تداعيات شخصية في الفكر والحياة أتصرف بوصفي سورياً

ـ كيف حصل وأن صرت لاجئاً بسبب لجوء أبي، البرقاوي الوحيد الذي يحمل وثيقة لاجئ؟

قال مسؤول في وزارة التعليم آنذاك: يا ابنتي إن هي إلا سنة واحدة وستعودين إلى دمشق، حيث اعتبرناك دمشقية ومن الواجب أن تمضي سنة في الريف، ونوى هذه أفضل قرية في حوران.

ـ أنشغل أبي في الحياة السياسية- بعثياً صوفياً- فيما أمي انشغلت بالتعليم المهنة الأثيرة لديها.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  د.أحمد برقاوي– بناة المستقبل:

أقف أمام النافذة أتأمل جموع شباب مصر التي تكر وتفر من شارع التحرير إلى مكان قريب من قصر عابدين.

الدخان المسيَّل للدموع يخترق نوافذ البيت الذي أسكن والمطل على الشارع، ودموعي تسبح في عيني وأنا أبتسم فرحاً.

فمنذ اليوم الأول من انتفاضة تونس شعرت إني أولد من جديد، ورحت أكتب المقالات من وحي الانتفاضات العربية وهي انتفاضات الكرامة ضد فاقدي الحياء وسرّاق الزمن. عدد لابأس به من الشباب محمول بين الأيدي وهم يعانون من الإغماء.

رن جرس هاتفي النقال: إنها نبيلة.

–      أحمد وصلتك دعوة من رام الله لحضور المهرجان التربوي الثقافي الفلسطيني، واللجنة المنظمة طلبت صورة عن جواز سفرك.

كان وقع الخبر علي غريباً فهو أشبه بالمزاح، كما أنه شحذ فيّ الرغبة التي لم تغادرني أبداً في رؤية فلسطين، فضلاً عن أن دون الذهاب إلى فلسطين صعاب من المتعذر تجاوزها.

–      على أية حال دعي إيهاب يرسل لهم صورة عن الجواز، فلربما يتم الأمر، من يدري.

خرجت إلى الشارع باتجاه ساحة طلعت حرب، القاهرة – التي نادراً ما تمطر- راحت تداعبني بقطرات مطر خفيفة.

 خبر ومطر، وأنا أسير أتأمل الهاربين من الغاز المسيل للدموع، وبعض المتسولين، والباعة المفترشين الأرصفة، وأمر من بين السيارات التي لم تعد تلتزم بأي قوانين مرورية.

ورحت أحدث نفسي: دعوة إلى فلسطين. أي مفارقة أعجب من هذه المفارقة. أنا الفلسطيني القح أُدعى إلى فلسطين، بل وإلى الضفة الغربية بالذات حيث تقع بيوتنا في قلبها، في طولكرم وقراها.

منذ رأيت بيوتنا – أي بيوت آل البرقاوي وقصورنا على شاشة الإنترنيت – وأنا دائم الحلم.

آه.. كم مرة حلمت في النوم إني في فلسطين وإني أقترب من بيتنا في ذنابة.. أذكر إني رأيته في الحلم وكان قريباً جداً من صورته في مواقع الإنترنيت.

أحمد برقاوي – الفلسطيني القح – يدعى إلى فلسطين. الفلسطيني البرقاوي الذي يعود في الأصل إلى طولكرم وإلى ذنابة نسبة إلى الأب وإلى يافا نسبة إلى الأم يدعى إلى فلسطين ويحتاج إلى صورة جواز سفر ليرسلها إلى العدو ليوافق على مجرد زيارة إلى مدينته وبيته ووطنه.

والحق أني لاجئ خاص، أحمل وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية. كما أحمل هوية مؤقتة. البلد الأصلي- ترشيحا. ترشيحا  التي كان يعمل بها والدي وخرج منها إلى دمشق.

بلدي طولكرم – ذنابة. وبيتي هناك، وأقربائي في ذنابة وشوفه وكفر اللبد وياصيد وطولكرم، وترشيحا هي المكان الذي جاء منه أبي إلى دمشق- الهامة لنمضي الربيع والصيف ريثما تنتهي الحرب في فلسطين.

كيف حصل وأن صرت لاجئاً بسبب لجوء أبي، البرقاوي الوحيد الذي يحمل وثيقة لاجئ.

حدثتني والدتي فقالت:

” كان ذلك في أيار 1948 انتقلنا من ترشيحا إلى الحمة حيث كان الوالد يعمل في سلك البوليس. ومن الحمة أشار أحد الضباط السوريين – صديق والدك – على أبيك أن نذهب لقضاء الصيف في الهامة حيث الماء والخضرة والطقس الجميل. وهكذا كان. لقد انتظرنا في الهامة سنتين حتى نفذت كل نقودنا ثم انتقلنا إلى دمشق حي المهاجرين.

كنا نظن أن الرحلة إلى دمشق مؤقتة ومضت السنون وها نحن مازلنا ننتظر.

ولكن لماذا لم تعودوا إلى طولكرم، وطولكرم لم تقع تحت الاحتلال، تبتسم أمي وتجيب: “أنا ابنة يافا ولا أستطيع العيش في طولكرم. دمشق أقرب إلي من ذنابة فاخترت الإقامة في دمشق، وما كان من والدك إلا أن سجلنا في عداد اللاجئين.. وهكذا كان”.

 بين أبي وأمي فروق ثقافية لم تُزل أبداً وقد عشناها نحن الأولاد.

أمي: بديعة محمد أديب الجغليط البسطامي من يافا. والدها شهبندر تجار يافا الذي يستورد الأغنام والسمن من سورية، أرستقراطي مدني، وصورته توحي بذلك، طربوش وشاربان معقوفان، وربطة عنق بخطوط مائلة بيضاء وسوداء، ونظرات في منتهى القسوة، وأمها رئيسة الشرقاوي وهي الزوجة الثالثة التي تصغر زوجها بثلاثين عاماً. وتقول القصة أن والدها أراد رئيسة زوجة لابنه الأكبر أديب، ولكن أعجب بها وأخذها لنفسه.

كانت أمي كثيرة الحديث عن أبيها بإعجاب وحب منقطع النظير ولم تكن تذكر أمها أبداً. رغم أن لها أخاً اسمه النمر من مومس. وكيف لاتحب أباها وهو الذي خرق كل الأعراف وأرسلها إلى المدرسة المسيحية أولاً ثم أرسلها إلى القدس لتدرس في دار المعلمات وتتخرج منها معلمة، عملت أول ما عملت معلمة في مدرسة الزهراء في يافا ومقدمة برامج أطفال في إذاعة الشرق الأدنى.

أمي هذه تحفظ القرآن، وآلاف الأبيات من الشعر العربي وتتحدث الإنكليزية بكل طلاقة وتكتب بها، وتعزف على البيانو، أمي هذه كانت أهم لاعبة كرة سلة، ومثلت دور قيس في مسرحية قيس وليلى في دار معلمات القدس.

وأنا لا أعرف أمي إلا مجموعة من الذكريات مع والدها وفي القدس ويافا.

ابنة يافا هذه ليست باستطاعتها العيش إلا في المدينة من جهة، ولاتريد العودة إلى بيت ذنابة من جهة أخرى، مع أنها كان يمكن أن تعمل في القدس. المهم أنها فرضت على والدي البقاء في سورية وتحويله إلى برقاوي لاجئ.

أما الأب: نسيم عبد الله أحمد عبد الله موسى مصطفى خليل ناصر عبد الله البرقاوي -كما يسلسل أبي مفتخراً بنسبه- فهو وحيد أبيه، الذي توفي وترك الطفل نسيم وعمره سنوات خمس، فربته أمه الشيخة لولو بنت الشيخ رشيد البرقاوي.

والدي سليل العائلة الإقطاعية التي حكمت منطقة وادي الشعير منذ القرن السادس عشر حتى الاحتلال البريطاني لفلسطين حيث انتهى نفوذها كباقي العائلات الإقطاعية الكبيرة كآل جرار وطوقان وعبد الهادي.

ترسل لولو ولدها إلى المدرسة الأحمدية في عكا ليتعلم الشريعة الإسلامية كمقدمة لإرساله إلى الأزهر ويعيد سيرة جده الشيخ أحمد الذي اختار الزعامة الدينية بدل الزعامة السياسية.

بعد أن ينهي نسيم الدراسة في عكا يدخل دون أن تدري أمه مدرسة البوليس في القدس ليستعيد سيرة أبيه عبد الله الذي كان في الجندرمة العثمانية، مشهوراً بقسوته.

 ومن الطريف أن أبي وحيد أبيه وأباه وحيد جده، ولشدة اعتداد أبي بانتمائه سمى أخي الأكبر عبد الله وسماني أحمد.

وفي الوقت الذي كانت ثقافة أمي مدينية- أرستقراطية حداثوية كانت ثقافة أبي كلاسيكية.

كانت أمي قاسية المظهر والمبنى إلى حد استخدام العنف، فيما كان الوالد هادئ لطيف لم يستخدم أبداً في حياته العنف مع الأولاد.

 في عام 1952 تعيَّن الوالدة مديرة مدرسة في نوى والوالد يعمل أستاذاً للتربية الدينية، لكنه كان قد أنتسب إلى حزب البعث العربي عام 1949.

حين سمعت أمي أن تعيينها قد تقرر مديرة مدرسة في قرية نوى راحت تجهش بالبكاء، فهي التي اختارت دمشق مكاناً للعيش كيف يمكنها أن تعيش في حوران وبخاصة أيام ذاك الزمان.

قال لها مسؤول في وزارة التعليم آنذاك: يا ابنتي إن هي إلا سنة واحدة وستعودين إلى دمشق، حيث اعتبرناك دمشقية ومن الواجب أن تمضي سنة في الريف، ونوى هذه أفضل قرية في حوران.

يبدو أن وعي أمي وأبي آنذاك لم يكن وعياً صحيحاً بحقيقة الغربة، لم تكن سورية بالنسبة لهما عالماً آخر، وبخاصة وأنهما يمتلكان حقوق السوريين، كما يبدو لي من خلال سلوكهما أن الأمل بالعودة إلى فلسطين لم يغادرهما.

 مديرة مدرسة وأستاذ تربية لاجئان دون شعور بالدونية أبداً، وكيف يشعران وهما محاطان بكل اهتمام وتقدير ومتميزان عن أهل القرية في كل شيء: في عادات الأكل والزي وأثاث البيت…إلخ.

حين كانت الهامة تظهر أنوثتها وتضج بالأخضر شهر نيسان ولدتُ في التاسع والعشرين منه عام 1950 الساعة الثالثة صباحاً  كما رُوي لي. و كان اسمي جاهزاً سلفاً. فحين قيل لأبي وهو في الغرفة الثانية من البيت الريفي المحاط بالبساتين .. مبارك قال أعرف لقد جاء أحمد. أبي لا يكف عن ذكر جده الذي عاش بعد وفاة أبيه ويكن الحب لجدته التي يتحدث عنها بكل حب وهذا ما نعرفه عن علاقته بالأسرة وعن حياة طفولته.

نادراً ما كان يحدثنا عن حياته الخاصة، بل كان دائم الحديث عن سيرة العائلة وأمرائها وقسوتها وثرائها.

فيما كانت أمي لا تمل ولا تكل عن الحديث عن حياتها الخاصة في المدرسة في دار المعلمات، حتى أنا حفظنا عن ظهر قلب أسماء مدرساتها الإنكليزيات ومفتشي دار المعلمات وأسماء صديقاتها .

أحمد: أنا الذي ارتبطت طفولته بفلسطينيته وبحال لجوئه كان شديد الحساسية تجاه فلسطين المقدسة بالنسبة له.

لا أستطيع أن أحدد بدقة متى عرفت أني فلسطيني لكني أذكر ذلك جيداً حين سألني المفتش وهو في زيارة إلى المدرسة ما أسم بلدك قلت له فلسطين. كان ذلك وأنا في الصف الأول الابتدائي عام 1957 .

أما كيف عرفت أني لاجئ فهذه قصة تراجيدية.

لقد أحسست بالاختلاف عن أهل القرية- نوى، لهجتي، لباسي، نمط الحياة في البيت، ليس لي أولاد عمومة أو أقارب يدافعون عني حين الشجار. ففي عالم القرية حيث الانتماء العشائري تكون محاطاً بما يسمى بـ”الفزعة” أما أنا فليس لدي فزعة.

وفي أحد الشجارات شتمت بـ”اللاجئ” وكان أهل القرية يلفظونها “اللاجي” ثم استمرت الشتيمة بـ”اللاجي” لكن “اللاجي” كانت تعني أني فلسطيني ولا ضير في ذلك، ولم أفهم لماذا هي شتيمة أصلاً، ومع ذلك كنت أشعر بالإهانة.

 دخل أخي الأكبر- مرة – إلى البيت وجهه أحمر وأذنه منتفخة لم تتمالك أمي نفسها وهي ترى أبنها الأعز والأحب في حالة كهذه.

–      من ذا الذي فعل بك هذا ..؟

–      ضربني ابن الجيران بحجر وحين ذهبت لأشكوه إلى أمه أجابت: “بسيطة روح أنت لاجي ليس لك دية أو عزوة تطالب بدمك”، لم أكن قد بلغت الثامنة آنذاك.

إذاً “اللاجي” هو الضعيف الذي لا أحد “يفزع” له كنت طفلاً عنيفاً جداً. وكان جميع الأطفال يتهيبون الشجار معي. كنت أمارس الضرب باليد والحجر دون أن أحسب حساب للنتائج. بل وكنت معتدياً في أكثر الأحيان.

تسللت من البيت خفية ولبست معطفي الفروي وذهبت إلى بيت”أبو خليل” البيت الذي ضرب أخي الأكبر عبد الله، لقد حاصرت جميع أفراد العائلة في بيتهم ورحت أرميهم بالحجارة حتى حطمت زجاج نوافذهم وتركت آثاراً على خشب بابهم ولم يستطع أحداً أن يخرج من البيت لمشاجرتي.

وعندما أفرغت كل غضبي ابتعدت ورحت أنتظر أن يخرج خليل لكي أمزقه، وكان هذا الطفل والذي هو في عمري يهرب مني كلما رآني، ولكن أين سيهرب، فأنا ألاحقه لأتصيده لا محالة .

شاهدته مرة يرعى غنمه في الكرم المقابل لبيتنا، كان وحده، وكما يتهيأ الوحش الضاري لاصطياد فريسته ودون أن ألفت انتباهه انقضضت عليه ولم أعرف كيف جاء أخي الأصغر ولحق بي. لم تمض دقائق إلا وصار جسده أزرق وآثار أسناني وعصاي على كل أنحاء جسده، وفجأة جاء أبوه وحملني بين ذراعيه ورماني على الأرض بشده، وهم لضربي فرميته بالحجارة وهربت إلى البيت، فلحق بي ومعه أبنه وحين خرجت له أمي قال لها:” يا أم عبد الله أنظري ماذا فعل أحمد..” لم تستطع لهول المشهد أن تجيب، وكنت أراقبهم بكل شعورٍ بالرضا.

 حضور صفة اللاجئ في حياتي اليومية أقوى من حضور الفلسطيني، بل أنا لاجئ فلسطيني، شعور بالنقص يلاحقني من كلمة لاجئ.

يمكن لأية مشاجرة أن تنتهي بشتيمة لي “لاجي”، بل أصبحت لدى أهل نوى شتيمة متداولة هي بمثابة السخرية من شخص ناقص ” وجهك مثل وجه اللاجي”.

لم يتردد أبداً صديق والدي مختار القرية من شتم أخي الأكبر بقوله: “لاتنسَ أنك لاجئ وعليك أن تكون محترماً وإذا تجاوزت حدودك فعليكم بالرحيل”.

“لاجي” كلمة- شتيمة لا أثر على أجسادنا، لا تظهر في قسمات وجهنا، لاشيء يقلل من وقع هذه الكلمة علي. دعك من التفوق والعنف والعنجهية والفخر بالانتماء كل هذا يُسرق منك حين يعيرك شخص ما أنك لاجئ.

 وليس من المصادفة أبداً أني وأنا أكتب هذه التجربة الوجودية تعرضت لاعتداء من شخص جاهل يحمل درجة الدكتوراه كلفت لتقويم إنتاجه العلمي واعتذرت كي لا أؤذيه لأن إنتاجه لا يؤهله لأن يكون معلماً في مدرسة ابتدائية حين أنهى كلامه:” أنا على كل حال أقف على أرضي وأعيش على أرضي”.

حين تشاجرت أنا وأحد مدرسي الفلسفة وهو من عداد المخبرين قالها بكل وقاحة: “لاتنسَ أنك لاجئ وعليك احترام البلد” .

لن أنسى أيام ربيع دمشق جين جاءني فيصل كلثوم- وكان حينها نائب رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية التابعة لجامعة دمشق- وقال لي:

“أبلغكما رسالة لك وليوسف سلامة مفادها: أنتما فلسطينيان، اهتما بقضيتكما- فلسطين ودعوا الشأن السوري وإلا “.

في مرحلة بداية الثورة الفلسطينية وازدهارها نظرنا إليها بوصفها تحرراً من اللجوء، البندقية حبل نجاة.

في عام 1965 صرت واحداً من الذين يوزعون بيانات فتح في القرية والتي كان يزودني بها لاجئ من مخيم درعا اسمه غازي حسين.

التحرر من اللجوء هو الذي دفعني لأن أترك الدراسة وألتحق بمنظمة الصاعقة.

بولادة الثورة ولدت مفاهيم جديدة دالة على الفلسطيني: الفدائي، المقاوم، الفلسطيني يصنع تاريخاً جديداً له، الفلسطيني اللاجئ: شهيد وقائد وثورة وأغنية وموسيقى وملصق.

أنا اللاجئ حاضر بوصفي فلسطينياً في كل النشاطات وبخاصة أيام الجامعة.

هو الوعي الممزق، أن تكون فلسطينياً ومنتمياً إلى فلسطين ويقتلك الأمل بالعودة من جهة وأن تكون عائشاً في بلدٍ يحتضنك اسمه سوريا . كان الانتماء القومي حلاً لمثل هذا التمزق.

كان الفرق بين وعي أمي بالنكبة مختلفاً عن وعي أبي وذلك يعود إلى أن أبي كان مطمئناً بأنه قادر على العودة إلى طولكرم المدينة التي لم تحتل في عام 1948، لم يكن يعامل ذاته بوصفه لاجئاً، فأبن ذنابة يملك بيته التاريخي، أمه هناك أخته هناك، فيما أمي- وهي ابنة يافا- كان يقتلها الحنين إلى هذه المدينة التي ربما لن تراها أبداً.

 أنشغل أبي في الحياة السياسية- بعثياً صوفياً- فيما أمي انشغلت بالتعليم المهنة الأثيرة لديها.

عاش والدي الحياة السورية بكل تفاصيلها، بل كاد أن ينسى أنه فلسطيني، فيما أمي اغتربت اغتراباً مطلقاً عن سورية، والحق أنه مهما كانت الحقوق التي  نحصل عليها بوصفنا لاجئين سوريين فإن هذا لن يمحو من الوعي أننا نملك وثيقة سفر مؤقتة للاجئين الفلسطينيين.

تُبقي صفة المؤقت حلم العودة إلى فلسطين، لأنها وحدها التي تمنحك الدائم، العودة وحدها تمنحك هوية دائمة وجواز سفر، الوثيقة المؤقتة تزرعك في الزمن الآتي، منذ استقل وعيّ بوصفه وعي أحمد وأنا أعيش وجودين.. الوجود المؤقت.. كل الحياة اليومية المعيشة.. والوجود الدائم الذي يتطلب انتظاراً دائماً.

تقترب من الوجود الدائم فهاهي الثورة تنطلق، الثورة تعزز الأمل، “منظمة التحرير الفلسطينية”، “حركة التحرير الوطني فتح”،” طلائع حرب التحرير الشعبية”،” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”،” جبهة التحرير الفلسطينية”،” الجبهة العربية لتحرير فلسطين”.

التأمل في الأسماء من أسم الممثل الشرعي والوحيد إلى أسماء المنظمات سنجد أن كلمة التحرير حاضرة.

التحرير معارك، فدائي، شهيد، الحرب، الفدائي، الشهيد، يخلق الشاعر والروائي والمفكر والفيلسوف واللاجئ مهما أنسته الحياة وطنه فإن عشرات النواقيس سرعان ما تذكره بفلسطين، تدلل على ذلك تجربتي المعيشة في نوى القرية الوادعة المسالمة ذات العلاقات الحميمة، عشت في مرحلة الوعي الذاتي تمزقاً ينام ويستيقظ، فأنا ابن المديرة، وكل طلاب المدرسة الابتدائية يهابون ابن المديرة، فضلاً عن أن ابن المديرة طفل شرس جداً، أنا ابن الأستاذ وابن المسؤول البعثي منذ عام 1963 وحتى 1969.

أهل القرية يغمرونك بالحب والاحترام والامتنان فأهل حوران بعامة ينظرون إلى الفلسطيني بوصفه واحداً منهم، فمنذ سنوات طويلة تعود إلى ما قبل احتلال فلسطين كانت العلاقة بين الحوارنة والفلسطيني علاقة قرابة وعمل. فشمال فلسطين وجنوب سورية منطقة ذات علاقات قرابة وعادات واحدة ولهجة واحدة. فآل الكفري والمقداد والمحاميد والشرع والزعبي وعائلات أخرى منتشرة في شمال فلسطين وجنوب سورية.

وقد قامت علاقات زواج كثيرة بين اللاجئين وأهل حوران، فضلاً عن ذلك فإن اللاجئين الفلسطينيين قد مدَّوا أهل حوران بكادر تعليمي كثير، بل كان الكادر الأغلب في مدارس حوران من أهل فلسطين.

رغم كل ذلك فلا شيء يمنع- في لحظة اختلاف- أن ينتفض في وجهك واحد يقول لك: ” لاتنسَ أنك لاجئ”.

وبالمقابل فأنك- بوصفك لاجئاً فلسطينياً مساوياً للسوري بالحقوق والواجبات- تطالب بحقك دون إحساس بالتمايز والتمييز.

بل إن السوري عموماً يمنحك حباً واحتراماً أكثر مما يجب وينبغي، شعوراً منه أنه هو المركز في النهاية.

تعرفني كل مدن وقرى سورية تقريباً، وأحاط بالاهتمام من العامة والخاصة والمسؤولين بسبب مكانتي الفكرية، كل ذلك لا يمنع أبداً أن يصدر عن بعض ممن يسمون بالنخب أو المسؤولين إهانة تذكيرك بأنك لست من هنا.

فيما الشعب البسيط لم يواجهني أبداً بمثل هذه الإهانة، مازلت أذكر ما حصل لي في ربيع دمشق من أحد الانتهازيين الرخيصين .

فأنا في كل أحوالي في سورية أتصرف بوصفي سورياً، دون أن أنسى أبداً أني ابن القضية الفلسطينية. اشتركت في عشرات المؤتمرات السورية والعربية وكانت البطاقة التي أعلقها على صدري “أحمد برقاوي – سورية”.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً