مسلسل تلفزيوني يحاول قصف العقول بدلاً عن قصف البيوت سنعود بعد قليل…. كيف ستعودون بعد قليل؟

BeRightBack_Dramacafetv

قدم الممثل دريد لحام والكاتب الشاب رافي وهبه، العمل التلفزيوني (سنعود بعد قليل) الذي عرض على محطات فضائية مختلفة، محاولاً تصوير الارتباك الاخلاقي والسياسي والوطني الذي يشوب الحياة الاجتماعية السورية اليوم، في الداخل، وانعكاساته عليها في الخارج، دون أن ينسى بث العشرات من الرسائل (بنوايا متفاوتة ما بين الحسن والسيء) في الحلقة الواحدة، ليصبح المسلسل درساً متواصلاً على مدى ايام شهر رمضان التي تابع فيها المشاهدون السوريون والعرب حلقاته فيها.

ويحكي المسلسل قصة صانع موزاييك ( نجيب ـ دريد لحام )في احد احياء دمشق القديمة، يعيش وحيداً  بعد وفاة زوجته، بينما أبناؤه الستة، يعيشون في لبنان، ولم يقل لنا المسليل لماذا يفعلون ذلك، فيما يبدو وكأنهو توليفة غير مقنعة لأول وهلة، ثم ستستمر هكذا طيلة الحلقات التالية، بما في ذلك دور ابنه الأكبر سامي في العمل السياسي اللبناني كشخصية لبنانية وليست سورية!! في الوقت الذيت تعيش فيه ابنته الصغرى تهتكاً وفوضى في حياة الليل والملاهي اللبنانية، ثم تتحول عبر حبيب جديد إلى ثورية وناشطة من النشاطات السوريات، في تصوير يفتقر إلى الإنسانية في النظرة إلى النشاطين والناشطات، أما ابنته الكبرى فهي تميل إلى عشيق من اللاجئين السوريين تتعرف عليه عبر الفيس بوك، كي تتدمر حياتها الزوجية! احد ابنائه ممن يعملون في الإعلام الموالي للثورة السورية ، يغرق هو الآخر في علاقة  غرامية مع رئيسته في العمل (المئيعة التلفزيونية التي تلعب دورها الفنانة اللبنانية كارمن لبّس)  في ما يبدو أنه خيانة لزوجته وطفله فسي بلاد اللجوء، أما ابنه الأكثر شقاوة ، فقد ذهب باتجاه التعامل مع تجار السلاح والمافيات وأجهزة المخابرات في مسرح صفقات السلاح التي تذهب إلى الجيش السوري الحر !!!

ولا يعرف المشاهدون، ما الذي أراده دريد لحام وصناع المسلسل، من إنتاج عمل هكذا لن يحسن تجميل صورة الوضع في سوري، ولن يبرر بقاء الحياديين على حيادهم أمام جرائم القتل والإبادة التي يتعرض لها الشعب  السوري، وقد استعمل من أجل هذا الهدف الكثير من الأساليب والتقنيات، حتى ايراد مفردات كالجيش الحر، والثورة ، وغيرها مما يظنه المشرفون على المسلسل أدوات إقناع لم تعد تخدع المشاهد في زمن الربيع العربي، وربما استطاعت تلك الأسليب تقديم دريد لحام في الماضي في أعماله التنفيسية العديدة، ولكنها اليوم تفشل تماماً في عملها.

عمل الانتاج في هذا المسلسل على تقديم صرة مبهرة، وحاول الوصول إلى التأثير السياسي على المشاهد، من خلال الإغواء القصصي والاجتماعي في الحكايات الواردة في ثنايا الحلقات، مع الكثير من الابتذال (وهو هنا ليس شتيمة ، ولكنه اسلوب انتاجي معروف يعتمد على اللقطات العارية للفنانات والمواقف الفاحشة التي تتناقض مع حساسية شهر مثل رمضان) ولكن رسالته الكبيرة التي أرادها أن تزرع زراعةً في عقول المشاهدين، هي أنهم قادمون وعائدون!!

أما من هم، فهذا ما لا يستطيع المسلسل الإجابة عليه، ولا يقدّم اية حلول للمسألة التي يتصدى لها، ولا يقول كيف سيعودون، هل على دمار سوريا ؟ على بعد سنوات من التمزيق والتدمير والقصف والتجزئة؟ هل سيعودون تحت حكم بشار الأسد ليواصلوا التهتك الذي لم ينتبه المسلسل  إلى أنه قد تورّط فيه، بدلاً من جعله تهاماً للثورة ومناخها، هل سنعود جميعاَ أم أنهم سيعودون وحدهم؟! كل تلك الأسئلة تبقى في ذهن الناس بعد النتهاء من مشاهدة المسلسل الذي يفشل مرة بعد مرة، في تصوير دريد لحام (رغم محاولاته المستميتة) في انتزاع العواطف من المشاهدين، فهو الأب الحنون واسع القلب، مريض السرطان، المتسامح، الودود، الذي يحدثنا بلا حياء عن قباقيب غوار الطوشة، والذي يصبر على كل عيوب أبنائه، هل أراد ان يقول : (أنا سوريا) ؟ هل أراد أن يقول أنني من تضيعونه اليوم؟ ولكن سوريا التي يصفها المسلسل، لم تكن على خير ما يرام، فإن كانت الأب (نجيب ـ أبو سامي) فهو نموذج سيء للغاية عن الأب الذي لم يحسن تربية أبنائه، وقد أفلتهم للحياة بلا تأسيس، مقبل استمتاعه بالألوان والمودة والعواطف.

سنعود بعد قليل، عملٌ إضافي من إنتاج  العقل ذاته الذي ينتج المجازر والقصف والصواريخ وبراميل الموت، ولكنه هذه المرة، يقصف عقول المشاهدين بدلاً من بيوتهم، دون أن يشعرهم بأي ألم ودون أن يكسب معركته معهم، فهم مستمرون في في هذا المستوى أيضاً برفض كل ما ينتج عن ذهنية الاستبداد والتغطرس واللامبالاة بالكرامة والحرية والعدالة.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً