانهيارات أن تقع بدءاً من الكويت إلى البحرين والأحساء والإمارات وصولا إلى اليمن.

إذا انتصرت إيران في سوريا في العام 2014، ولم يكد يهدأ صدى صوت كلمات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي هدّد بتغيير القبلة الإسلامية من مكة إلى كربلاء والنجف، فستكون العربية السعودية، مسرح الصراع القادم، ولكن المعطيات التي تتعامل معها الرياض هذه المرة، بطرائق فوق اعتيادية، تؤكد أن تغييرا سيطرأ على اللعبة، وأن انفتاحا سعوديا على أطراف ومحاور أخرى في العالم، سيكون له دوره الكبير في التأثير ليس بهدف استعادة صداقة واشنطن بل لاستبدالها أو حتى الاستغناء عنها نهائيا، الأمر الذي أدركته الولايات المتحدة، ولكنها متورطة تماما في مشروع المحور المضاد، وسيكون من الصعب عليها كشف أوراقها كاملة أمام الرياض والعالم، ولذلك فإن من سيعمل في السنة الجديدة على منع إيران من تحقيق انتصاره سيكون السعودية ذاتها، التي رتبت اليوم أوراقها من جديد مع الدول التي كانت عل نزاع طويل معها، الدوحة، تركيا عبر ترتيبات أمنية واستخباراتية بعيدة عن الإعلام، وتمكنت من دعم التغيير في مصر، حتى اللحظة، والتخلص من تهديد الإخوان المسلمين المصريين الذين أعلنوا تحالفهم البنيوي مع إيران رغم الاختلاف المذهبي.

وإن تمكنت إيران من تمرير بقاء الأسد في جنيف 2، فسيكون الانعكاس السياسي والأمني شاملا على المنطقة، شمالا سيكون على تركيا معالجة أوضاع حدودها الطويلة مع سوريا والتي تمتد لـ 800 كيلومتر من الشرق إلى الغرب، والحافلة بالتنظيمات المعادية والتي لم يكن أقلّها خطرا التنظيمات العلوية التركية والسورية على طرفي الحدود، إضافة إلى حزب العمال الكردستاني الذي جهدت حكومة أردوغان لتوقيع اتفاق سلام معه، ولكن لم تفلح في استرضاء جميع قياداته العسكرية والسياسية، لا سيما السوري منها، وهناك القاعدة أيضاً، إضافة إلى أوضاع اللاجئين السوريين الذين يعدّون في تركيا أكثر من مليون نسمة، ما بين مسجّل رسميا في المخيمات ونازح عبر الحدود فرارا من الحرب في سوريا، كل هذه الأمور التي ستقلب المجنّ على الأوضاع الأمنية في تركيا، وسيكون هذا الشريط الناري هو الجدار العازل للتمدّد التركي جنوبا نحو العالم العربي، الذي كاد يتحقق مرة عبر التحالف مع نظام بشار الأسد في السنوات العشر الماضية، ومرة عبر دعم الثورة ضدّه خلال ثلاث سنوات مضت، إضافة إلى التخلخل الواضح الذي تشهده الأوضاع السياسية التركية الداخلية، والذي بات يهدّد بقاء أردوغان وحزبه في الحكم.

لبنان الشيعي

في لبنان سيتم الإجهاز على ما تبقى من قوى 14 من آذار، وسيزداد حزب الله قوة، وينتهي المشروع السنّي الذي تدعمه السعودية من خلال الحريري وفريق تيار المستقبل، وسيكون على المسيحية السياسية في لبنان أن تختار بين الرضوخ الكلي للأسد، أو الرضوخ التام لحزب الله وولاية الفقيه، وكلا الخيارين سيعني تحوّل المسيحية السياسية المشرقية إلى “أهل ذمة” محاصرين، وسيكون على الأردن أن يعالج أوضاع خمس سكّانه من اللاجئين السوريين، ويواجه ما تخوّف منه الملك الأردني وقد كان أوّل من حذّر من الهلال الشيعي المتشكّل في المنطقة، وستجري محاصرته من الشرق العراقي والشمال السوري، والغرب الإسرائيلي الذي لم ينفع كثيرا في مواجهة محور ولاية الفقيه حتى هذه اللحظة، وبالأخص بعد تصريحات الرئيس الإسرائيلي عن رغبته بدعوة الرئيس روحاني إلى إسرائيل، وقوله إن إيران وإسرائيل ليستا في حالة عداء وحرب.

مصر والدور الإقليمي القادم

بالتغيير في مصر، عادت القاهرة إلى المحور العربي الذي بدأ بالتشكل ليبدأ من “أبو ظبي” ويتقاطع في الكويت والدوحة والمنامة وعمّان والقاهرة، ومركزه الرياض، وفي الوقت الذي ينسجم فيه الموقفان المصري والخليجي، يتفارقان في العلاقة مع نظام الأسد، فيصبح على الفريق السيسي والقوات المسلحة المصرية أن تدرك ضرورة الانخراط التام في المشروع السعودي بدلا من الانتقام من الإخوان المسلمين في مخالفة موقفهم من الثورة السورية، وإدراك أن نظام الرئيس مرسي لم يدعم ثورة السوريين، بقدر ما كان يبني الجسور مع داعمي بشار الأسد في طهران، وما تم تقديمه للسوريين في مصر، إنما قدّم عبر المجلس العسكري الذي أداره المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وباستعادة مصر لدورها الإقليمي سيكون الوقوف أمام طهران والتمدّد الإيراني المحتمل في حال نجحت إيران في الانتصار في جنيف 2، أمراً ضرورياً ولا بدّ منه للتكامل مع الموقف السعودي.

ولذلك فإن مؤتمر جنيف2 لن يكون مؤتمرا سوريا، بل ستتوقف عليه خرائط الشرق الأوسط المستقبلية وسوريا ستكون جزءا من التفاهمات وليست الموضوع الرئيسي، وسيكون استمرار العراق في وضعه الراهن، ليس أكثر من مقدّمات للتفجير الكبير الذي يعمل من أجله المحور الإيراني، الذي يبدو وكأنه يخوض حربا انتحارية لا يتصوّر احتمال أنه سيُهزم فيها يوما، وسيتعرّض العراق للتفكّك الحتمي في حال انتصرت إيران، لأن الشمال العراقي وحكومة كردستان البارزانية ستفضّل حينها توثيق العلاقات مع تركيا، والابتعاد عن حرب لا ناقة فيها لها ولا جمل مع العمق العربي في الجنوب والغرب.

هزيمة إيران

تقول المعطيات إن السعودية تعمل على تلك الملفات مجتمعة، وأنها بفضل امتلاكها القليل ولكن الهام من أوراق اللعب، ستتمكن من استثمار الطاقة الحركية الموجودة في المنطقة، والتي شكّلها الربيع العربي، وتمّ تصويرها على أنها انتصار وصعود للإخوان المسلمين، وستقوم بإرجاع المشروع إلى بداياته، في تحويل الحكومات الجديدة الصاعدة في دول الربيع العربي إلى حكومات ذات طابع مدني ديمقراطي، ولكن هذا سيتطلب من الرياض في العام 2014 القيام بالمزيد من الانفتاح على احتمالات كبيرة ووافرة موجودة في الطيف العربي، والبحث في تشكيل قواعدها السياسية والاستراتيجية في كل من بقع التوتّر الموجودة.

ففي سوريا، تولّت السعودية ملف المعارضة، ولكنها تتعامل بحذر حتى الآن مع الحكومة الجديدة المشكّلة وتعيد مراجعة علاقاتها وتنسيقاتها داخل أجسام المعارضة السورية سياسيا وعسكريا، وفي لبنان، ما زال تمسّك السعودية بالحريري وتياره مجديا في الحفاظ على الحد الأدنى، ولكنها ستقوم بتوطيد للتحالفات الموازية مع تيار القوات اللبنانية وسمير جعجع من جهة، ومع رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط ذي التوجّه العربي، مما يزيد من قدراتها على مواجهة حزب الله وحلفائه داخل الساحة اللبنانية.

وفي العراق، يأتي استحقاق دعم رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي مع مراجعة العلاقة مع طارق الهاشمي والرئيس البارزاني، وسيكون للسعودية الدور البارز في إعادة أوروبا إلى المنطقة من جديد من خلال الحليف الفرنسي، الذي جرى ترتيب العلاقات معه من خلال زيارات رئيس المخابرات السعودية الأمير بندر بن سلطان ووزير الخارجية الأمير سعود الفيصل خلال العام 2013.

ولن تتمكن إيران من الوفاء بالتزاماتها مع المجتمع الدولي بخصوص تخصيب اليورانيوم، ولن يكون العامل الأميركي الإسرائيلي هو الأساس في تغيير المواقف الدولية، ولكن سيكون لأوروبا (فرنسا ـ ألمانيا ) الأثر الكبير على تراجع دور إيران، وفي جنيف 2 في العام 2014، لن يتمكن العالم من الموافقة على تمرير صفقة بقاء الأسد، لضرورات أكبر من إنسانية، وأكبر من دعم الشعب السوري، لأن أوروبا ستكون حينها في حالة دفاع عن مصالحها المباشرة في الخليج، وعن حدودها الاقتصادية التي يجري تهديدها بالغاز الروسي كلّ مرة.

ترتّب السعودية ومعها المحور الذي تقوم ببنائه، تطويرا لعلاقات مميزة حافظت عليها طيلة العقود الماضية، مع باكستان، والجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفييتي المنهار، وبخصوص باكستان، سيكون للملف النووي دور في العام 2014، وربما شهد مفاجآت من نوع خاص، تقدّمها الرياض على طاولة المفاوضات.

في موسكو رتّب السعوديون، استدراج الروس إلى المنطقة، عبر العلاقات الاقتصادية وصفقات السلاح، وربما سيكون للنفط دورٌ كبير في توطيد العلاقات خلال شهور العام 2014، في ظل الانحسار الأميركي الذي يبدو إراديا، وتشهد روسيا استقرارا سياسيا وأمنيا للسنوات القادمة، بفضل القبضة المشدّدة للرئيس بوتين، وترتيبه للعلاقات مع مصادر الخطر مثل الشيشان وحتى القوى الاقتصادية اليهودية في العالم، والتصالح التاريخي مع رجال أعمال يهود قامت إسرائيل بغسل قلوبهم التي كانت ممتلئة بالثأر بعد إقصاء الرئيس بوتين لهم كمنافسين سياسيين، الأمر الذي سيسهل من التوسّع الروسي في الشرق برضا إسرائيلي تام، وكان لصفقات السلاح التي أبرمت ما بين موسكو ومصر بمباركة وتمويل سعوديين دور كبير في إعطاء الروس المزيد من الثقة أثناء تقدمهم البطيء في المنطقة.

أوروبا والعملاق الألماني

سيكون العام 2014 عام التوجّه الألماني نحو الخارج، بعد ترتيب الأمور داخليا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فبانتخاب المستشارة ميركل للمرة الثالثة، تكون قد أغلقت كل الملفات المتعلقة بإعادة توحيد ألمانيا ورسمها من جديد كدولة باقتصاد وبنية سياسية راسخة، وتبقى أن تلعب ألمانيا دورها كأكبر قوة في القارة العجوز، ويتضح من تاريخ العمل الدبلوماسي الألماني الذي يطمح لقيادة أوروبا، القدرات الاستخباراتية الألمانية التي كانت قادرة على اختراق حتى تسجيلات المكالمات الهاتفية لبشار الأسد وقادة جيشه، بالإضافة إلى الإشراف الألماني المتكرّر على صفقات تبادل الأسرى ما بين حزب الله وإسرائيل، وتدخل ألمانيا المتواصل في ملفات عديدة في المنطقة، كل ذلك حدث من أجل إخراج ألمانيا من أسر القوة منزوعة الأظافر التي أصرّت الولايات المتحدة على إبقائها على هذا الحال طويلا بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن نمو العلاقات الألمانية الروسية في السنوات الأخيرة، يعدّ مؤشرا على خروج العملاق الألماني من القفص التاريخي.

فرنسا هولاند، التي تدرك أهمية مفارقة المحور الأميركي، ستكون ضيف الشرق الجديد العائد هذه المرة، من البوابة السعودية، وبتحالفها مع ألمانيا واختلافها مع الموقف البريطاني الذي بات ملحقا بالموقف الأميركي، سيكون على باريس أن تفتح خرائطها القديمة، التي وضعها ذات يوم المسيو بيكو، مع قوة لم تعد موجودة في المنطقة مثّلها البريطاني السير مارك سايكس، ومفتاح التقدّم في المشرق سيكون الوقوف في وجه المشروع الإيراني من جهة، ووراثة الموقع الأميركي من جهة أخرى، والحصول على حصّة من المصالح التي تتوجّه لها العين الروسية، في إحياء للصراع الكاثوليكي الأرثوذوكسي في المنقطة، وقد لاحظ العالم ثقة الفرنسيين بقرار رئيسهم في شأن التدخّل العسكري في سوريا، دون الرجوع إلى الهيئات التشريعية مقابل التردّد البريطاني والأميركي الذي وصل إلى تراجع تام عن مواقف سابقة.

أوروبا الشرقية

ما حدث في أوكرانيا، لن يكون نهاية المطاف، فالمجتمعات الأوروبية الشرقية ما زالت ترزح تحت الحكم الشيوعي بأشكال مختلفة، باستمرار الهيمنة الروسية، والأدوات الاقتصادية ذاتها، مع تغييرات في الشكل، ولكن ليس في آليات عمل السلطة والدولة، وسيكون على العام 2014 أن يشهد ربيعا أوروبيا شرقيا جارفا، لن يحتاج إلى دعم واشنطن، وستكون محركاته الاقتصاد والتغيير السياسي الفكري.

ودول مثل بلغاريا، التي تحاول لعب دور سياسي واقتصادي في إقليمها والمشرق، لتكون قاعدة لمرور أنابيب الغاز البديل عن غاز روسيا، لن توافق على البقاء في الحديقة الخلفية للاتحاد الأوروبي من جهة، وتحت الإطلالة الإمبريالية الروسية الجديدة، ولذلك تفتح علاقاتها واسعا مع الخليج، وتحرص على صداقة ما بين صوفيا والدوحة، وتحاول العبور نحو الرياض، وسينطبق هذا المبدأ على دول يهرب سكّانها سنويا عبر الحدود للحياة في غرب أوروبا، بينما تتمتع بثروات وموقع استراتيجي يخولها من أن تكفل لشعوبها حياة كريمة.

إسرائيل

وسط المتغيرات الهائلة التي تحصل في المنطقة والعالم، يعتقد بعض السياسيين النافذين في تل أبيب والقدس، أن إسرائيل ستكون قادرة على أن تكون العامل الثابت الذي لن يتأثر بما يجري، بينما ما يحدث يقول العكس تماما، فينمو تيار قوي داخل الحياة السياسية الإسرائيلية تقوده تسيبي ليفني وحزبها الجديد “الحركة” يؤمن بأن الصراع العربي الإسرائيلي قد انتهى، وأنه لابد من الانتقال إلى دور جديد في المنطقة، تقود فيه إسرائيل الحركة فعلا نحو الأمام، فيجري هجر التفكير الخرافي التوراتي الذي يؤمن ببقاء الصراع وضرورة تصعيده وتأجيجه، ومن هنا نجد التمايز ما بين المشروعين السياسيين الإسرائيلي التقليدي الذي يميل إلى التحالف مع طهران، والإسرائيلي التجديدي الذي سيقرّر التحالف مع الرياض، ولن يكون لديه خيار آخر سوى الموافقة على المبادرة السعودية التي سمّيت المبادرة العربية وتبنتها الجامعة العربية، في ما يخص الملف الفلسطيني.

الإخوان و2014 نهاية المطاف

سيشهد العام 2014، ختاما لدور الإخوان المسلمين في المنطقة، تنظيميا، وحزبيا، وعودة قوية لقياداتهم التقليدية والشابة في مشروعات سياسية جديدة ستتخلص من العبء التنظيمي البنيوي الثقيل الذي تسبب في إبعادهم عن الحكم، وبالمقابل سيكون على الأحزاب والتيارات التقليدية العلمانية أو الليبرالية الموازية تقديم مشاريع وطنية جامعة، سيكون العام 2014 ملعبا لها، ومناسبة كبيرة للعودة إلى السياسية بعد أن قرّر العالم التوجّه نحو إيقاف العنف واستبداله بالعمل السياسي، وستعمل السعودية باحتواء الدور القطري على إعادة قواعد الإخوان المسلمين الشعبية إلى الحياة العامّة، وفصلهم عن الذهنيات العتيقة التي حكمت عملهم، وفي توقيت مناسب سيكون عليها الضغط على الحكومة المصرية الحالية، للانفتاح على الحوار السياسي معهم، سيما وأن هناك نسخا أخرى من الإخوان يجري التفاوض معها في هياكل المعارضة السورية والبلدان العربية المختلفة، وسيكون عليها البحث عن مستقبل أفضل وتقديم مشاريع سياسية تلاقي القبول في الشارع وبين الحكومات الحليفة، وينظر الواقفون خلف مشروع وضع حد للذهنية الإخوانية، أنه لا بدّ من التحديث القسري لتلك الذهنية التي باتت عصيّة التغيّر بفضل بنيتها المغلقة، أما الفكر فلا خلاف عليه، وهو فكر الإسلام ذاته، ولكن ما يعتبر إشكالاً كبيراً هو الميكانيزم العضوي الداخلي، الذي يجعل من جماعة الإخوان المسلمين “عصبة مغلقة” تسير خارج تاريخ المنطقة رغم أهدافها المعلنة، أما البديل، فلن يكون بالتأكيد شخوص المرحلة الانتقالية في مصر، وسيكون على العام الجديد إنتاج المشاريع الوطنية كما أسلفت، التي ستحتوي ما تناثر من صراع 2013.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً