جنيف 2 وموقع ‘يسار الثورة’ في سوريا

_23عديد نصار – العرب:  فرض التقدم السريع للثورة السورية، وتوسعها لتشمل غالبية المناطق في سوريا، في أشهرها الأولى، وبرغم القمع الدموي الذي مارسته أجهزة النظام وشبيحته بحق المتظاهرين، على ما يسمى المجتمعين الدولي والإقليمي طرح مبادرات تسوية متعددة ومتلاحقة. فكانت مساع عديدة بدأتها جامعة الدول العربية عبر أمينها العام، ثم استكملها الأمين العام للأمم المتحدة، وتابع مهمته فيما بعد مساعده الأخضر الإبراهيمي. وكانت مبادرات ومؤتمرات عربية ودولية تصب في خانة إنقاذ الوضع السوري ووقف سفك الدماء.

ولكن الذي تأكد يوما بعد يوم، أن تلك المساعي والمؤتمرات والمبادرات لم تكن تهدف سوى إلى الالتفاف على الثورة السورية، ومنعها من تحقيق كامل أهدافها في إسقاط النظام الدموي، وفرض تحقيق دولة المواطنة والحرية والكرامة التي انطلقت الانتفاضة الأولى من أجلها.

وما يؤكد ذلك هو تراجع المساعي بشكل حاد بعد أن أصابت الثورة مجموعة من المثالب التي تصب في خدمة نظرية النظام الأولى: إنه يقاتل عصابات إرهابية أصولية تمثل خطرا على وحدة الوطن والمجتمع السوريين، إضافة إلى ما تمثله من مخاطر على الأمن في باقي المجتمعات. وكان ظهور جبهة النصرة وإعلان ولائها للقاعدة، ثم ظهور ما يسمى “الدولة الاسلامية في العراق والشام”، واصطباغ غالبية كتائب الجيش الحر بالصبغة الإسلامية المتشددة ما يعزز هذه النظرية، وما يبرر سكوت القوى والمنظمات الدولية على المجازر اليومية التي ارتكبها وما فتئ يرتكبها النظام وشبيحته وكتائبه المسلحة بحق الشعب السوري الأعزل في غالبية المناطق والمدن وما يمارسه من تدمير وتهجير ممنهج للمواطنين.

فرغم أنهار الدماء اليومية والحصار والتجويع للمناطق التي أصبحت خارج سيطرة قوات الأسد، فإن المجتمع الدولي لا يحرك ساكنا. وبالأخص بعد أن اطمأن إلى نزع السلاح الكيميائي الذي يعتبر المصدر الأهم للخطر على الكيان الصهيوني. فهو لا يقوم بما يتوجب عليه من دور إنساني من خلال المنظمات المعنية بهذا الأمر.

من هنا، فإن ما يقرر انعقاد مؤتمر جنيف2 ليس حاجة الشعب السوري إلى التخلص من المحرقة التي زجّه فيها النظام الدموي، وإنما ما تمليه شروط إعادة التموضع للقوى الإمبريالية العالمية المترتبة على التحولات التي فرضتها أزمة نظام رأس المال العالمي، وبالأخص التراجع الحاد للدور الأميركي ومحاولة روسيا مد نفوذها. وهذا ما تبين بوضوح بعد ظهور المفاوضات الغربية الإيرانية إلى العلن حول تخصيب اليورانيوم الإيراني. وهنا تصبح محرقة الشعب السوري لا أكثر من كرة تتقاذفها القوى الدولية والإقليمية لتحسين شروطها في التوافقات الموعودة التي يتوقع أن يكرسها مؤتمر جنيف2.

وعليه، فإن الرهان على جنيف2 في التخفيف من معاناة الشعب السوري وإرساء حالة تفتح على مستقبل سلمي ووضع سليم يتيح للشعب السوري- ولو بعد حين- انتزاع المبادرة “سلميا” لاستئناف “التغيير الديمقراطي” يتشابه بشكل أو بآخر مع الرهان الذي وضعت المعارضة المكرسة نفسها ومعها الثورة السورية، تحت رحمته منذ بداية الثورة على التدخل العسكري للغرب من أجل إسقاط نظام الأسد. إذ كلاهما يعد رهانا على الإرادة الخارجية، والدور الخارجي، عسكريا أو سياسيا.

إن ما يميز يسار الثورة في سوريا هو رهانه الدائم وثقته الكاملة بالشعب السوري وحده، وبمقدرته على إنجاز مهام الثورة، رغم كل ما أصابه ويصيبه من تنكيل وقتل وتهجير، مع أخذه (هذا اليسار) بعين الاعتبار كل تطورات وتحولات الواقع الإقليمي والدولي على كافة المستويات.

ولتكن المهمة العاجلة لجميع اليساريين العرب وفي العالم، دعم يسار الثورة في سوريا والعمل الجاد على تهديم جدران الوهم التي رفعت بين الشعوب وبين الشعب السوري وثورته، وإطلاق حملات التضامن الشعبية الواسعة للضغط على حكومات العالم والمنظمات الدولية من أجل فك الحصارعنه، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق عديدة في سوريا، ومنها مخيــم اليرموك وحمص والغوطــــة، حيث يتعرض مئات الآلاف للموت جوعا وبردا ومرضا، وقتلا بالبراميل المتفجرة التي تلقيهـــا عليهم طائرات النظام.

ولتكن المهمة العاجلة لجميع اليساريين السوريين مزيدا من العمل على تمكين الشعب السوري نفسه من استعادة ثقته بنفسه وبمقدّراته من خلال انخراطه الكامل في النشاطات الميدانية (تنسيقيات، جهود إغاثة، مظاهرات، اعتصامات وإعلاميا في الداخل وفي الخارج) كي يتمكن من الاستمرار كشعب واحد حر قدّم التضحيات العظيمة من أجل حريته ولا يزال قادرا على فعل كل ما يمكّنه من الاستحواذ عليها، بجنيف2 أو من دونه. هنا مربط الفرس. وهنا موقع اليسار من الثورة.

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً