حاجة الثورة السورية إلى الإدارة

_17غازي دحمان- العرب: رحل عام 2013، العام الثالث من عمر الثورة السورية وقد حمل في طياته ذكرى أكبر المآسي التي حلت بالشعب السوري في تاريخه المعاصر، فقد تشبعت لحظاته بعذابات السوريين المكثفة وموتهم بمختلف الأشكال والطرق، إضافة إلى ما حل بالوطن السوري من دمار وخسارة.

الواقع أن سوريا لن تقدر على تحمل استمرار هذا النمط التدميري إلى أفق غير محدد، فذلك سيعني انتهاء الوطن السوري عمراناً وسكاناً، ذلك أن معدلات النزوح والخراب التي سجلتها أيام 2013 كانت أكثر من صادمة واستمرارها بذات المعدلات السابقة يعني أننا سنتكلم عن واقع مختلف غير ذلك الذي يرتجيه السوريون ويرغبون فيه.

لاشك أن تغيير هذا الواقع لن يجري بشكل أوتوماتيكي، كما أن لا نذر في الأفق تشي بإمكانية أن يحصل ذلك عبر مساعدة خارجية، فوقائع العام الفائت أثبتت بشكل قاطع انسحاب المجتمع الدولي من الأزمة السورية وتركها لأقدارها ومصائرها، مع ملاحظة أن جزءا من تلك البيئة الدولية يقف في الجبهة المقابلة للثورة بهدف إسقاطها وإعادة تسويق بشار الأسد بوصفه رأس الحربة في مواجهة قوى التطرف، وهو ما تفعله كل من روسيا وإيران وتسكت عنه الولايات المتحدة الأميركية.

يرتب هذا الأمر جهوداً مضاعفة على عقل الثورة وإدارتها ويفرض عليها تطوير أدواتها في إدارة المعركة، بما يقلل الخسائر إلى حدودها الدنيا ويرفع منسوب الإنجازات بدرجة تجعل إمكانية النصر قريبة وممكنة، فقد انتهى الوقت الذي كان يتم فيه الاعتماد على زخم الحراك المدني بأدواته وطرقه المختلفة لإسقاط النظام، بعد أن جرى تدمير البيئة الحاضنة للثورة وتشتيتها بل وتحويلها إلى واحدة من المشاكل الكبرى التي تواجهها الثورة، وبعد أن عمد النظام وحلفاؤه إلى اختراق تشكيلات الثورة والمعارضة عموماً ببعض القوى الغريبة عن الثورة وأهدافها وقيمها.

المطلوب اليوم من عقل الثورة التوجه إلى التعاطي مع المشهد الثوري بإدارة علمية ابتكارية تختلف عن نمط الإدارة السابق، والذي ارتكز على حالة الانسيابية الثورية دون أي تدخل في التفاصيل الكثيرة للحدث والتي ساهمت في إخراجه بصورة وطريقة لم تكن نتائجها جيدة في أحيان كثيرة، كما لم يجر استثمار أي من إيجابيات تلك الحالة لصالح تلميع صورة الثورة لدى الرأي العام العالمي الذي ثبت أنه أبدى حالة من الاستنكاف تجاه مأساة السوريين.

لا تشكو الثورة من قلة المقاتلين على الأرض، لديها فائض من الشباب السوري الطامح للحرية والباحث عن الأمل في مستقبل أفضل، كل هؤلاء يعتقدون أن الثورة عتبتهم إلى سوريا الجديدة، ولا يرون طريقاً آخر للخلاص من نظام استبدادي ظلامي وإقصائي إلا بانتصار الثورة، وثبت أنهم مخلصون لثورتهم، تبقى حاجتهم فقط لإدارة سليمة تحقق لهم ما يضحون في سبيله، وهذا الأمر يتطلب من عقل الثورة بلورة كل الموارد الموجودة في ساحتها، والاستفادة من كامل طاقتها التشغيلية عبر إتباع طرق حديثة في الإدارة تعتمد:

* وجود أنظمة إنذار وتحليل مبكرة تستفيد منها الثورة في توقع التطورات التي قد تحصل في الميدانين العسكري والسياسي، وهذا يتطلب وجود عملية رصد منهجية لاستباق الأخطار والتحديات التي من شأنها التأثير على الثورة، والتي تستدعي عمليات معالجة مبكرة على الصعد العسكرية والدبلوماسية.

* وجود نظام يقدم المعلومات أولا بأول إلى أصحاب القرارات ولمساعدة المسؤولين الثوريين وصُنّاع القرار على التصدي للأخطار وصياغة استراتيجيات لاستبقاها، مع ما يتطلبه ذلك من إعداد وتحضير بما يتضمنه ذلك من تحليل للأوضاع القائمة والمحتملة استناداً إلى إمكانية استمرارها وتطورها وتأثيرها تاليا على حركية الثورة.

* تأسيس مجلس خبراء متعدد الاختصاصات مهمته بناء تقديرات واضحة وتقديم الاقتراحات السياسية وصياغة الخيارات والبدائل السياسية وتصنيفها وتوضيح الفرص والمخاطر التي تنطوي عليها، بشكل علمي.

* إعادة صياغة الهيكلية الدبلوماسية والإعلامية للثورة وفق منهجية وتقنيات جديدة بعد أن ثبتت حالة اللا جدوى من الأساليب القديمة التي ارتكزت على مظلومية الشعب السوري دون دمجها بهموم وهواجس الرأي العام العالمي.

عملياً لا تحتاج الآلية المقترحة إلى جهود وموارد يصعب الوصول إليها، ذلك أن الثورة تنطوي على طاقات هائلة علمية وخبيرة ومدربة، كما يمكن الاستفادة من وسائل الاتصال الاجتماعي التي يتقن أنصار الثورة التعامل بها، فقط تحتاج المسألة تنظيم هذه الإمكانيات في إطار خطة شاملة واعية بمتطلبات المرحلة وظروفها.

الأمر يحتاج إلى وقت، نعم، ولكن هل ثمة بدائل أفضل وأسرع لإنهاء مأساة شعبنا؟ انتهى أوان الأحلام بتحقيق انتصار سريع وحاسم، وصار المطلوب العمل على صناعة آليات الانتصار الإستراتيجي. الانتصار الذي يمكن من خلاله وقف نزيف خسائر السوريين واجتثاث الورم الذي يهدد مصيرهم والمتمثل في نظام بشار الأسد.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً