الفنان السوري على فرازت مدفع الإبداع فى وجه الظلم والفساد

 Untitled

عبدالرازق عكاشة-  بناة المستقبل ع15 كانون الثاني 2015

باريس  ـ عضو مجلس ادارة صالون الخريف الفرنسى

مما لاشك فيه أنّ الإبداع العربي سوف يظل مظلوما” .ومعادلة الإبداع  تنتحر كل يوم .فى ظل حرية مُنتهكةٌ بقسوة حكام، ومسؤولين أفرادا . حتى بعدالثورات العربية_إن صح التعبير_ وقبلها،فدائما المبدَع موجوع من قلّة حيلة النخبة،

“لا حول ولاقوة ” للمثقف فى هذة الانظمة الفاسدة . وهو يعاني  من ظلم وحرمان،و من قهرالمنافقين والمزيفين المتربعين على قمة السلطة .

الإبداع هو أمل الحالمين في رسم طريق المستقبل . هو حلم العابرين من النكسات والهزائم إلى شبه المستحيل .وهو طريق المسافرين داخل ثكنات العمر ،و مفتاح نهوض الأمم .أهمية الابداع ” انّه الثورة في عقل المتمردين .هو الصورة فى وجدان المبصرين ، الجملة القصيدة، لدى العاشقين .

فالبشر يداهمهم الموت وهم راكدون، إلا عشاق الأوطان حيث يأتيهم الموت الشهادة وهم واقفون، كما قال فلاح شاكر المؤلف العراقي فى مسرحية الجنة، لم تغلق أبوابها بعد .

فالبشرية منذ آدم وحواء لم تتوقّف عن التكاثر .وبين الآتي والراحل مليارات البشر أرشيف عامر بذكرى، أوعلامة، أوحوار . ربماكان جيدا”، وربما العكس .لكن في هذه المنظومة التناسلية الهائلة، نتساءل دائما” عن نسبة الشهداء ممن دفعوا ويدفعون ضريبة الدفاع عن الأوطان .وعن المبدعين، والفرسان الذين رسموا حدودا” من أجل الانسانية . والجواب دائما يؤكّد تدنّي النسبة في الإحصاء العام .

أوربا عرفت كيف تستفيد من النخبة القلة عبر التاريخ .وأما العرب فأطلقوا عنان التخوين والتخويف والإقصاء والتفريط بنخبهم .

 علي فرازت  واحد من القلة من النخبة

 حارب برزقه، بقلمه، برسمه، لأنه منتم لهؤلاء ،  ،لعاشقي أوطانهم . ونعلم أن لكل منا طريقته وأسلوبه في حب الوطن . حتى السارق له شعاره( يحيا الوطن) . لكن عشاق الوطن والمواطنة، أمثال فرازت… وناجي العلي،هم قلة. رواد الصرخة فى حكومات تعانى الطرش .

.قلة مثل بهجت في كتابه “جمهورية بجهاتوس” نادرون . هولاء الفرسان ، فالمتابع للثقافة العربية والعالمية منذ فترات بعيدة، يدرك خطورة دور المؤسسات في العالم العربي،منذ التسعينات،في فرم المثقف العربي بشكل رسمي وممنهج ،وتهميش دور المبدع ،أوإعلان الحرب على مصداقيته .

في أوربا يحدث العكس. ليس السبب تميّزها ، لكنه حرصا” منها على فهم صناع الإبداع وربطهم بالقيمة الإقتصادية من خلال صنع تاريخ للمبدع. دون تردد او خجل في إضافات و تلميع التجارب بتجميلها لدرجة التزييف . فى كتابي عن “جوجان” تمكنت من كشف الكثيرمن تاريخ أوربا المزيف . الفرصة كانت سانحة للتعرف عن قرب على النقاد الاوربيين والمبدعين . نصف الحكايات فى الغرب تعتمد على ذلك التأليف والتوليف . فالبحث وصناعة المبدع والترويج للإبداع هاجس يومي تربح منه الدول الكبرى .. اما عندنا فى العالم العربى، فالمبدع الصادق نسعى لطحنه حتى لاتقوم له قائمة..لانه فنان يخيف الانظمة، يرهب المؤسسات بقدرته على كشف تزويرهم وكذبهم وأساليبهم في إخضاع الشعوب .المثقف مثل علي فرازت فى الانظمة الفاسدة، سلاح مدفع فى وجوهم الجامدة وملاحمهم الخادعة.

فرازت هومن هؤلاء القلة الذي فضحوا فساد النظام ، لقد صرخ في عتمة الظلام و الصمت ، فأضاء الأمل للثوار ..على فرازت الذى اعتمد على قوة الخط، والصلابة، ووجع الضمير، والنبش فى الجرح العربى بثقافة عالية، بمشرط جرّاح ماهر، تخرج من مدرسة الحياة الموجوعة، ليكون سيفا مشهورا فى وجه الظلم. ربما سبقه ناجي العلي، صاحب الصحوة والثورة في انتفاضة القدس الاولى،في الثمانينات من القرن المنصرم . وسبقه بجهت في الصرخه بوجه “كامب ديفد” و تعرية الانظمة الفاسدة ..لكن علي فرازت كان مختلفا” لانه أستند على عدة أساسيات أولا.

Untitledالعنصر الزمنى

زمن ناجي العلي ليس زمن فرازت .وهنا ليسنا بقصد المقارنة بين الكبار . لكن كاركاتير ناجي صدر في زمن القراءة .فالكتاب و”الجرنال” كانا مصدرا” للمعلومات .. تصدر رسمة لتضرب مباشرة الضمير الفاسد… فتغلق الجريدة .لكن تطير الرسمة الى وطن آخر و يحتفظ بها الثوار فى جيوب المعطف لتظل حية ..اما زمن علي فرازت فاتصف بصعوبة المتابعة للصحف . كثر منها اللون الاصفر . نجحت السلطات بتغييب عقول المتابعين .. زمنه كان اكثر قسوة على الكاتب والفنان والمبدع الجالس القرفصاء امام الفضائيات ، رغم ذلك إقتحمنا علي فرازت، نبش ضمائرنا الغائبة، اقتحم حصون الديكاتور طبيب العين الذى لايرى ولايبصر . فرزات أفاقه من سكره وهروبه من رواية الواقع الرافض له ..موهبة فرزات اقتحمت البيوت، أرعبت الحاكم الظالم، وساهمت فى إشعال الثورة . حادثة الاعتداء على الفنان و محاولة قطع وتمزيق أصابعه هي محاولة لكسر ذراع الثقافة والامل، و لبتر الحلم، وقطع شريان النصر .هي محاولة للنيل من خط مرسوم بصلابة وقوة.. خطوط على فرازت ليست خطوط فنان كاريكاتوري فقط .

فمفهوم الكاريكاتور يختلف في وطن مثل مصر، لانه كالمسرح غالبا ارتبط بالنكتة. اما الكاريكاتور فى سوريا فقد اختلف، واتسم بنبش الذاكرة استنهاضا للامم،و استفزازا” للمشاعر، مثل مسرح سعد الله ونوس الذي اعتمد فلسلفة الكشف عن أغوار الذات المعذبة بوجع الظلم، ليتحول إلى مدفع فى وجه المعتدي والظالم والفاسد . على فرزات فنان رسام كاريكاتور سوري، ولد في حماة عام 1951.عالمي الشهرة بدفاعه عن الانسانيات ، وبعده عن رياء ونفاق السلطة .. فاز بعدد من الجوائز الدولية والعربية. نشرت رسوماته في العديد من الصحف السورية والعربية الأجنبية. أصدر في العام 2000 صحيفة خاصة “الدومري” الساخرة ..

حصل فرزات على ترخيص باصدار جريدة “الدومري” في العام 2001 ،وكان ذلك أول ترخيص يعطى لصحيفة مستقلة في سوريا منذ 1963. وقد شهدت الجريدة رواجاً كبيراً منذ بدء صدورها . طُبع منها ستين الف نسخة . لكنها  سرعان ما اصطدمت مع أهل الحكم والفساد، فى بلاد يفصلون فيها العباد على مقاسهم الخاص ..توقفت الجريدة ،  و تم سحب الترخيص في العام 2003.

أسس فرزات صالة للفن الساخر التي اتخذت من مقر جريدة الدومري موقعا لها لتكون استمرارا لفكره معتمداً على النجاح الذي حصدته الجريدة لدى الجمهور الذي نقلت همومه وعكست واقعه وكانت لسان حال البسطاء والشعب الصادق ..

وفاز علي فرزات بعدد من الجوائز الدولية .

حادثة الاعتداء على رسام الصحوة والضمير

كما ناجي العلي رسم لا لكاتم الصوت صرخة ضد الضمير العربى المثقوب ، صرخة ضد الجبن والخنوع . نزل الشارع، واجه الموت ،القاتل مجهول ..علي فرازت يخطف من سيارة، تغمض عيناه ،يسحب ويسحل وينهال عليه أربعة من الظلمة الشبيحة في الساحة العامة . هكذا يحاسب الثائر الفنان ، هكذا يدفع الضريبة ،لانه قصف بقلمه، بسلاحه اليومي ضميرهم المزيف المأجور .. كسروا يده . الإصابة حادة . ثم ألقوه على إسفلت الطريق من السيارة و سرعتها ثلاثون كلم ،قرب المطار .وهنا رسالة مهمة ,,انت الآن مصاب قرب المطار اخرج واترك الوطن للفساد، لانريد ابطالا” ثوارا” ولاضميرا” نابضا” مثل القلب المقدس ,,

الخط فى وجه الظلم

فى الحقيقة الكتابةعن فرازت طعمها وجع، لكنها مفرحة على صعيدآخر . لأنه احيا الامل فى مسار اللوحة العربية و الصدق فى الإبداع .ولأننا كنا قد فقدنا كل هذا، من رخاوة الخطوط التي لامعنى لها عن رسامي السلطة .خطوط وُظّفت لرسوم عارية بلا ضمير .

احيا الفنان المبدع على فرزات الامل فى الفن ، وفي رسوم انحازت الى البسطاء .فاسقطت “ورقة توت”كانت تستر عورة نظام يملك شهوة للقتل ،يعيش على الغش والخداع.فرزات أسقط كل الأوراق ليحفر اسمه فى الضمير الانسانى عالميا” . وهذه اكبر جائزة يحصل عليها بشر .

.بالنسبة لى اليوم، الكتابة عن فنان يُعد مثلاً أعلى هي كتابة بطعم الكرز .

شاهد أيضاً

بوتين يستدعي بشار الأسد إلى حميميم ليلتقيه هناك

  وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الاثنين الى قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، بعد …