يقتلون المسلمين قبل غيرهم!

0

تنزيل (1)ميشيل كيلو ـ العربي الجديد: ليس صحيحاً أن التكفيريين يدافعون عن المسلمين، ويمتنعون عن قتلهم. الصحيح أنهم يقتلون “أهل السنّة والجماعة” قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم. تقول الخبرة السورية إن التكفيريين قتلوا عشرات، وربما مئات المسلمين، مقابل كل قتيل ينتمي إلى ما يسمونها “الأقليات”. يرجع السبب إلى مفارقةٍ غريبةٍ، هي أن غير المسلم، وبالأخص “الذمي”، ينجو بروحه عندما يخبر التكفيريين بأنه “مشرك مستجير”. عندئذ، لا يقتله هؤلاء، لاعتقادهم أن قتله قبل دعوته إلى الإٍسلام حرام. في المقابل، يعتبر المسلم الذي لا يشارك التكفيريين قناعاتهم الفقهية، أو الاجتهادية، مرتداً عن الدين، قتله واجب ديني، يقربهم إلى الله، ويعجّل في دخولهم الجنة يوم الحساب الأخير!
هذه الآلية في التفكير تجعل قتل المسلم مرجحاً لدى التكفيريين، مقارنةً مع غيره من أتباع الأديان الأخرى. هذه الآلية تقصر الدين الحنيف على مدرسةٍ فقهيةٍ واحدةٍ هي مدرستهم التي ترفض مبدأ الاجتهاد القائم على الرأي، وتتمسك بحرفية النص مصدراً وحيداً للإيمان، مع ما يعنيه ذلك من تجاهلٍ تام لواقع الحال التاريخي الذي يجب أن يبقى خاضعاً في نظرهم للنص، لأنه يضمر، في طياته ومعانيه، كل ما يمكن أن يشهده الواقع من تبدّل وتغيُّر. ومَن يقول بغير ذلك يعزو الجهل إلى الله، المُحدِث لكل ما يجري ويمكن أن يجري، والعالِم به قبل أن يحدث، لأنه هو الذي أحدثه، بعدما جعل حدوثه ممكناً بإرادته، من دون أن يكون للبشر أي دور فيه.

يساوي التكفيريون الإسلام باجتهادهم الخاص، فلا يبقى ثمّة مسلمون غير الذين هم في صفّهم الخاص، أما جمهرة المسلمين الكبيرة، فتعود إلى الجاهلية، أي إلى الكفر. لذلك، يصير على المسلمين، أي على جماعتهم، مقاتلتهم وقتلهم كمرتدين عن الدين، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، إن هم رفضوا العودة إلى دين الله: إلى صفوفهم.
هناك، إذن، دافع أيديولوجي يستند إلى ما يظن هؤلاء أن الدين يبيح لهم قتل بقية المسلمين. وهناك دافع عملي، يتعلق بموقف أغلبية المسلمين الساحقة منهم، فإنْ رفضوهم كانوا كفرةً يرفضون “مهاجرين” إلى الله، وإن قبلوهم وقعوا تحت اختبار شاق، هو خضوعهم لرقابة آنية تكشف عن قلوبهم، وتشق عن صدورهم. وفي الحالتين، تسود العلاقة بين “التنظيم” وبقية الناس حال من الشك والتوجّس، تقوده يومياً إلى ارتكاب جرائم قتلٍ، ضحيتها خلق يموتون بأفظع الطرق وحشية.
ليست مشكلة هؤلاء مع غير المسلمين في خطورة مشكلتهم مع أتباع الدين الحنيف، الذين إنْ خالفوهم في العقيدة والاجتهاد اعتبروا كَفَرة وفي جاهلية، وإن وافقوهم الرأي وجدوا أنفسهم خارج أي سياق إسلامي، وبالتالي إنساني، وتورطوا في أعمال قتل وجرائم تخالف تعاليم دينهم، جاء الإسلام لإنقاذ البشر منها. لا عجب أن هذا الوضع، السائد اليوم في مدينة الرقة السورية، أثار قدراً من القلق لدى المسلمين، يفوق في شدته أي قلق انتابهم بعد دخولهم الإسلام، وأنهم يعانون عذاباتٍ لا سابقة لها، تبزّ في خطورتها ما سبق لهم أن عاشوه في عهود الظلم والاحتلال الأجنبي والتطاحن الخارجي والاقتتال المحلي والحكم الأسدي. بينما يقرر جماعة “داعش” تفاصيل حياتهم، ويتدخلون في أخص شؤونهم، ويعاقبون أي انزياحٍ، مهما كان طفيفاً عما يفرضونه من سلوك ومواقف بالموت الفوري، الذي غالباً ما يكون جماعياً.
قبل احتلال الرقة، كان الوعد بعدالة الإسلام يخفف وطأة الخوف من وحشية مَن يدّعون احتكاره. وعندما جاءت “داعش”، تبيّن أن أتباعها يقتلون المسلمين باسم دينٍ لا يعرفون شيئاً عنه، يمارسون عكس ما يأمر به وينهى عنه. من المعلوم أنه ساد مكة قبل الفتح جوّ من الخوف، وضع حداً له دخول المسلمين السلمي إليها، وكان برداً وسلاماً على قلوب سكانها ونفوسهم. بالمقارنة مع ذلك، ساد الرقة جو من الارتياح، بعد خروج النظام منها، إلا أنه حل محله خوف مزلزل بعد دخول مَن كان منتظراً أن يبعث الأمن والطمأنينة في نفوس مواطنيها، لو أنه اقتدى بالرسول (ص)، ولم يكن خارجاً عن أي دين، أو معتقد، كجماعة “داعش”.
يفتك هؤلاء المجرمون، الذين حولوا ديناً نزل رحمة للعالمين إلى أيديولوجية هوجاء للتسلّط، تسوّغ قتل المسلمين قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم. ويرى “التنظيم” في المسلمين أعداء طبيعيين له، لمجرد أنهم كتلة بشرية مؤمنة، يجب كسر إرادتها بحرفها عن صحيح دينها، وإلا فشل مشروعه المناهض لكل ما تؤمن به، وتعيش عليه من أوامر ونواهٍ إلهية.
هناك معركة بين القَتَلة باسم الإسلام والمسلمين، ترتسم علاماتها اليوم في أفقٍ مشحونٍ بمعارك سيتوقف عليها مصير المنطقة، وربما العالم. إذا خسرها المسلمون خسروا دينهم ودنياهم وقتلوا بالملايين، وعجزوا عن استعادة دورهم الوسطي في الإسلام، بصفتهم “خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”.

Leave A Reply