إبراهيم الجبين- غضب الأجيال وميثاق دمشق

إبراهيم الجبين– بناة المستقبل ع15 كانون الثاني 2015

ابراهيم-الجبين

ما زال الكبار يحكمون الشرق الأوسط، منذ أن قرّر كبارٌ آخرون تقسيمه وفق خرائط أشرف عليها سايكس وبيكو وسازانوف، ثلاثة من مخضرمي السياسة ودهاتها، لم يفكروا بمشاعر ملايين السكّان من أهالي الشرق الأوسط والعالم العربي والشعوب التي تعيش فيه، من مختلف الأجيال، سيما الشابة منها، ليولوا على أولئك الذين عدّوهم رعايا موروثين عن الإمبراطورية العثمانية، مخضرمين مثلهم، فكان رمز وقائد ثورة العرب حينها عجوز في أواخر العمر، يستقرب من خطوات آخرته أكثر مما يدنو في دنياه، فكان الشريف حسين هو رمز التحرّر العربي، وليس الشباب الذين جلسوا في دمشق وخططوا للثورة، وكان على رأسهم عبدالرحمن الشهبندر فكان ميثاق دمشق العظيم،  أو ما عرف بـ “بروتوكول دمشق”، وهي العهدة التي وضعها الشباب من قادة الجماعتين العربيتين (العربية الفتاة والعهد) وسلموها لفيصل بن الحسين، في زيارته الثانية إلى دمشق خلال مهتمه للتشاور مع المسؤولين الأتراك في استنبول في العام 1914. وتتضمن خريطة للحدود العربية التي تم الاتفاق عليها للمطالبة بالاستقلال عند التفاوض مع البريطانيين.

حدّدت تلك الوثيقة حدود الدولة العربية في خارطة ونصوص، ووضعت أسس التفاوض مع الإنكليز، وعلى أساسها بدأت المفاوضات مع السير آرثر هنري  مكماهون، الذي اختار الشريف حسين ليتفاوض معه، دون غيره، وكان عمره آنذاك سبعين عاماً، فهو من مواليد العام 1854، وكان شيطانه إلى جانبه في مكّة والحجاز، لورنس ما غيره، فجرت المفاوضات على شكل خطابات بلغ عددها عشر رسائل، خلال عشرة أشهر.

أخطر ما حصل فيها، هو مطالبة الشريف حسين بتنصيب خليفة عربي للمسلمين، بينما لم يأت بروتوكول دمشق على ذكر هذا الأمر، فكانت مطاليبه كالتالي:

” أن تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية الواقعة ضمن الحدود التي تبدأ شمالاً: بخط مرسين- أضنة، ممتدًا إلى أورفة وماردين وجزيرة ابن عمر فحدود فارس، وشرقًا: حدود إيران حتى الخليج، وجنوبًا: المحيط الهندي (ما عدا عدن)، وغربًا: البحر الأحمر والأبيض حتى مرسين، بالإضافة إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية، وعقد تحالف دفاعي بين بريطانيا والدولة العربية المستقلة، ومنح بريطانيا الأفضلية في الشؤون الاقتصادية”.

لكن مكماهون ترك، كل المطاليب، ووافق على مطلب “الخليفة العربي”، وكان يعرف ما الذي يفعله حينها، فأعطى للعجوز المفاوض، الذي بلغ من العمر عتياً ما يلبي رغبته في استرداد إرث الهاشميين في قيادة الأمّة، ليصرف نظره عن مطالب الشباب، ووعده بأن تعترف بريطانيا بالخليفة العربي حين يتم إعلان الخلافة، ولكنه ” حاول إقناع الحسين بإرجاء الكلام في مسألة الحدود المقترحة؛ بحجة أن الموضوع سابق لأوانه”.

فأرسل الشريف إلى مكماهون في منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر من العام 1915 رسالة قال فيها:” رغبة في تسهيل الاتفاق وخدمة الإسلام واجتناب كل ما من شأنه تعكير صفو المسلمين، واعتمادًا على نيات بريطانيا العظمى ومواقفها الحميدة فإننا نتنازل عن إصرارنا على ضم مرسين وأطنة إلى المملكة” إلا أنه تمسك بولايتي حلب وبيروت، غير أن مكماهون بعث إليه برسالة أصر فيها على استثناء حلب وبيروت من الدولة العربية، وحث الشريف على بذل الجهود لإعلان الثورة، فعاد الشريف حسين إلى إرسال مكاتبة أخرى إلى مكماهون يبلغه فيها استعداده للتنازل عن منطقة غرب دمشق وحلب وحمص، على أن يكون من حق العرب المطالبة بها بعد انتهاء الحرب، تجنبًا لإلحاق الضرر ببريطانيا وحليفاتها.

وجرى ما جرى، ومرت أعوام قليلة، ذهب الشاب يوسف العظمة فيها إلى حتفه واستشهاده، ليقدّم موقفاً رمزياً وفعلياً لرغبة الشباب بالتغيير والثورة من أجل الكرامة، ومضت ميسلون وأصبح شباب دمشق شيوخاً مع الزمن، حين حان وقت الاستقلال، وحكموا الأجيال بعقلية الشيوخ، وبقي الشباب بمعزل عن القدرة على التأثير، يستعملون كوقود وحطب للتظاهرات والحروب، والحملات التي يعلنها الشيوخ، لتحرير فلسطين، ولتحقيق المطالب السياسية، دون أن يكون لهم رأي يذكر، حتى التفت إليهم رجال أذكياء، عرفوا أن القيمة الفعلية للتغير لا تدركها سوى الأجيال الجديدة، فقرروا دعوتهم ليكونوا أعضاء في الأحزاب الجديدة، وكان قائد هذا التيار أكرم الحوراني، فتراكمت أعداد الشباب في الأحزاب والقوات المسلحة، ومنهم بدأ التغيير، ولكن هذه المرة باستثمار اجنبي، فتفجّرت انقلابات عسكرية هنا وهناك قادها ضباط شباب، في مصر والعراق وسوريا تالياً ضباط متحمسون للفعل، ولكنهم قادمون من المؤسسات العسكرية، وليس من مؤسسات الفكر والجامعات ومدارس السياسة وساحات القانون، فقطفوا ثمرة تراخي الكبار وتيههم وتعطشهم للحكم على حساب الغير.

وحكم الضباط وصاروا شيوخاً، وصار من معهم في الحكم كذلك، ونفي الشباب إلى المنافي ودول الشغل والبحث عن الرزق ، وطردوا إلى المهجر والمغتربات، وتركت البلاد لحكمة الشيوخ المخضرمين، حتى تعفّنت واهترأت، دون الرنو إلى الغد، حتى ورّث الشيوخ الحكم لأبنائهم ممن لم يتجرأوا على تغيير شيء، خوفاً من فقدان الحكم، فحكم الشيوخ من قبورهم بلاداً نسب المواليد فيها أعلى من كل مكان في العالم، والأجيال تتدفق يومياً إلى الحياة الشحيحة فيها.

ثم انفجرت الثورات على يد الشباب، فتلقفها الشيوخ من جديد، شيوخ في الإسلام السياسي، وشيوخ في المعارضات التقليدية، لم يعودوا يبحثون عن المستقبل بقدر ما يبحثون عن الخلاص من كل مسؤولية، وتمت تنحية الشباب جانباً، فذهبوا إلى التطرف والجهاد.

وهكذا، يستثمر غضب الأجيال، على يد الأجيال، لتضيع الأجيال.

شاهد أيضاً

طفلان وصاروخ فراغي.. ذهبت الأطراف وبقيت الأحلام

في سياسية الأرض المحروقة التي يتبعها على أرض الغوطة الشرقية، لا يميز الأسد بين صغير …