بعد موت دولة الأسد التي ولدنا وعشنا فيها… تأملات إثنية في الثورة السورية (1 ـ 3)

بعد موت دولة الأسد التي ولدنا وعشنا فيها

تأملات إثنية في الثورة السورية (1 ـ 3)

ـ النخبة  السورية كانت فعلاً أرستقراطية بيروقراطية واقتصادية ومالية, ولكنها لم تكن أرستقراطية بالمعنى الكامل الذي يعطيه العرب السنة لمفهوم الأرستقراطية؛ ولم تكن معظم العائلات والأعيان الذين يؤلفون هذه النخبة يملكون النسب السلالي.

ـ إن هيمنة الأقليات على الجيش وحزب البعث , اللتين سيطرتا على الحكم بعد انقلاب آذار 1963, ستؤدي في ما بعد إلى وضع العلويين في الموقع المهيمن الأول في الدولة بحكم كونهم أكبر الأقليات عددا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصطفى الجرف – بناة المستقبل:

إن مرحلة من أهم مراحل الحداثة عند ميشيل فوكو, في تكوين منظومة المعرفة الأوربية الحديثة, بدأت مع تغيير طريقة تحصيل المعرفة  وتصنيفها في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر . هذه الطريقة الجديدة ترافقت مع السماح بتشريح الجسم الإنساني في أوربا, وبات بالإمكان من خلال عمليات فتح الجسد الميت وتقطيعه معرفة كل شيء عن القصة الكاملة للحياة الفيزيولوجية للمتوفي منذ لحظة ولادته وحتى الوفاة: هكذا يفتح الموت طريق المعرفة, ولا تغدو المعرفة ممكنة إلا بعد الموت. العين الجامدة و المتأملة للباحث, تراقب وتسجل كل شيء (1).

تدل كل الإشارات الحيوية أن دولة الأسد التي ولدنا فيها قد ماتت .. لم تقتلها الانتفاضة الشعبية التي تحولت إلى ثورة عارمة ثم إلى حرب أهلية شاملة كما يعتقد الكثيرون, بل على العكس, لم يكن بالإمكان أساساً قيام تلك الثورة التي أخذت فيما بعد شكل الحرب الأهلية لولا أن دولة الأسد كانت بالفعل قد ماتت, وما الأحداث المهولة التي تشكل مادة هذا الصراع العنيف إلا السكاكين والمشارط التي تقطع جسم هذه الدولة الميت, وما هذا الصراع نفسه إلا عملية التشريح ذاتها!

لقد بات الجسد السوري, بأدق تفاصيله الداخلية و الحميمة, مكشوفاً إذاً لعين الباحث المتأمل, فهل يمكننا الآن أن نعرف القصة الكاملة له منذ ولادته الملتبسة سياسياً قبل حوالي تسعة عقود و حتى اليوم؟ أعتقد أنه يمكننا هنا أن نتأمل على الأقل في جزء معين من القصة, ربما كان أهم أجزائها, مع أنه ينبغي الاعتراف بأنه من الصعب على كاتب سوري أن يحتفظ برباطة الجأش اللازمة عندما يكون عليه أن يتأمل في نتائج تشريح جسد والدته بالذات, وأن يروي بموضوعية قصة حياتها المأساوية …

سأبدأ القصة بالقول أن علم الإجتماع السياسي يصنف المجتمع السوري كأحد أشد المجتمعات انقساماً من النواحي الإثنية و الطائفية و الطبقية, ولا يمكن فهم أي شيء يتعلق بالحياة السياسية لهذا المجتمع دون النظر إلى هذا الإنقسام المتعدد و العميق. وبالنسبة لي سأكتفي بمحاولة النظر بشكل مكثف إلى الجانب الإثني من هذا الإنقسام الذي أعتقد أنه يحتل مكاناً مركزياً في رواية الدولة السورية خصوصاً في عهدها ما بعد الكولونيالي, وأنه مع ذلك لم يتم النظر فيه من قبل بشكل كاف, مع عدم إنكار ما لباقي جوانب الإنقسام الأخرى من أهمية طبعاً.

وإذاً فإنني أتبنى في هذا التأمل مفهوم “الإثنية” على حساب مفهوم “الطائفة” السائد في معظم المقالات و الأدبيات السياسية التي تتناول الموضوع السوري وخصوصاً في هذه الفترة. والتعريف الذي أعتمده للإثنية هو التعريف الذي يورده البروفيسور إريك كاوفمان: (الإثنيات هي جماعات لها, على ما يفترض, سلف أو سلالة نسب مشتركة, و يرافقها دائماً تقريباً معانٍ عن وطن الآباء و الأجداد, وعلامات مميزة تشكل حاجزاً ثقافياً (2). أعتقد أن هذا التعريف لمفهوم الإثنية يشكل أداة نظرية أكثر فعالية في مقاربة ديناميات تكون الدولة السورية, وعلاقتها بالجماعات البشرية المكونة لهذه الدولة, من المقاربة الطائفية الشائعة كثيراً, وذلك للأسباب التالية:

 أولاً: إن مفهوم الطائفية باتت تغطيه كثير من الحمولات الجدلية الأيديولوجية و السياسية و الإعلامية, بحيث بات فاقداً تقريباً لأية دقة علمية للبحث الجاد.

 ثانياً: لأن مفهوم الطائفية, الذي يشير أولاً إلى الدين ويركّز بشكل خاص على الحواجز الثقافية بالعقيدة الدينية وبالمذهب الديني الخاص, هو مفهوم أضيق مما ينبغي لوصف جماعةٍ, كالعلويين مثلاً, لا تميزهم عن غيرهم كإثنية خاصة عقيدتهم الدينية النصيرية, هذه العقيدة السرية الغامضة التي يجهلها حتى أغلب العلويين أنفسهم ما عدا القلة القليلة منهم التي تدعى بالخاصة,  أكثر مما تميزهم حواجز ثقافية و اجتماعية أخرى أكثر أهمية بكثير؛ منها طريقة حياتهم الفلاحية المعزولة في قرى الجبل منذ مئات السنين, وما أنتجته طريقة الحياة المميزة هذه من أساطير مكونة للوعي المشترك للجماعة, ومنها أيضاً طريقة تنظيمهم السلالي العشائري الذي ينقسم إلى أربع تحالفات قبلية كبيرة.

مفهوم الطائفية, على العكس أيضاً, يمكن أن يكون أوسع مما ينبغي عند وصف حالة الجماعة المقابلة الكبيرة, وأعني جماعة السنة في سوريا, إذ أنه لا يفرق بين جماعتين مختلفتين إثنياً بشكل كامل مثل السنة العرب والسنة الأكراد, ولا يميز الفروق الإثنية بين الجماعات الفرعية للسنة العرب مثل سنة المدن الرئيسية و سنة الأرياف, مع أن الفروق في الهوية بين هذه الجماعات قد يكون أكبر مما بينها وبين الجماعات المختلفة عنها طائفياً.

ثالثاً: لأن الاعتماد على مفهوم الطائفة وحده يحيل إلى نزاع ديني قديم لم يعد موجوداً فعلياً إلا على شكل ذاكرة ميتة بعيدة على الرغم من كل الصراخ الشعبوي الذي يحاول إعادة إحيائها عبثاً, ويوحي وكأن النزاع الجاري حالياً هو مجرد استعادة للنزاعات الدينية الطائفية القديمة التي سادت في القرون الوسطى, أو كأنه ارتداد ثقافي لا يحمل أي معنى له علاقة بالحاضر إلا معنى التخلف الحضاري, وهذا غير صحيح كما آمل أن أوضح فيما سيأتي. أما النزاع الإقليمي الإيراني-السعودي, والذي يأخذ طابعاً طائفياً شيعياً-سنّياً, فهو يأتي في سياقٍ آخر, وإن دخل على خط الصراع الجاري في سوريا, وتقاطع كثيراً مع نيران الحرب الأهلية ودعمها وأمّن استمرار جذوتها.

رابعاً: وهذا هو الأهم عندي, لأن استعمال مفهوم الاثنية يضعنا في قلب العملية التاريخية الأساسية, التي يشكّل الصراع المأساوي العنيف الدائر الفصل الأخير من فصولها فحسب؛ وأعني عملية بناء الدولة القومية, وتكوين الأمة, وتأسيس الهوية الوطنية السورية. هذه العملية التي بدأت بشكل مؤسساتي مركزي فعال وشامل فقط منذ تأسيس الدولة الكولونيالية تحت حكم المستعمر الفرنسي في العقد الثاني من القرن العشرين, وتواصلت بعد الإستقلال تحت حكم النخب السورية المحلية المختلفة بشكل شبه مستقل عن المركز الكولونيالي, بحيث يمكننا النظر إلى العلاقات الإثنية بين الجماعات المتنافسة من فهم الطبيعة المميزة الخاصة لعملية خلق الجماعة السورية المتصورة بحسب بنيدكت أندرسون(3)

 إن ركيزة التأمل الذي أقوم به هنا هو النموذج الذي وضعه البروفيسور أنثوني سميث الذي يعتبر أن التراث الإثني هو البنية الأصلية التي يمكن من خلالها تفسير ظاهرة تكوّن الأمم القومية الحديثة (بالإضافة طبعاً إلى الرأسمالية الحديثة). ويقترح وفقاً لذلك طريقين رئيسيين نشأت عبر السير في أحدهما جميع ما نعرفه من قوميات في العالم اليوم. وكلا الطريقين يتفرعان منطلق واحد هو تبلور القومية أولاً حول نواة تمثل الجماعة الإثنية المهيمنة في منطقة ما, ثم تطورها وامتدادها أفقياً أو عمودياً لتشمل كافة مناطق الدولة المعنية حتى توحد أغلب سكانها, وتجعل منهم أمة. يقول أنثوني سميث أن الفئة الإثنية المهيمنة تقوم بهذه المهمة عن طريق تقديم تصوراتها عن الأرض التاريخية أو الوطن, وذكرياتها التاريخية, وأساطيرها المشتركة, وثقافتها الشعبية العامة, وقدرتها على استخدام أجهزة الدولة لتوحيد نظام التشريع وخلق كيان اقتصادي موحد؛  بتأمين كل هذه العناصر الضرورية تتوفر الأرضية اللازمة التي يمكن أن تبنى عليها الأمّة وتتأسّس عليها الهوية القومية(4).

باعتماد منظور أنثوني سميث هذا يمكن أن نحدد النقط التالية كمفاصل رئيسية تركبت عليها الدراما السياسية السورية حتى لحظة ذروتها الحالية:

1-     إن الحدود التي رسمتها القوى الكولونيالية للدولة السورية لم تراع أبداً التجانس الإثني أو الاجتماعي أو الثقافي لهذه الدولة (كما لم تفعل كذلك مع بقية الدول العربية التي نشأت بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية). لقد ضمت هذه الحدود في سوريا مجتمعاً متعدداً إثنياً واجتماعياً إلى درجة كبيرة, ولا توجد فيه فئة كبيرة ديمغرافياً إلى الدرجة التي يمكن أن تعتبر معها فئة مهيمنة بالمعنى الإثني, بحيث يمكنها أن تعتبر أن هذه الأرض التي تضمها حدود الدولة هي, وهي وحدها, أرضها التاريخية ووطنها الثابت النهائي. بل لقد تم تقسيم العرب السنة, و هي الإثنية الكبيرة المهيمنة في المنطقة, بين حدود دول عديدة متجاورة. لقد شعرت الإثنية المعنية (العرب السنة) في سوريا بالظلم والخديعة لأن هذه الحدود أضيق مما ينبغي, ولأنها قد سلبتها مناطق هي أحق بها (فلسطين, مناطق طرابلس والبقاع في لبنان). و لكن كذلك أيضاً كان شعور الأقليات الإثنية مريراً. هذه الأقليات التي كان المستعمر الفرنسي قد شجّع كثيرا نمو نزعات الخصوصية الإثنية لديها بتأسيسه كياناً سياسياً وإدارياً خاصاً لكل منها, شعرت أيضاً بالخيبة و الخديعة لأن الراعي الكولونيالي قد خرج وتركها لمصيرها دون ضمانات كافية من الوقوع تحت هيمنة الجماعة السنية المسيطرة.

وهكذا لم تكن أية جماعة راضية عن هذا القدر منذ البداية, ولم يشعر أحد أن هذه الدولة, وهذه الدولة وحدها, هي الدولة التي تمثله. وذلك على الرغم من أن تحالف الدروز وسنّة الريف الدمشقي كان قد خلق في وقت سابق إبان الثورة السورية الكبرى نواة لهوية وطنية سورية ناشئة شديدة الأهمية مهمة, سرعان ما سحقت تلك عندما أجهضت تلك الثورة بعد كفاح مجيد نتيجة القوة العسكرية الفرنسية الوحشية.

2-     بعد خروج المستعمر الفرنسي, ورثت النخب المحلية في المدن الكبرى (و بشكل خاص نخبة مدينة دمشق) التي كان هناك تعاون دائم بينها و بين سلطة الإنتداب وكانت شريكتها في حكم البلاد, الحكم في سوريا بشكل طبيعي وتلقائي تقريباً. كان على هذه النخبة, التي تمثل بشكل رئيسي إثنية العرب السنة, والتي تسلمت كل المواقع البيروقراطية والعسكرية الكبيرة في البلاد, أن تقوم بمهمة بناء الدولة القومية في مجتمع متعدد شديد الإنقسام والتنوع, وفي ظروف إقليمية ودولية صعبة للغاية, اتسمت بتشكل نظام دولي جديد ينقسم العالم فيه إلى معسكرين كبيرين يتصارعان بلا هوادة على مناطق النفوذ.

 كان يمكن, بحسب نموذج أنثوني سميث, الافتراض بأن تكون تلك النخبة الحاكمة هي الأرستقراطية, التي ستخلق أمة قومية حديثة, عن طريق تزويد الشعب بالرموز والأساطير والذكريات المشتركة؛ أي أن تعبّر عن النواة الإثنية, وأن تعمل من خلال أجهزة الدولة البيروقراطية والعسكرية والتعليمية التي تملكها, على تمدّد هذه النواة ونشرها بشكل جانبي حتى تصل إلى كل الطبقات والشرائح العميقة من الشعب, وأن تنجح أيضاً في التفاوض مع باقي الأقليات الإثنية الموجودة مما يؤدي إلى احتوائها, بحيث تصبح, في النهاية, هذه الرموز والأساطير والمعاني, الخاصة بالإثنية المهيمنة, ثقافة مشتركة عن أمة متخيلة, يستبطنها وعي أفراد الجماعة التي تسكن ضمن حدود الدولة السورية كلهم, ويشعرون جميعاً بالانتماء إليها: أي أن تصبح هوية وطنية جامعة لكل من يعيشون ضمن حدود الدولة السورية الحديثة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-     Alan Sheridan. Michel Foucault. The Will to Truth.1990. pp. 38.39.40

2-     Eric Kaufmann. Rethinking Ethnicity(2004).Introduction.pp. 2

3-     Benedict Anderson. Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of ationalism(New Edition)-Verso(2006)

Anthony D. Smith.National Identity-Penguin Books Ltd(1991).

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً