جنيف – 2.. وسوريا التي عرفناها

_5خير الله خير الله- العرب: كان تطرّق السيد وليد المعلّم، الذي ألقى كلمة النظام السوري في مؤتمر جنيف – 2 المنعقد في مونترو إلى الشرعية من أطرف ما شهدته الجلسة الافتتاحية للمؤتمر. ليس معروفا بعد عن أية شرعية يتحدّث وزير الخارجية في نظام لم يمتلك في يوم من الأيّام شرعيّة ما، باستثناء سياسة الابتزاز والقتل…اللهمّ إلاّ إذا استثنينا شرعية الانقلاب العسكري الذي أتى إلى السلطة بطائفة من الأقليّات ثم بعائلة من العائلات تحكم البلد، مع توابعها، عن طريق الأجهزة الأمنية. هذه الأجهزة التي لا تعترف سوى بشرعية واحدة تقوم على إلغاء الآخر.
هل يمكن للقتل أن يوصل نظاما ما إلى الحصول على شرعية؟ الأكيد أن الدمشقي السنّي الذي اسمه وليد المعلّم يعرف ذلك، ولكن ليس أمامه من خيار آخر غير تلاوة الخطاب الذي أُعدّ له والذي يشير إلى أن النظام يرفض أخذ العلم بما يدور على الأرض السورية.
لا يريد رأس النظام السوري أخذ العلم أوّلا بأن ما على المحكّ مستقبل البلد كلّه وأنّ الكيان السوري صار في مهبّ الريح.
ولكن ما العمل مع نظام قام أصلا على فكرة أن طائفة معيّنة يجب أن تحكم البلد وأن تتحكّم بمستقبله وثرواته وأنّ البديل من ذلك زوال سوريا عن خريطة الشرق الأوسط وتحوّلها إلى بلد مفتت؟
لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن تفسير ذلك الإصرار على نفي وجود ثورة سورية؟ يستغرب النظام كيف يمكن للسوريين الثورة على نظام قهرهم طوال نصف قرن بشتى الوسائل، نظام يتباهى بما فعله بمدينة حماة في العام 1982؟ ما نشاهده في سوريا اليوم أقرب إلى مشهد سوريالي من أيّ شيء آخر. هناك نظام يشجّع الجماعات الدينية المتطرفة من “التكفيريين” على القتل ويلجأ في الوقت ذاته إلى اتهام شعبه بأنّه “إرهابي”. هناك نظام يستورد مقاتلين من خارج، خصوصا من العراق وإيران ولبنان من منطلق طائفي ومذهبي بحت، ثم يشكو من “الوهابية” التي يبدو من الواضح أنّه لا يعرف عنها شيئا.
في مونترو، لم يكن لدى النظام السوري سوى خطاب واحد. كلّ كلمة في هذا الخطاب كانت كاذبة. لم تكن هناك كلمة واحدة على علاقة من قريب أو بعيد بالحقيقة. الحقيقة تقول شيئا آخر. أوّل ما تقوله هذه الحقيقة إن هناك نظاما انتهى. هذا النظام يريد أن تنتهي سوريا معه. الأهمّ من ذلك كله أن هذا النظام يعتقد أنّ في استطاعته الحصول على شرعية عن طريق ربط نفسه بإيران التي صار تابعا لها بالكامل ومعتمدا عليها اعتمادا كاملا منذ خرج عسكريا وأمنيا من لبنان إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط- فبراير 2005.
تاجر النظام السوري بكلّ شيء. تاجر بالفلسطينيين والقضية الفلسطينية. باع الفلسطينيين وقضيّتهم بالجملة والمفرّق. تاجر بلبنان واللبنانيين. تاجر بالمسيحيين أحيانا وبالمسلمين في أحيان أخرى. لكنّه كان في كلّ وقت من الأوقات نظاما طائفيا مذهبيا يسعى إلى تحالفات جديدة عن طريق حلف الأقلّيات معتمدا في البداية على الشعارات العروبية ثمّ على حلفه مع إيران منذ بدأت طهران تستثمر في المذهبية وتعتمدها سياسة على المستوى الإقليمي.
تاجر بالبعث العراقي وغباء صدّام حسين. استغلّ هذا الغباء إلى أبعد حدود. عرف خصوصا كيف يلعب دور “العاقل” القادر في كلّ وقت على الحدّ من تهوّر صدّام. نجح، فيما كان يدعم الإرهاب بكلّ أشكاله، في أن يسوّق نفسه بصفة كونه عنصر توازن في المنطقة!
لم يستطع هذا النظام أن يقدّم في يوم شيئا للسوريين باستثناء تمزيق النسيج الاجتماعي وإفقار المواطن وتجهيله وتدريبه على “التشبيح” وتهجير كلّ من له علاقة بالعلم والحضارة. أين أطباء سوريا؟ أين رجال الأعمال الناجحون فيها؟ أين المهندسون والعلماء؟ أين رجال المصارف؟ أين كبار شركات التعهدات؟ كل هؤلاء في الخارج. لم يعد لهؤلاء مكان في سوريا التي صارت المدن العشوائية فيها جزءا لا يتجزّأ من المدن الكبرى.
انعقد جنيف -2 في مونترو من أجل تطبيق جنيف-1، أي من أجل التوصّل إلى حكومة انتقالية تمتلك كلّ الصلاحيات التنفيذية تتولى شؤون البلاد طوال مرحلة. استبعدت إيران عن المؤتمر لأنّها ترفض الحكومة الانتقالية التي تعني أوّل ما تعني ذهاب الأسد الابن إلى بيته أو إلى مكان آخر.
هناك رغبة إيرانية في الاحتفاظ بسوريا إلى ما لا نهاية. وهناك رغبة لدى النظام السوري في استغلال هذه الرغبة إلى أبعد حدود. وهذا ما يفسّر التحريض اليومي للنظام السوري على المملكة العربية السعودية آملا بأن يصل الأمر إلى صدام سعودي- إيراني كبير، يرتدي طابعا سنّيا- شيعيا، ينقل التركيز في المنطقة إلى مكان آخر. أقلّ ما يمكن أن توصف به هذه السياسة بأنها سياسة قصيرة النظر من جهة وتنّم عن مقدار كبير من الجهل من جهة أخرى. إنها بمثابة تغطية لاستراتيجية يعتمدها بشّار الأسد تقوم على فكرة في غاية البساطة. تقول هذه الفكرة أن زوال النظام سيعني زوال سوريا. لا يوجد تفسير آخر لما يقوم به النظام السوري الساعي إلى اختراع شرعية لنفسه. إنّه يرى في ربط مصير البلد بمصيره الطريق الأقصر إلى تحقيق هدفه.
لا شكّ أن الدعم الإيراني يشكّل قوة لنظام يذبح شعبه يوميا. لا شكّ أيضا أن الدعم الروسي يشكّل عاملا آخر يلعب دوره في إقناع بشّار الأسد بأن البراميل المتفجّرة التي يلقي بها على المدنيين ستؤمّن له شرعية.
نسي رئيس النظام السوري أمرا واحدا، يتمثّل ما نساه في أنّ الشرعية الوحيدة التي يمتلكها والتي جعلت الحرب السورية تطول وتطول مرتبطة عمليا في رغبة الأميركيين والإسرائيليين في الانتهاء من الكيان السوري. هذا كلّ ما في الأمر. من يحتاج إلى دليل على ذلك يستطيع العودة قليلا إلى الخلف.
كان مجرّد التهديد بضربة أميركية كافيا كي يتخلّى النظام عن كلّ السلاح الكيميائي الذي في حوزته. هذا نظام يدّعي الشرعية، لكنّه لا يفهم إلاّ لغة القوّة. متى تحضر هذه اللغة يبطل كلّ كلام عن شرعية. ولكن هل هناك من يريد المحافظة على وحدة التراب السوري بعد كلّ ما حصل في العراق؟
لم يعد السؤال، مع انعقاد جنيف- 2، هل سقط النظام السوري أم لا؟ سقط النظام وشبع سقوطا. السؤال هل تبقى سوريا التي عرفناها، أي هل يبقى الكيان السوري وليد سايكس- بيكو وصنيعته؟

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً