في تحليل العقل الاستبدادي تكوُّن ذهنية الجماعة التسلطية د. أحمد برقاوي

برقاوي

إعلم أن السلطة ظاهرة تاريخية قائمة على أساس وجود جماعة تمثل قوة إكراه، سواء كانت قوة الإكراه إيجابية من حيث حفاظها على الوجود الإجتماعي و الحق أو كانت قوة إكراه سلبية من حيث حمل الناس على ما لا يطيقون، السلطة – بوصفها عقداً – إجتماعياً قوة إكراه ضرورية، السلطة بوصفها إضطهاد الآخر قوة إكراه مدمرة.

لن أتحدث الآن عن كل ماله علاقة بالسلطة كسلطة الأفكار وسلطة العقل وسلطة الحب وسلطة الجمال، بل أتحدث عن السلطة بوصفها ظاهرة إجتماعية – سياسية عندما تأخذ شكل التسلط، السلطة – تسلطاً – تحول السلطة إلى أداة نفي للحق وإحتكار الحق والقوة والعنف، إن جماعة تحتكر الحق والقوة وتنفيه عن الأكثرية جماعة تسلطية بالمطلق،ومع الأيام تتحول سياسية التسلط لدى الجماعة إلى ذهنية تسلطية , عقلية تسلطية تدميرية بإمتياز،الجماعة التسلطية قد تكون طبقة أو طائفة أو حزب أو فئة تتمتع بعصبية على أساس نوع الجماعة المتسلطة، وهذه العصبية المؤسسة للتسلط تزيف تسلطها بخطاب أيديولوحي .

إذاً الجماعة التسلطية مكونة من فئة – أقلية – ومن عصبية , ومن خطاب وكل هذا يكوّن الذهنية التسلطية وتحتكر – لكي تمارس التسلسط – القوة والحق، ويعتبر التسلط السياسي النموذج الأمثلي للتسلط وهذا ما يعرف بالجماعة التسلطية الحاكمة , ويجب أن نؤكد أن الجماعة التسلطية – أي جماعة تسلطية – هي جماعة تمثل أقلية بالضرورة , إذ لا يمكن للأكثرية أن يكون لها جماعة تسلطية تمثلها،وبالتالي فإن كل جماعة تسلطية تمارس تسلطها على الأكثرية.

ففي الوطن العربي أكثر جماعات الحكم هي جماعات تسلطية يقف على رأسها المتسلط الأوحد و الأكبر وغالباً ما يمثل ذروة الغباء العبقري، فلنقم الآن بتطبيق ما قلنا على بعض أنماط الجماعات التسلطية السياسية – جماعات الحكم في الوطن العربي – وكيف تكونت الذهنية التسلطية منذ إستلام السطلة حتى قيام الثورات.

الجماعات التسلطية متشابهة بالعام ومختلفة بالخاص , فالجماعة التسلطية المصرية مثلاً تنتمي إلى الأكثرية من حيث الإنتماء الديني . وكذا الجماعة التسلطية التونسية . إذا ليس هناك عصبية دينية تجمع الجماعة، تكونت الجماعة التسلطية في مصر حول شخصية الرئيس الذي ينتمي بالأصل إلى المؤسسة العسكرية،وأحاط نفسه بجهاز أمني وعسكري وحزبي وأيديولوجي . حيث أعلنت قيادات المؤسسة العسكرية ولاءها للسلطة محافظة على إمتيازاتها.

وأحاطت المؤسسة الأمنية الرئيس بالحماية , وقدم الحزب الوطني الوجه المدني للجماعة التسلطية بسيطرته على السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية عبر تزييف الإنتخابات التشريعية  وتحطيم النزاهة للسلطة التنفيذية وكذا الحال في تونس، ولقد منح الحاكم المطلق للدائرة المحطية به فضلات سلطة تسمح لها بالإثراء وممارسة الفساد، وعلى إمتداد ثلاثة عقود تكونت لدى الحاكم المطلق وأسرته الضيقة و الدائرة المحيطة وبعض جماعات الولاء له ذهنية إمتلاك الدولة بوصفها إمتداداً لذهنية إمتلاك السلطة.

حالات ذهنية الجماعة التسلطية

صحيح إن هذه الجماعة التسلطية محدودة وأقلية ولكنها جماعة مفتوحة وليست مغلقة حيث يمكنها إستيعاب أفراداً جدد . ولهذا فالعصبية هنا هي عصبية أجهزة السلطة الفاعلة في بقاء السلطة، وليست عصبية الحزب الوطني الغطاء غير الفاعل إلّا في حدود ضيقة . بل إن الفاعلين في الحزب الوطني هم الفاعلون أنفسهم في بقاء السلطة . فيما الجمهور المنتسب له هامشي ولا يشكل عصبية.

تحددت ذهنية الجماعة التسلطية في تونس ومصر في الحالات الآتية:

1- التسلسل الهرمي الذي يبدأ من الحاكم الأول المطلق ثم يتسع للجماعة الأقرب الأسرة : الزوجة والأولاد, ثم يتسع بفضلات قوة أقل لجماعة أوسع أمن عسكر وزراء مدراء محافظون.

هذه الجماعة في تسلسلها تمنح كل درجة من درجات الهرم سلطة مطلقة في حدود ممارستها للتسلط، بإستثناء المتسلط الأول الذي لا حدود لسلطته المطلقة وبالتالي لتسلطه .

بل إن الأولاد والزوجة والأقارب في تونس ومصر شاركوا الأب درجة التسلط و حدوده.

2- ذهنية إستباحة الحق إلى درجة إستباحة القوانين نفسها التي تشرعها بوصفها قوانين دولة هذه الجماعة . وهذا هو الذي يفسر تراكم الثروة المسروقة لدى الجماعة التسلطية .

3- الخوف ، أجل إن ذهنية المتسلط والجماعة المتسلطة قائمة على الخوف من الآخر – المجتمع بوصفه أكثرية يخيف إذا ما تحول إلى فاعل تجاوز وتغيير.

ولهذا فإن الذهنية المتسلطة الخائفة تعمل بكل ما أوتيت من عنف على إخافة الأكثرية . وهذا أيضاً هو الذي يفسر ممارسة أعلى درجات القمع .

4- موت الضمير الإجتماعي بما ينطوي عليه من حياء إنساني . وذلك أن التسلطية وهي تمارس أبشع أنواع السلوك اللاأخلاقي , تدرك عداء الأكثرية لها و الإحتقار . ولهذا تموت بالنسبة إليها منظومة القيم المتعارف عليها .

5- فقدان الهوية الوطنية , والتقوقع داخل هوية السلطة فقط . ويترتب على ذلك أن السلطة التسلطية تفقد الكرامة الوطنية ولا يعود للوطن مكان في وعيها أبداً .

هذه الصفات العامة للذهنية التسلطية والتي تكونت تدريجياً يختلف حضورها في الجماعة التسلطية بسبب الظروف التاريخية و الإجتماعية والثافية .

ففي اليمن مثلاً نشأت الجماعة التسلطية بعد عملية إمتلاك السطلة عبر الإغتيال السياسي . ثم تحول المتسلط إلى مركز تحيط به القبيلة أو فخذ من أفخاذ القبيلة وبالتالي وزع المتسلط اليمني فضلات السلطة على أقاربه ومنحهم مراكز أدوات القمع . الأمن , الجيش , الحرس الجمهوري .

غير أن ذهنية ابن القبيلة و التوزع القبيلي وتنوعه و أخلاق المجتمع القبلي لا تسمح له بممارسة العنف بالدرجة نفسها التي مارستها فيها الجماعة التسلطية في سورية .

عصبية النظام اليمني هنا عصبية قبلية – عائلية على خلاف العصبية التونسية و المصرية حيث العصبية متكونة من المتحلقين حول الرئيس وأسرته . ولهذا كان أسهل على الشعب المصري التخلص من الذي حوله مجموعة من الموالين المرتزقة . فيما النموذج اليمني للعصبية أقوى لأنه يقوم على رابطة الدم .

سوريا وذهنية التسلط

فيما النموذج السوري للعصبية التسلطية و الذهنية الحاكمة مختلف عن العصبية التسلطية اليمنية و المصرية والتونسية، حيث تكونت الجماعة التسلطية بالتدريج منذ 1963 لتصل في عام 1970 عصبية قوامها الطائفية التي بدورها تطورت في فترة طويلة من الزمن لتخلق ذهنية الطائفة التسلطية .

إن عصبية النظام السوري التعصبية التسلطية أعقد من العصبية التسلطية اليمانية . صحيح أن الحاكم هناك وهنا ( اليمن وسورية ) قد أحاط نفسه بالأولاد والأقارب و الأنسباء لكن وراء هؤلاء تكونت أدوات القمع الطائفية وأفراد من الطوائف الأخرى لا يمثلون طوائفهم .

وهنا كمنت الخطورة فالعصبية الطائفية أقوى وأمتن , هذا من جهة , أما من جهة أخرى فإنها لمّا كانت عصبية طائفية تشكل أقلية فإن درجة الخوف لديها أكبر . ولأن درجة الخوف لديها أكثر إزدادت إيغالاً أكثر بطبع مؤسستي الأمن و الجيش بطابع طائفي أولاً و ممارسة إخافة الناس إلى الحد اللامعقول ثانياً .

ولأول مرة في سورية تكونت ذهنية طائفة حاكمة . وهذا الذي يفسر إختلاف مسارات الثورات في كلٍ من مصر وتونس و اليمن عن مسار الثورة السورية، فلقد إنتصرت الثورتان التونسية والمصرية بزمن قياسي قصير لأن العصبية التسلطية و الذهنية التسلطية أيضاً لم تتخذا طابع طابعاً قبيلياً أو طائفياً . فكانت أضعف بما لا يقاس من العصبية التسلطية في اليمن حيث العصبية القبلية و المؤسسة العسكرية المستولى عليها من قبل الأسرة الأضيق،فيما العصبية التسلطية في سورية وقد أخذت طابعاً طائفياً وتكونت ذهنية الطائفة الحاكمة وإمتلاك أدوات القمع فإن حجم العنف إرتبط بحجم خوف الطائفة ككل . وهو عنف لا مثيل له في تاريخ البشرية،ذلك أن الجماعة التسليطة هنا طال بها زمن التسلط إلى حد أن الذهنية التسليطة الطائفية صارت ترى المجتمع عدواً لها ظائفياً , فالجماعة التسلطية لا تملك فضلات قوة من الحاكم الأول المطلق كما في تونس ومصر بل تملك القوة نفسها , والفضلات تعطى لمجموعة سيّارة حول عصبية النظام غير موثوق بها أصلاً، واللافت للنظر أن الأحزاب الأربعة التي من شأنها أن تشكل عصبيات أيديولوجية وتنظيمية : الوطني و الدستوري و المؤتمر , البعث , لم تشكل قوى فاعلة في الدفاع عن الجماعة التسلطية،ولهذا فأنا أعتقد أن من الخطأ منع هذه الأحزاب من النشاط . لأن الأكثرية المنتسبة إليها لم تكن فاعلة في الجماعة التسلطية،بل واجهة مدنية لتجميل صورة الجماعة التسلطية.

ولعمري إن تحطيم الجماعات التسلطية بعصبياتها المتعددة و تحرير المجتمع من هذا الوسخ التاريخي واحدة من أعظم إنجازات الثورات العربية .

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً