جمهوريات الفراغ بين رؤساء مؤقتين ومرضى أو على وشك السقوط… ثائر الزعزوع

 

 ثائر الزعزوع

استنبطت الدول العربية فكرة الجمهورية من الجمهورية الفرنسية وحاولت نقلها بحذافيرها، بداية من لبنان وسوريا، ثم تتالت بعد ذلك الجمهوريات مع توالي حركات التحرر، التي رأت أن تضرب عصفورين بحجر واحد أولهما التخلص من الاحتلال الأجنبي، وثانيهما التخلص من الحكم الملكي الذي كان في غالبيته مرتبطاً بشكل أو بآخر بالاحتلال، فظهرت جمهوريات العراق، ومصر، وتونس، والجزائر، واليمن، والسودان، وموريتانيا، وجيبوتي ولاحقاً الصومال وجزر القمر، فيما اتخذت ليبيا بعد الإطاحة بالملكية تسمية مختلفة عن سواها، فأطلق عليها الرئيس الراحل معمر القذافي تسمية الجماهيرية، وبالمقابل فقد حافظت الملكيات والإمارات على هوية الحكم فيها، ولم يطرأ عليها أي تعديل يذكر سوى بانتقال البحرين من إمارة إلى مملكة عام 2002. فيما تفردت عمان بكونها السلطنة الوحيدة في المنطقة العربية.

وقد تشابهت الجمهوريات العربية الوليدة التي سعت لاستحداث دساتير تهيئ للحياة السياسية والبرلمانية فيها، لكن تلك الدساتير ظلت حبراً على ورق في معظم تلك الجمهوريات التي شهدت فترات اضطرابات سياسية نقلتها من حالة الصراع مع الاحتلال الأجنبي إلى حالة الصراع على السلطة بين قوى سياسية وعسكرية تشكلت غالبيتها في كنف الاحتلال، وقد أدت تلك الصراعات المتواصلة إلى نوع من اللاستقرار وعدم وضوح الرؤية بالنسبة لمستقبل العمل السياسي، ولم تتشكل صورة واضحة عن طبيعة تلك الجمهوريات أو تتضح ملامحها بشكل جلي، إلى أن سادت فترة هدوء كبيرة بعد سيطرة عدد من الضباط على السلطة بانقلابات عسكرية على الأغلب، وفرضهم نوعاً جديداً من الحكم شبيهاً بشكل الحكم في دول أمريكا اللاتينية وهو بمجمله مستمد من التجربة الشيوعية التي أفضت إلى حزب واحد يقود البلاد، وفق رؤية ضيقة ساهمت في تعطيل الحياة البرلمانية بشكل كلي تقريباً في معظم هذه الجمهوريات، وجعلت دور الحكومة ثانوياً وانحصرت زمام الأمور بشكل كامل بيد «رئيس الجمهورية» الذي يتولى قيادة القوات المسلحة، ويشرف على تشكيل الحكومة، وألغيت بموجب تلك الهيمنة الانتخابات الجمهورية واستعيض عنها باستفتاءات يقف فيها الرئيس مرشحاً وحيداً لا ينافسه أحد، وقد تجلت هيمنة النظام الجمهوري بشكل كبير في الجمهوريات الكبرى «العراق، سوريا، مصر»، التي بدت للجمهوريات الأخرى نموذجاً يحتذى، فلم يكن الرئيس يغادر الحكم إلا في حالة وفاته أو الانقلاب عليه.

وبالمقابل فقد عملت الملكيات والإمارات الناشئة على تنظيم شؤونها الداخلية، محافظة على قدر من الهدوء في الحياة السياسية بعيداً عن السجال المحتدم في جمهوريات الجوار، فلم تشهد في معظمها، باستثناء قطر، أية حركات انقلابية، أو خلافات داخل الأسر الحاكمة، وكرست لنفسها تقاليد في انتقال السلطة، جعلت الأمور تبدو واضحة ولا يعتريها أي التباس.

لم تكن الجيوش العربية في بداية تشكل الدول جيوشاً بمعنى الكلمة، فهي فعلياً لم تخض حروباً، ولم تساهم في طرد الاحتلال، بل إنها تشكلت تقليداً للنماذج الاستعمارية نفسها، وأخذت التقسيمات التي كانت تقسم بها جيوش المحتلين، ومنح قادتها رتباً شبيهة بتلك التي كان يحملها قادة الوحدات العسكرية للجيوش الاستعمارية، سواء التركية منها، أم الفرنسية والإنكليزية، وقد بدا واضحاً إعجاب بعض القادة العسكريين بالضابط التركي مصطفى كمال أتاتورك ولذلك فقد سعى أولئك القادة إلى محاكاة هذا النموذج، من خلال إلحاحهم على بث الروح القومية، والإصرار على مفردات كانت غريبة عن الشعوب العربية، ولم تكد الجمهوريات العربية تخطو خطواتها الأولى كما حدث في مصر، حتى قفز عسكريون حالمون على ظهورها، وأحكموا قيادها، مستفيدين من السحر الذي أضفته خطاباتهم، وحالاتهم القيادية وجولاتهم بين صفوف مقاتليهم في ترسيخ أنفسهم حلماً، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في تفاصيل الجمهورية أو ما هو الشكل الذي يسعون للسير وفقه، وقد مرت سوريا استثنائياً بحالات من القلق السياسي إذا جاز التعبير، تنازع فيها مجموعة من القادة العسكريين على السلطة إلى أن استقرت الأمور عام 1970 إثر انقلاب عسكري قام به حافظ الأسد، واستولى بموجبه على السلطة، ليسير بذلك نحو ترسيخ حكم فردي، يتعلل بحزب قومي، وهكذا انساقت العديد من الملكيات والإمارات السابقة إلى فكرة الجمهورية، وأنشأت لنفسها دساتير تحاكي النماذج الغربية وتستقي منها بعض المفاهيم، لكن تلك الدساتير لم يتم الرجوع إليها مرة واحدة، ولم تسهم في تطوير الحياة السياسية أو الاقتصادية، فلم يكن ثمة حراك سياسي يذكر، طيلة عقود في غالبية الجمهوريات العربية، ويمكننا بطبيعة الحال استثناء لبنان والذي أثقلت الحرب الأهلية مسيرته الواعدة، ثم أدى التدخل السوري المباشر في شؤونه إلى تعطيل أجوائه السياسية، رغم وجود الصحافة الحرة، وهو ما لم يكن موجوداً في أي من الجمهوريات العربية الأخرى، التي سعى قادتها إلى ابتكار نموذج جديد في الحكم أسوة بالنموذج الكوري الشمالي، في نقل الحكم من الآباء إلى الأبناء، فبدأ كل من صدام حسين وحافظ الأسد وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح ومعمر القذافي بإعداد أبنائهم لوراثتهم، وقد نجح حافظ الأسد في تحقيق هذا الانتقال الذي وصفه المعارض السوري البارز رياض ترك بأنه نظام هجين، فلا هو جمهوري ولا هو ملكي، ويصح تسميته بالجمهورية الملكية.

والحقيقة أن انتقال الحكم من الأب إلى الولد لم تشكل صدمة، ولم تثر استغراباً بل كانت أمراً متوقعاً تم التمهيد له على مدى سنوات، فتبوأ أبناء الرؤساء مناصب قيادية في الأحزاب التي يترأسها آباؤهم، وانخرط بعضهم في القوات المسلحة، وبرزوا في الأوساط السياسية حملة لواء الإصلاح ومحاربة الفساد، فكان ابنا صدام حسين يكمّلان صورة والدهما، وكذلك الحال بالنسبة لجمال مبارك، ولنجل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وبطبيعة الحال كان سيف الإسلام القذافي وأشقاؤه يقتسمون مغانم الجماهيرية، كلٌّ في ناحية.

لكن تلك المشاريع لم يكتب لها أن تكتمل مع دخول القوات الأميركية العراق عام 2003 وإنهائها حكم عائلة صدام حسين الذي أعدم وقتل ولداه قبل ذلك، ثم وبشكل مفاجئ مع بدء العام 2011 انهار ما تبقى من مشاريع التوريث الجمهوري، بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، فحل حسني مبارك وولداه ضيوفاً على أحد السجون في مصر، واقتنع أحمد علي عبد صالح بمنصب سفير بعد أن وافق والده على المبادرة الخليجية التي أنهت أزمة كادت أن تعصف بالبلاد إلى المجهول، بينما يقبع سيف الإسلام القذافي سجيناً منتظراً حكماً قد يصل إلى الإعدام بعد مقتل والده.

والحقيقة إن تأمل حال الجمهوريات العربية جميعاً ودون استثناء يطرح أكثر من علامة استفهام حول المستقبل الذي ينتظرها، فالرئيسان العراقي والجزائري مريضان، لا يقويان على إدارة أي ملف مهما كان صغيراً، فيما يرأس كلاً من تونس واليمن ومصر رئيس مؤقت، وكانت مصر قد خاضت تجربة رئاسية فاشلة استمرت عاماً واحداً فقط، وأسفرت عن قيام ثورة ثانية أطاحت بالرئيس محمد مرسي، واستبدلته برئيس مؤقت، ليعود النقاش إلى نقطته الأولى، ما هو شكل الحكم الذي تريده مصر؟. وأما الجماهيرية الليبية فهي لم تصل بعد إلى مناقشة شكل النظام الرئاسي، وهي ما زالت تتخبط في مرحلة انتقالية من مرحلة الجماهيرية إلى مرحلة الجمهورية، وخاصة في ظل وجود دعوات باعتماد نظام فيدرالي، وصراع واضح تشهده البلاد هذه الأيام مع تيار إسلامي إخواني، يحاول استنساخ التجربة المصرية، لكنه يلقى بالمقابل مقاومة من تيارات ليبرالية غير مستعدة للتنازل بسهولة.

وأما سوريا والسودان فإن النظامين القائمين فيهما مهددان في كل لحظة بالزوال، وإن كانت سوريا مرشحة قبل السودان للانتقال للمرحلة اللاحقة خاصة مع تنامي التوقعات بأن نهاية الأسد باتت وشيكة، وعلى ما يبدو فإن مرحلة انتقالية أو مؤقتة شاقة تنتظر البلاد التي شهدت كماً كبيراً من الدمار، وهي بحاجة لا إلى إصلاح شكل نظام الحكم فيها، بل إلى إصلاح كل شيء تقريباً.

وفيما يبقى لبنان محافظاً على تراتبية عكر صفوها تدخل السوريين في تنظيم شؤون الحياة السياسية أكثر من مرة، ما جعله يبقى معلقاً في أزمات حكومية متلاحقة بين حكومة مستقيلة وحكومة مكلفة، فإن جمهوريات أخرى مثل الصومال وموريتانيا تشقّ طريقها نحو ترسيخ أسس ديمقراطية على الرغم من الصعوبات الكثيرة التي تواجهها، وتحديداً الصومال التي أرهقت كاهلها حرب أهلية طويلة، أسفرت في النهاية عن تسلل جماعات إسلامية راديكالية إلى جسم الدولة، ويتطلب التخلص منها أو معالجتها جهداً مضاعفاً من الدولة.

تخشى الشعوب العربية أن يكون المستقبل أسوأ من الماضي القريب أيضاً، متخذين من الحالة العراقية أنموذجاً لدعم خشيتهم، والحقيقة أن ما آلت إليه الأمور في العراق في ظل التدخل الإيراني المباشر في الشؤون الداخلية والخارجية، تسبب بخلل كبير قد يتطلب إصلاحه سنوات، ولا يمكن القياس عليه، بأي حال من الأحوال، ولعل النقاشات المستفيضة التي تشهدها الساحة المصرية حالياً تحيلنا إلى ضرورة إعادة قراءة التجربة الجمهورية العربية منذ انطلاقتها وحتى يومنا هذا، فلا يمكن بناء جمهوريات حقيقية دون برلمانات تمارس دورها في الحياة السياسية كما هو دون أن يكون الحاكم آمراً ناهياً، ودون أن يقابل الحاكم فيها بعاصفة مدوية من التصفيق سواء أكان مخطئاً أم مصيباً، وهذا كله بحاجة إلى دساتير يتم التوافق عليها، والعمل بها، لا أن يتم الاستغناء عن خدماتها فور التصويت عليها، وبهذا فإن الجمهورية العربية الوليدة ستكون بداية للعصر الجمهوري، فكل ما سبق من تجارب إنما كان تشويهاً متعمّداً لفكرتي الملكية والجمهورية في آن واحد.

أخيراً، ذكرت صحيفة الدايلي ميل البريطانية في تقرير نشرته مؤخراً أن أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري على ثقة تامة أن ابنها الأكبر، حافظ، سوف يكون وريثاً لعرش الرئاسة السورية، استكمالاً لمشوار جده وأبيه.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً