فلسطين في تأويلات الأزمة السورية

ـ لجأ الأسد إلى ورقة العداء “لإسرائيل” كورقة رابحة علّه يستجلب تعاطف الرأي العام في الداخل والخارج.

ـ باستخدام المسألة الفلسطينية، عمل نظام الأسد على تشويه الثورة عربياً، وباستخدامه ورقة الإسلاميين، استطاع أن يحشد طائفياً، وأن يغازل الغرب من بوابة الإرهاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فيكتوريوس بيان شمس

يستمّد النظام السوري ما يسمّى بـ”شرعيته الوطنية” من القضية الفلسطينية التي حاول على مدى عقود ترسيخ فكرة مفادها: أن “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وأن المعركة مع العدو الصهيوني قائمة في كل لحظة. وعليه، أعلن حالة الطوارئ في العام 1963، مدعومة بمرسوم تشريعي يحمل الرقم (51) للعام 1962، مثله مثل غيره من الأنظمة العربية، حتى تلك التي وقّعت اتّفاقيات سلام مع العدو الصهيوني، وألغى الحياة الديمقراطية في سوريا، لتنتشر “المحاكم الاستثنائية”، و” المحاكم العرفية”. وتحت هذا العنوان العريض: “الدفاع عن الأراضي المحتلة”، انتعش النهب والفساد في كل أجهزة الدولة خلال فترة حكم الأسد الأب عبر ما سُمّي “بالاقتصاد الموجّه”، ثم في فترة حكم الأسد الابن عبر ما سمّي “بسياسة الانفتاح” والتي أنتجت ظاهرة الأثرياء الجُدد الذين سيطروا على كافّة قطاعات الاقتصاد في البلاد مدعومين بحماية أجهزة أمن النظام، ما أدّى إلى انتشار ظاهرة الفقر الشديد، وانحسار، بل وتلاشي ما يسمّى “الطبقة الوسطى”، أي إلى تفارق طبقي واضح، حفّز الشعب السوري على الاستفادة من المناخ الثوري الذي اجتاح بعض الدول العربية والذي انطلقت شرارته الأولى من تونس.

منذ انطلاق الثورة السورية في ربيع العام 2011 كان لدى النظام الكثير من الأوراق ليلعبها في مواجهة شعبه. لجأ إلى ورقة العداء “لإسرائيل” كورقة رابحة علّه يستجلب تعاطف الرأي العام في الداخل والخارج، ولإظهار أن كل من قام ضدّه يخدم العدو الصهيوني، معتبراً أنه الوحيد المكلّف بالدفاع عن هذه القضية العادلة. والحقيقة أنه حقّق نجاحات واضحة بعض الشيء؛ فالثورة السورية، هي الثورة الوحيدة من بين ثورات “الربيع العربي” التي أثارت جدلاً واسعاً بين “الإنتلجنسيا” العربية والتي لم تستطع بالفعل بلورة موقف علمي واضح، يوازن بين المسألة الفلسطينية، وحرية الشعب السوري، بل وبقية الشعوب العربية من جهة، والفصل بين القضية الفلسطينية كقضية عادلة، والنظام السوري ودوره الوظيفي دولياً وإقليمياً من جهة أخرى.
ومن بين الأوراق الرابحة التي لعبها النظام، بسببٍ من خبرته الطويلة في هذا المضمار، ورقة “الإسلام السياسي”، حين أطلق سراح معتقلي تنظيم “فتح الإسلام” وغيرهم من أتباع “تنظيم القاعدة” الذين لعبوا في العراق تحت إشرافه ورعايته، دوراً لا يقل من حيث خطورته عن دورهم اللاحق والمخطط له في سوريا، ليحصد ثمار خوف الغرب من هذه التنظيمات، دماراً أكثر، يُسيل لعاب شركات الغرب العابرة للقارات لجنيه عقود “إعادة الإعمار”.

والمشكلة الحقيقية التي استعصى علاجها على الكثير من المثقفين العرب، هي مسألة أسباب العداء للكيان الصهيوني، وعوضاً عن علاجها وتحليلها بشكل موضوعي، حوّلها البعض منهم إلى “تابوه” حُرَّم الاقتراب منه لمحاولة فهمه أو تحليله، ليصبح العداء “لإسرائيل” هو العداء “لإسرائيل”، لأنّها “إسرائيل”!

على عتبة العداء “لإسرائيل”، تتكسّر الأيديولوجيات، وبنفس المنطق والآليات، يحدّثك “الناصري”، و”البعثي”، “القومي السوري”، وبعض مُدّعي اليسارية، وغيرهم الكثير، لدرجة أنّك لن تستطيع تحديد الهوية الأيديولوجية لأي منهم عند الإطلاع على آرائهم بهذه القضية.

للمفارقة، أن أغلب هؤلاء متّفقين على مسألة هي الوجه الآخر لهذه المسألة، بل ربّما كانت واحدة منهما سبب للأخرى، لا تقوم إلا بها، وهي مسألة تأييد أنظمة الاستبداد العربي، على أساس أنّ مهمة مواجهة العدو الصهيوني، مهمة حصرية لهذه الأنظمة، مع العلم أن هذه الأنظمة لم تتبنّ قضية فلسطين، إلا لأنها كانت قضية الشعوب العربية الأساس منذ ما قبل النكبة، أي منذ ثورة البراق في العام 1929 وربّما قبلها، إلى ثورة 1936وما تلاها إلى يومنا الحاضر. وهنا مربط الفرس، وهنا الخلاف الذي يطرح العديد من الأسئلة، التي بالإجابة عليها، يتحدّد الموقف من ثورات الربيع العربي وحق الشعوب في تقرير مصيرها: هل نحن مع استعادة فلسطين أرضاً بلا شعب؟ هل نحن مع مبدأ: “ما أُخذ بالقوة؛ لا يُسترد بغير القوة”؟. هل نحن مع تحرير فلسطين إيماناً منّا بمظلومية شعبها؟.

 لماذا تعتبر فلسطين قضية العرب المحورية الأولى؟. لن تجد في كل أدبيات النموذج المذكور أعلاه من مثقفي الأنظمة إجابات واضحة مقنعة عن هذه الأسئلة!

لكن بالمقابل، هذا لا يعني أن لدى المثقفين –أو على الأقل أغلبهم-  من أهل “المعارضة” إجابات واضحة عن ذات الأسئلة. فتقاذف الاتّهامات بالعمالة للعدو، هي السمة الغالبة في تفاعل هذان النموذجان مع بعضيهما، فيما هناك مسائل مرتبطة وذات صلة بحاجة ملحّة للمعالجة وتركيز النظر، منها على سبيل المثال: مسألة نسف “سايكس – بيكو” القديم لأسباب موضوعية فرضتها التغيرات الجارية في سوريا، والتي بدأت تترك انعكاساتها على دول الإقليم، لصالح تقسيم جديد بحكم الأمر الواقع، قد لا يستثني بحسب المدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية “cia” مايكل هايدن في كلمته أمام المؤتمر الدولي السابع حول الإرهاب الذي نظمه معهد جيمس تاون، دولاً كالأردن و لبنان والعراق!.

من الواضح أن قوى “المعارضة” لم تستطع حتى الآن خلق عصبيتها –بالمفهوم الخلدوني- وبناء رؤية واحدة مختلفة عن منهج النظام، تجمع الشعب السوري الذي لم يجتمع حتى الآن إلا على همٍ واحد هو “إسقاط النظام”، فيما استطاع النظام أن يوّظف كل إمكاناته لمواجهة الثورة.

فباستخدام المسألة الفلسطينية، عمل على تشويه الثورة عربياً. وباستخدامه ورقة الإسلاميين، استطاع أن يحشد طائفياً، وأن يغازل الغرب من بوابة الإرهاب. أي أن النظام نجح “بديماغوجيته” المعهودة توظيف أسباب القيام عليه، أي إلغاء البعد الإنساني والأخلاقي في ممارساته السياسية قبل الثورة، للانقضاض على الثورة ووضعها في حالة الدفاع القصوى عن النفس.
واستنتاجاً، تطرح الأسئلة ذاتها على “المعارضة”: هل أن بقاء النظام ضمان حقيقي لمواجهة العدو الصهيوني؟

هل أن إيقاف الحرب أصبحت أهم من إسقاط النظام، وضمان لعدم التقسيم؟

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً