د.أحمد برقاوي- الأغنياء والثورة

د.أحمد برقاوي – بناة المستقبل ع15 كانون الثاني 2015

بدون عنوان
يعرف الغني بأنه ذاك الذي يملك ثروة مادية  تفيض الى حد كبير  عن حاجته اليها،إذ يتوافر الغني على تراكم نقدي سواء كان أموالا أو سلعا تتحول الى نقد تسمح له بالحضور كسلطة مجتمعية  ما.
لست في صدد بحث إقتصادي حول أصل ثروة أغنيائنا وفصلها،ولا في صدد موقف طبقي من الأغنياء،كما لست في صدد القدح والذم أو المدح والتقريظ.فإن يكون هناك أغنياء الحياة فهذا من طبيعة الأمور.
بل أنا بصدد تحليل واقعة موضوعية هي واقعة الأغنياء والثورة.
الآن ، في التحليل الطبقي الكلاسيكي تقف الطبقة الغنية مع مصالحها المادية في كل زمان و مكان ، فلا تنظر للحياة الا من زاوية الربح والخسارة الماديتين.والحق إن في هذا شيئ من الصحة لكنه لا يكفي أبدا في تحديد مواقف الإغنياء من الأحداث الكبرى في الحياة.حيث تدخل عوامل أخرى كثيرة في تحديد موقفهم سأفضها تباعا.
ألأغنياء كما تعلمون هم :البرجوازييون والرأسماليون والتجار والريعيون والكومبرادوريون والطفيليو والهباشون  وتصنيفهم  له علاقة غالبا بمواقفهم المختلفة ولكن الحذر من الربط الميكانيكي بين تصنيفهم والمواقف.
فلو أخذنا مواقف الأغنياء منذ انطلاق الثورات العربية وتأملنا مواقفهم من حركة التاريخ الآ ما لذي نجد؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال علينا أن نشير  إلى ندرة الأغنياء العرب الذين يبنون علاقة مباشرة بالسياسة وبالثقافة.بل لا تعني السياسة لبعضهم إلى الترشح لمجالس الشعب فرادى والوصول إلى قبة البرلمان عبر المال من جهة وعبر العلاقة الحميمة مع السلطة من جهة ثانية.ولهذا فإن أغلب الفئات الغنية لا تعني السياسة لها إلا رغبة في الحضور عبر هيبة /النائب البرلماني/ وفي كل الأحوال فهؤلاء فئة صغيرة جدا.
والحق إن ضعف العلاقة التي يقيمها أكثر الأغنياء بالسياسة لا يعني أنهم لا شأن لهم في مجرى الأحداث ، فهم قادرون إن شاؤوا على القيام بدور مركزي في الأحداث المجتمعية ،وبخاصة في التحولات الكبرى، وطبيعة السلطة في الوطن العربي بوصفها سلطة فاسدة و مستبدة تبني جسر مصالح علنية أو خفية مع الفئات الغنية بكل أشكالها التي أشرت.
لكن عزوف أكثرها عن الثقافةوالنشاط الثقافي اللهم سوى دخول بعضها عالم الإنتاج التلفزيوني والسينمائي كنوع من عالم/ البزنس/ يحرمها من القدرة على تشكيل وعي تاريخي بالعالم المعيش،إنها في أحسن أحوالها تقوم بأعمال الخير الفردية   أو قيام الأغنياء السنة بالتزكية  عن أموالهم خوفا من الله وهم في الغالب يخافون الله بسبب خوفهم على أموالهم ،وبخاصة اغنياء المدن أو الذين انتقلوا للعيش في المدن وهم من أصول قروية.
غير إن هناك أمرا مهما يحدد علاقة الأغنياء بالحراك الإجتماعي مهما كانت طبيعته ألا وهو ميلها بعامة الى الإستقرار والهدوء والسكينة ورفض الهبات الشعبية الكبرى من ثورات وتمردات وما شابه ذلك.فالأستقرار هو الشرط الأهم للحفاظ على الثروة ،فضلا عن الأمان،وهذا الذي يفسر إيداع أغنيائنا أموالهم في بنوك دول خارجية تتسم بالإستقرار ،/بنوك أوربا وأمريكا/
أعود للسؤال عن أشكال العلاقة التي أقامها الأغنياء في بلدان الربيع  العربي بالربيع العربي.
و دون الدخول في تفاصيل الأسماء وبخاصة إننا في الغالب لا نعرف أسماءههم،نستطيع أن نصنفهم بما هو آت :
أولا : الفئات الغنية التقليدية ذات الإرث القديم وهي مدينية في الغالب تتشكل هذه الفئات من تجار السوق التقليديين ،من برجوازية صناعية ،ورجال أعمال عقارية ،و هؤلاء من حيث المبدأ يشكلون قوة مهمة في دورة الإقتصاد المحلي .
هذه الفئة وإن كانت لا تعادي النظام علنا ، غير إنها ذات مصلحة بنظام ديمقراطي رأسمالي يضمن لها حرية السوق والأمان الفردي،ذلك إن السلطة الدكتاتورية تظل سلطة خطيرة ، وهي قادرة،في غياب االعقل المؤسساتي والقانون على الإعتداء والنهب.إنها تكن عداءا دفينا للنظام ،وبخاصة إنها مجبرة ،في شروط السلطة الأمنية الفاسدة ،على القيام برشوتها ،والمرور بقوانينها ، و بالرغم من أنها تنطلق عموما من إن الغاية تبرر الوسيلة غير إنها ترى في وسيلة إرضاء السلطة ورشوتها وسيلة مكلفة.هذا النمط من الفئات فئات متأففة لكنها ليست ثورية. وتنظر الى الثورة من زاوية المردود النهائي على نشاطها الإقتصادي.فلا تدخل المعركة مع النظام ولا تختار أن تكون جزءا من المعارضة .وغالبا ما هي مطمئنة إلى بقاء جزء من رأسمالها المالي سليما ، لانه قابع في بنوك أمينة.سرعان ما سيعيد إنتاجه في حال الإستقرار.
ثانيا:الأغنياء الرأسماليون العابرون للأوطان ، وهؤلاء جزء قليل لكنه مؤثر بسبب ابتعادهم المكاني عن مراكز الأحداث ، على العكس من الفئة الأولى التي يرتبط تراكم رأسمالها  بالسوق المحلي.وقدرتهم على اتخاذ مواقف ولو شفاهية دون الإحساس بالخطر.وموقف هؤلاء في الغالب ناتج عن مواقف أيديولوجية وليس عن مواقف مصلحية صرفة. ولأنها تقيم خارج أوطانها ،فإنها قادرة على تقديم الدعم المالي لحركات سياسية أو عسكرية بناء على خياراتها الأيديولوجية. و الملاحظ إن هذه الفئة تسهم في تمويل المؤتمرات ، وتقديم المساعدات للداخل ، وسواها من أعمال.
فهؤلاء تأخذهم حمية مناطقية أو وطنية ، فضلا عن تحقيق شهوة الحضور. غير إنها لا تشكل قوة طبقية فاعلة،إذ تظل علاقاتها خارجية الطبيعة لا تتعدى/التبرع/.وإذا أخذنا بعين الإعتبارثراءها المادي المتجدد كرأسمالية ما فوق وطنية المترافق مع فقرها الثقافي والسياسي والروحي أدركنا محدودية نشاطها وأثر مواقفها الضئيل.
وحضورها المافوق محلي لا يعني أبدا أن عينها ليست على مستقبل السوق المحلية ،لكن السوق المحلية ليست هي الدافع الأساسي لنشاطها.
ثالثا: الأغنياء  الذين ارتبطوا بالأصل بعلاقات عمل ومصالح متبادلة  وتم  تراكم رأسمالهم عبر نشاطهم المرتبط بالإمتيازات التي وفرتها لهم السلطة ،والإحتكار الذي منحته السلطة لهم بل والشراكة المباشرة مع رجالات السلطة،وعبر النهب الذي تحول إلى رأسمال مستقل أعيد إنتاجه عبر توظيفه في قطاع الخدمات ،إن هؤلاء جمعهم يشكلون جزء لا يتجزأ من قوة السلطة، وليس باستطاعتهم ،لو أرادوا ،أن يقلبوا ظهر المجن لها.
بل وجد هؤلاء أنفسهم خزانا ماديا لمساعدة السلطة و تمويل مهامها القذرة.
أغنياء المناقصات،والعقود الفاسدة مع مؤسسات السلطة،وبخاصة مؤسسة الجيش ،هؤلاء مرتبط مصيرهم بمصير السلط التي أنتجتهم،لذلك تراهم أشد المدافعين عن السلط قولا وفعلا،وهذه الكائنات بسبب فقدانها لأية قوة أخلاقية ، ولأي شعور وطني ، فضلا عن فقرها الثقافي المطلق وشعورها الدائم بالخوف على وجودها فإنها تتحول الى قوة مساهمة بل وفاعلة في مأساة الأوطان حتى وصول الأمر بها الى المساهمة في الإبادة الجماعية.
رابعا: هناك فئة قلية جدا جدا ،توافرت على وعي تاريخي و ثقافي تعلن بهذه الصورة أو تلك انحيازها للثورات ، وللربيع العربي ،بوصفه موقفا  أخلاقيا ليس إلا.
والحق إن الأغنياء من الصنف الأول ،وهم الأقوى ،ولو قد وقفوا منذ بداية الربيع العربي موقفا حازما معه لأمدوه بقوة لسهلوا علية السير نحو الإنتصار،لكن الرأسمال ،معبود وجبان.

شاهد أيضاً

اسعد حيدر: إلى اللقاء في جنيف -٩

  اسعد حيدر: المستقبل انتهى العام ٢٠١٧ او يكاد ، وما زالت سوريا الجريحة، آسيرة …