من حمزة الخطيب إلى محمد أبو خضير

349برهان غليون ـ العربي الجديد: الفيديو الذي نشرته وسائل الإعلام عن طريقة تعامل عناصر المستوطنين والجيش الإسرائيلي مع الناشطين الفلسطينيين، وتتويجها بقضية محمد أبو خضير الذي أحرق حيا، لبثّ الرعب في صفوف الفلسطينيين، لمتابعة مشروع استكمال استيطان الضفة الغربية، لا يمكن إلا أن يستدعي إلى ذهن الإنسان صوراً وحقائق كثيرة معروفة:

١- التطابق الملفت بين الطريقة التي عرضتها مئات الفيديوهات التي تظهر عشرات من ميليشيات الأسد تركل بأبواطها هذا الفتى أو ذاك، ساعات طويلة، وربما حتى الموت، مع تشويه الجثامين وحرقها، والطريقة التي عامل بها الجنود الإسرائيليون الفتى الفلسطيني، وفي الحالتين، على سبيل الانتقام والردع وإعطاء المثل للآخرين، وتأكيد قوة التصميم، وانعدام أي مساومة أو حوار.

٢- لا ندري من تعلم من الآخر، جماعات الأسد وشبيحته، أم جيش إسرائيل والمستوطنين. لكن، ليس هناك شك في أنهم تعلموا جميعا في مدرسة واحدة، وينتمون إلى مذهب واحد: العنف والتنكيل والإذلال لانتزاع الخضوع والخنوع والإذعان.

٣- المشترك بين هؤلاء أنهم ينظرون إلى السكان الذين يتحكمون بهم، على سبيل الحكم وتأبيد السلطة، أو على سبيل الاحتلال، أعداءً نهائيين، لا يمكن كسبهم، أو الدخول إلى قلوبهم أو عقولهم بأي وسيلة، ولا التفاهم معهم بأي شكل. وليس هناك من وسيلةٍ للعيش معهم، إلا بالحكم عليهم بالإعدام السياسي، مع كل ما يستدعيه من استعدادٍ للذهاب بعيداً في العنف، والاستهانة بالحياة البشرية نفسها، وليس فقط بالحقوق السياسية أو المدنية. ولا شيء يمنع، إذا اقتضى الأمر، الانتقال من الإعدام السياسي إلى الإعدام الجسدي والمادي، والحكم على شعبٍ كامل بالزوال والرحيل والتسفير.

٤- العنصرية التي تنزع صفة الإنسانية عن الخصم، أو ما يتحول، بسبب وجوده وحده، إلى عدو، وتحل، بالتالي، استباحة دمه، شرط لا غنى عنه، لاستباحة حياة البشر بالجملة، وعدم التردد في خوض حروب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. ومن وراء ذلك، ضمان مشاريع الاستيطان والاستعمار.

٥- الفوضى والاستهتار بمعاني الحق والقانون اللذين يكمنان وراء المحرقة التي يعيشها الإنسان، في سورية والعراق، وربما في المشرق بأكمله، أقول لهما حدث مؤسس أول: العنف الخالص الذي ولدت فيه ومنه دولة إسرائيل، من دون حوار ولا نقاش ولا تسويات ولا سؤال، والاستيطان الذي أصبح هدف الدولة الجديدة، ومبرر وجود إسرائيل ومصدر شرعيتها ومحور حياتها الجمعية وسياساتها، بما يعنيه من اقتلاع للناس وانتزاع الأرض، والذي ما كان له أن يستمر، من دون التضحية بكل مفاهيم الحق والعدالة والكرامة البشرية، وفي مقدمها الحق في الحياة وبالسلامة البدنية والنفسية والاستهانة بالحقوق الخاصة والممتلكات.

٦- لكن، ما كان لهذا الحدث أن يكون مؤسساً لنظم العنف الراهنة، السياسية والإقليمية، وأن يستمر تأثيرة إلى اليوم. وبالتالي، جعل هدر الحقوق أمراً طبيعيا ومقبولاً ومبرراً، لو لم يصادق عليه الغرب، وهو المرجعية في قضايا حقوق الإنسان في العصر الحديث، ويبرره ويرفض معالجة آثاره، ما عنى تخلي المجتمع الدولي في هذه المنطقة من العالم عن كل مبادئه وقيمه وشعاراته.

٧- لا يغير في معنى ما حصل إذا كان الدافع إلى هذه الاستقالة الأخلاقية والسياسية للغرب الشعور بتأنيب الضمير عن الفترة العنصرية واللاسامية، أو تعويضا عن السياسات اللاسامية، أو بسبب العنصرية الجديدة النامية تجاه العرب وثقافتهم ودينهم. النتيجة واحدة: القضاء على أي أمل ببناء صرح للحق والقانون والعدالة والتفاهم، ومن باب أولى، للديمقراطية والإنسانية، في هذه المنطقة المنكوبة.

٨- لن تتوقف تداعيات خيانة معنى الحق والقانون على المشرق والهلال الخصيب الداخل في محرقة، بسبب ارتباطه المباشر بمصير نظام العنف الأول. وما لم تعالج آثار هذا العنف الذي أصبح متعدد المصادر والفاعلين، ويُصار إلى إعادة تأهيل سريعة لمفاهيم الحق والعدالة والقانون، وفرض احترام حق الحياة والكرامة، ستنتقل العدوى إلى مناطق أخرى من العالم، وسيتطور الاستهتار بالحق والقانون، بموازاة تدهور فكرة الدولة، وصعود العصبيات القبلية والطائفية أو إحيائها.

٨-عنف الاستيطان الذي قوض معنى الحق، وأسس للانتهاك الشامل لحقوق الإنسان، أو الذي عطل أي إمكانيةٍ لتوطين هذه الحقوق في الدول المشرقية الحديثة، لم يؤسس فقط لشرعنة الاغتصاب من كل الأنواع، اغتصاب الأرض والكرامة والإنسان، من دون عقاب، وإنما سمح لجميع النظم السياسية المكروهة من شعوبها إلى التمثل به والتكيف معه، قبل أن تتمثل قيمه، وتتبنى وسائل عمله ومذاهبه المعروفة في استخدام العنف المجنون والحرب الوقائية والانتقام.

من حمزة الخطيب إلى محمد أبو خضير، رسالة واحدة، مصير واحد، وعنف واحد.

 

شاهد أيضاً

غازي دحمان: تقسيم سورية خطة بديلة دائمة

غازي دحمان – الحياة أن تعلن روسيا، التي باتت تملك اليد العليا في سورية، أنها …

اترك تعليقاً