لن ننسى ولن نخـاف؟

الياس خوريالياس خوري- القدس العربي

مذبحة «شارلي إيبدو»، ليست حدثاً عربياً عارضاً، انها تأتي كجزء من حقول القتل التي تقوم بتدمير حياة الناس في سوريا والعراق. لذا فإن تضامننا مع الصحافيين ورسامي الكاريكاتور الفرنسيين الذين قتلوا بوحشية، ليس سوى شكل من أشكال دفاعنا عن أنفسنا وعن قيم الحرية والعدالة والمساواة التي نؤمن بها. 
التضامن مع صحافيي «شارلي إيبدو»، بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع رؤيتهم للعالم، هو تضامن مع سمير قصير، المؤرخ والصحافي الذي كان أول شهداء انتفاضة اللبنانيين ضد استبداد النظام السوري، وهو تضامن مع فرج فودة وحسين مروة وحسن حمدان، وجميع المثقفين الذين سقطوا بأيدي آلة القتل العمياء، التي صنعتها الأنظمة الاستبدادية العربية، قبل أن تحولها «الأصولية الجهادية» إلى سلاح ترهيب.
التضامن إذاً ليس مجرد موقف من مأساة حصلت في باريس، بل دعوة لمواجهة هذا الموجة الهمجية ودحرها بكل ما نملك من قوة وعزم وإرادة حياة.
شرط المواجهة الأول هو امتلاك خطاب فكري متماسك يرفض السقوط في حرب الهويات، وينطلق من موقف إنسانوي يعتبر الحرية شرطا للوجود، وحق الناس في الكرامة والمساواة مسألة مبدئية لا تنازل عنها.
من هنا فإننا نرى أن هذا المنحدر الخطير الذي يهدد وجودنا وحريتنا ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج مناخ سياسي وثقافي لسياسات «حرب الحضارات» التي بدأت قي ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان، ووجدت أيديولوجيتها في المخزون الأصولي التكفيري الذي أسسته الوهابية، وانتشرت بفضل تحالف البترو دولار مع إدارات أمريكية متعاقبة استخدمت الإسلام كي تحسم الحرب الباردة، قبل أن تجعل منه عدواً مطلقاً عبر تغذيتها لفكرة «حرب الحضارات».
شكل الغزو الأمريكي للعراق منعطفا جديدا نحو تعميم فكرة حروب الثقافات والأديان. فالمحافظون الجدد الذين دفعوا بجيوشهم بهدف تدمير العراق، أسسوا لهذا الفصل الجديد من الإرهاب، محولين المشرق العربي إلى قاعدة آمنة للأصولية التكفيرية التي صارت اليوم تملك دولتها في المشرق العربي.
أما شرط المواجهة الثاني فهو قراءة سياسات «الدولة البربرية» بحسب التعبير الذي صكه ميشال سورا، وفهم دورها في تحطيم البنى الاجتماعية في المشرق العربي عبر استعباد الشعوب وطحنها بالقمع والإفقار، وتدمــــير الثقــــافة واعتقال المثقفين أو دفعهم إلى المنافي. وهذا هـــو أحد اسباب أزمة «الربيـــع العربي»، فحين انتفضت الشعوب ووُجهت بقمـــع وحشــي غير مسبوق، كما جرى في سوريا، فإنها افتقدت قيادات سياسية تستطيع أن تقود الثورة وسط بحار الدم. من هنا جاء المال النفطي والبنى الأصولية التي تأسست أولا في العراق، من أجل ملء فراغ ما كان له أن يتفاقم لو قام المجتمع الدولي بواجبه في دعم الشعب السوري.
أما شرط المواجهة الثالث فهو أن لا ينسى أحد أن شعبا كاملا يعيش في معازل تمييز عنصري صنعها الاحتلال الاسرائيلي الذي يزداد تغولا، وسط لا مبالاة العالم. اسرائيل المندفعة يمينا نحو العنصرية باتت اليوم تفرض على الفلسطينيين الاعتراف بها كدولة يهودية كشرط مسبق لمفاوضات ستقود كسابقاتها إلى لا مكان. دولة تعلن هويتها الدينية وسط تبجحها بقوتها العسكرية وسلاحها النووي، لا بد وأن تستدعي دولة دينية في مواجهتها، فلماذا يكون لليهودية دولتها ولا يكون للإسلام دولته؟
هذه الشروط الثلاثة تضيء إشكالية المواجهة، فالعنصرية لا تواجه بعنصرية مضادة، والفكر الاستئصالي لا يواجه بفكر استئصالي مقابل، حتى ولو كان هذا الفكر علمانيا. 
لا يستطيع عراق شيعي الانتصار على تنظيم «الدولة» رغم كل الدعم الإيراني والأمريكي، كما لن يستطيع خطاب إسلامي سني الانتصار على النظام الاستبدادي في سورية رغم الدعم التركي والخليجي. الطائفية لا تنتصر على الطائفية بل تقود إلى حروب لا نهاية لها. كما أن الإسلاموفوبيا والخطاب الفاشي اليميني في أوروبا لن يستطيع إيقاف الإرهاب مهما حشد من قوى، بل هو يعطي الإرهاب مسوغاته ويرفده بعناصر قوة إضافية.
مواجهة آلة القتل تبدأ حين تستطيع القوى الديموقراطية في المشرق العربي بلورة خطابها الذي يدعو إلى العدالة والمساواة ودحر الاحتلال. هنا تبدأ المعركة، التي تبحث عن حلفاء في العالم يتحررون من القوالب الكولونيالية، ويؤمنون بقيم العدالة والمساواة، ويكونون عونا لنا في هذه الحروب الوحشية التي فرضت علينا.
معركتنا ضد الاستبداد والديكتاتورية مستمرة، لن يثنينا شيوع الخطاب الداعشي وممارسات ميليشياته الوحشية، عن مطلبنا الأساسي في إسقاط الاستبداد.
وكما أن الاستبداد ليس بديلا لداعش، فإن داعش ليست سوى صورة جديدة وأكثر قدرة على الغواية من الاستبداد.
إن وضع المعركة في نصابها الحقيقي يكشف أن ساحتها الكبرى هي في بلاد العرب، وأن باريس أو غيرها من العواصم الغربية ليست سوى ساحات جانبية. غير أن شرط قدرة العالم على المساهمة في صد هذا الخطر تكمن في تبني خطاب إنساني حقيقي والاعتراف بالآخر ورفض لغة الاستشراق والإسلاموفوبيا.
السوريون الذين يموتون بردا في مخيمات اللجوء في لبنان، والسوريون الذبن يموتون تحت القصف الوحشي لآلة النظام الاستبدادي، والسوريون اللاجئون في بلادهم، يستحقون الحياة، ويستحقون ان ننظر إلى مأساتهم كي نرى فيها إشارات إلى مأساة الانسان في هذا الزمن الذي يتعولم فيه البؤس والجريمة.
عندما ركضت إلى منزل سمير قصير، بعد سماعي الانفجار الذي قتله، ورأيت صديقي ممزق الأشلاء في سيارته، لم أجد الكلمات. كلمتي الوحيدة كانت اننا لن ننسى، ولن نخاف.
وهذا ما شعرت به أمام مقتلة باريس، اليوم أيضاً لن ننسى ولن نخاف.
٭ ٭ ٭
ملاحظة صغيرة: مشهد نتنياهو وصحبه من السفاحين في مسيرة باريس التضامنية مع «شارلي إيبدو»، تطرح علامة استفهام كبرى حول معنى الحرية التي ينادي بها اعداء الحرية. أما مشاركة السفير السعودي في الوقفة التضامنية التي نظمتها مؤسسة سكايز في حديقة سمير قصير في بيروت، في الوقت الذي يُجلد فيه المدّون السعودي رائف بدوي، فإنها لا تثير سوى الغضب والأسى. هل انتهى الزمن بالحرية إلى أن تقبل في صفوفها من يحمل السوط ضد أصوات الأحرار!

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …