بناة المستقبل في مخيم أطمة للاّجئين السوريين المخيم ضميرٌ غيّبته الصراعات ومأساة لا تنتهي الحدود السورية التركية ـ مفيدة عنكير

اطمة

يخيل إليك للوهلة الأولى، وأنت تدخل المخيم،  أنك داخل إلى أحد مخيمات اللجوء الفلسطينية، فأول ما يلفت نظرك ، منظر الأطفال وهم يجتمعون حولك لينتظروا منك أن تتصدق عليهم بقطعة نقدية أو كرتونة إغاثية وهذا مصطلح اعتادوا أن يروه ثم سرعان ما  انقطع عنهم وأقول مصطلح فقط لأنه صار نوعاً  من الروتين الذي لا يقابله أي حس إنساني لأنه أصبح مادة تصويرية ليرى من يرى أن الدعم قد وصل .. بالمقابل أيضا فالناس هناك لم يعد همهم سوى قطعة ثياب ورغيف خبز ليس أكثر فما عادت الثورة تعني لهم شيئا أكثر من شتات منظم….

ضمير غيبته المصالح الشخصية .. والصراعات الدولية . ضمير غاب عنه أن هناك ما يقارب الـ 30 ألف نازح افترشوا الأرض  مستترين بأكياس لا تكاد تمنع عنهم أقل ما يمكن من حر الصيف وبرد الشتاء، منظمات وهيئات رفعت أيديها عالياً لتقول أطمة في أعيننا  أطمة أمانة في أعناقنا، ولكنهم لم يعوا حجم هذه الأمانة، أمانة أن يكون لديك طفل ينتظر المياه ساعات لـتأتيه علبة مياه لا تكاد تسد الرمق، أين منظمات حقوق الإنسان من عيني طفل بائس حرم تعليمه واسمرّت يداه وتغير لون وجهه الأشقر إلى البرونزي البائس ؟ أين هيئات العالم من امرأة لم تعد تخرج من خيمتها إلا لتنظيفها ؟ فقد باتت الخيمة مطبخاً ومنامة وحماماً ومكان لاستقبال الضيوف النازحين من خيمة فاجأها أحدهم بزيارة ، أين الأمم المتحدة من أناس بات كلامهم همساً خشية أن تسمعهم الخيمة المجاورة الملتصقة بها كالتصاق الجرح بالجلد فلم يعد يحق لأحدهم أن يجهر بصوته ولو لينادي زوجته باسمها الذي كاد أن ينساه.

في أطمة فقط ترى الحياة والموت مجتمعَين ..  ترى الوجوه المسروقة ابتسامتها لأنها اطالت الشرود في وضع بات الكلام فيه كالهواء المتنفس يوميا .ترى الحياة حين تشاهد خيمة لبيع الملابس وتنورا لصناعة الخبز وحلاقا رجاليا ومطعما للفلافل ..وترى الموت في قمامة اجتمعت أمام الخيام وباتت ملعبا لكل ما يخطر في بالك من حشرات، ترى الحياة في ضحكات الاطفال والموت في شحوب لونهم، ترى الناس يحدقون بك ولكنهم ليسوا معك. فهذا يفكر في بسطة للبنزين علّها تعينه في يومه وذاك يفكر في تلك المدرسة التي أعلن عنها علها تقبله للتدريس فيها ظناً منه أنها مأجورة , وذلك يقول ما الذي أوصلني إلى هنا فجحيم بلدي أهون علي مما أعانيه من ذل.

هو اسم أطلقه عليه كل من دخله وذلك لعدم توفر القلة القليلة من مقومات الحياة من كهرباء ومواد غذائية ومواد طبية فلكل هذا العدد لايوجد إلا نقطة طبية لايصل إليها المريض إلا بآخر رمق فلا مواصلات في مخيم ذي مساحات واسعة متعرجة وعداً عن ذلك سوء التنظيم والعشوائية في الانتشار للخيم، لماذا أطمة؟ هذا المكان الضيق بنفسه …أطمة مأوى من لا مأوى له فعندما امتنعت المخيمات التركية عن استقبال النازحين والحدود عن ادخال من لا جواز لديه والدنيا عن من لا مال معه كان مخيم أطمة .. وكانت المأساة.

يضحكك وجود شعارات المنظمات والهيئات الطنانة والرنانة، ويبكيك اضطرار الناس هناك لتصديق أنهم قد يقلبون لهم المخيم لفندق ذي الخمسة نجوم وهذا فعلا ما أخبرني به أحدهم عن المخيم قبل أن أراه لدرجة أني قلت في نفسي أهذا مخيم أم منتجع سياحي .. لكن عند دخوله تبين لي حجم إجرام الأسد بحق هؤلاء وحجم السرقات التي قد تقلب مخيما لمنتجع فعلاً، إجرام بحق الشيوخ الواقفين بين الحياة والموت والنساء المنتظرات على مفترق حياة وأطفال يقفون على أبواب مستقبل يبدو أنهم سيكون مفعماً بالشقاء، شقاء تراه على ثياب أتعبها الغبار تارة والطين تارة أخرى شقاء في كلمات جديدة تدخل قاموسهم سمعوها لأول مرة في المخيم لكنهم استلذوا طعمها مع انعدام الرقابة عليهم فلا معلم يوبخهم ولا أبوان يعرفان ما الذي يحدث خارج خيمة ضاقت حتى بأولادهم.

 

الحياة في ضحكات الاطفال

أطمة مخيم الموت

أطمة … انتظار صباحي لـ خمس حبات زيتون وعلبة حليب ورغيف.

أطمة…. وقوف على صهريج ماء قد لا يأتيك قبل الوصول إليه دورٌ لتحمل وعاءك وتعود من حيث أتيت.

أطمة .. ضعاف نفوس سرقوا إخوتهم ليجعلوا منهم  جزءاً آخر من البؤس.

أطمة .. اختصار لكل مايحدث في وطن ضاق بأهله وغيبه الحاقدون والطغاة .

أطمة ..أنا وأنت أن لم نكن يداً واحدة  لنمنع القهر من أن يكون قد أدمن الحياة مع أهلها.

شاهد أيضاً

مفيدة عنكير: السومة والخطيب يحسمان الجدل.. منتخب النظام يوسّع الفجوة بين السوريين

  مفيدة عنكير – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م ارتفعت نبرة المشادّات خلال …

اترك تعليقاً