متلازمة الفقر والتطرف في سوريا (1)

0 1

جابر بكر- مجلة بناة المستقبل ع9/حزيران 2014

متلازمة الفقر

حلب: 14 قرية نسبة الفقر فيها 100% و639 فقرها بين 25% و99%

ـ قد يعتقد البعض أن “خالد القليعاني” هو اسم أحد مقاتلي أو انتحاري تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”. في الواقع هو اسم مختلق. خالد طفل سوري صغير لا يعرف عمره. كان يعيش وأهله على جمع النفايات بالقرب من مكب نفايات دمشق وريفها.

ـ كيف لأهل هذه القرية التابعة لمنطقة السفيرة في حلب والتي يشكل الفقراء فيها بحسب إحصائيات الأمم المتحدة السالفة الذكر حوالي 97% والأميون يشكلون 62% بحسب ذات الاحصائية، كيف لهم أن يجدوا سبيل عيش بديل غير الزراعة؟

“لا تعطى الهوية مرة وإلى الأبد، فهي تتشكل وتتحول على طول الوجود” أمين معلوف.

تطرح هذه المقولة أسئلة عن كيف ولماذا تتحول الهوية؟ ماهي العوامل الفاعلة في هذا التحول؟ كيف يصبح الانسان المسالم ذو الهوية المدنية مقاتلاً متطرفاً أو طائفياً؟ وكيف يتحول مجتمع مدني إلى مجتمع ديني متطرف؟ والتطرف هنا يشمل التطرف الطائفي أيضاً.

ههنا محاولة بسيطة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال رسم خارطة للتحولات الاجتماعية التي عصفت بالساحة السورية وربطها بمؤشرات الفقر والبطالة والأمية الحقيقية والتي تنشر للمرة الأولى. الارقام التي ستنشر هنا من إعداد مؤسسات الأمم المتحدة في سوريا بالتعاون مع مؤسسات الدولة السورية وتم الانتهاء منها في العام 2010. لم تنشر سابقا بسبب تحفظ النظام السياسي السوري عليها. وتحتوي هذه الاحصائيات على مؤشرات كثيرة ولكن سنعتمد هنا المؤشرات الثلاث السالفة الذكر لكونها تعد أساسا في التحولات الاجتماعية والفردية على حد سواء.

“خالد القليعاني”

قد يعتقد البعض أن “خالد القليعاني” هو اسم أحد مقاتلي أو انتحاري تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”. في الواقع هو اسم مختلق. خالد طفل سوري صغير لا يعرف عمره. كان يعيش وأهله على جمع النفايات بالقرب من مكب نفايات دمشق وريفها. أما “القليعاني” فهي من “قليعة” اسم قريته الحلبية التي هجرها وذويه بعد استملاك مشروع الحزام الأحضر لمزارعهم. فلجأ سكان “قليعة” البالغ تعدادهم حوالي 2600 نسمة إلى نقب مكب نفايات العاصمة. نقب نفايات العاصمة كان سبيل عيشهم في العام 2010 وربما حتى اليوم.

كيف لأهل هذه القرية التابعة لمنطقة السفيرة في حلب والتي يشكل الفقراء فيها بحسب إحصائيات الأمم المتحدة السالفة الذكر حوالي 97% والأميون يشكلون 62% بحسب ذات الاحصائية، كيف لهم أن يجدوا سبيل عيش بديل غير الزراعة؟ أو الأعمال البسيطة والسهلة. لجأوا يومها بحسب ما أخبرونا إلى العاصمة بعيدا عن عيون معارفهم ليعشوا من جمع البلاستك والمعدن وبيعه لتجار تقريباً يستعبدوهم من خلال التحكم بأوقات السماح لهم بالدخول إلى المكب ومن خلال التحكم بالأسعار. قرية سحقت وهجرها أهلها دون أن يلتف لها أحد.

امتنعت الكثير من العيون عن رؤيتهم ورصد واقعهم كغيرهم من مخيمات الفقر. خيامهم صنعت من لافتات مرشحي مجالس المدن ومجلس الشعب ولافتات فناني الليل ويافطات الدعاية للراقصات ومغنيات الملاهي الليلية وستروا حمامهم بعلم البلاد. ما تركهم يعيشون مفارقة الطبقات على أشدها. وجعل ما سبق حياتهم مبنية على الأمل الكاذب الذي يزرعه كل من سبق ذكرهم ليصلوا إلى حيث يريدون.

بعيداً عن راقصات الشعب ونوابه يقبع سوريون فقراء على ضفاف مكب نفايات دمشق وريفها في ظروف يفوق احتمالها. يتقبلون أسوء أشكال الحياة. حزنهم يفيض من جنبات الوجوه. وبراءة أطفالهم ملوثة بأكياس البلاستك والأحذية البالية. وأمراض لا يعلم بها أحد. انعدام كامل لكل صفات الحياة الكريمة وظروفها. حيث يخترق المطر هدوء خيامهم وسكون ليلهم. ويغمر الذباب صحون طعامهم وخزانات مياههم المتواضعة. أما زائرهم الدائم أي دخان النفايات المحترقة بالقرب منهم فحدث ولا حرج.

سنوات موت أربع

سنتتبع مصير خالد الذي كان يبلغ من العمر حوالي 10 سنوات. اليوم جاوز 14 عاماً. أي في قمة العطاء كطفل مؤهل لحمل السلاح. إما مع قوات الشبيحة الطائفية أو مع الجماعات المتطرفة. وحال خالد كحال الكثيرين من أهله. إذا ما أقفرت الأرض أزهرت السماء. فبنظرة على خريطة الفقر المبسطة في حلب وريفها نجد أن هذه المحافظة التي تشتمل على 1407 نقاط سكنية، موزعين على ثمانية مناطق هي اعزاز، والسفيرة، وجبل سمعان، والباب، ومنبج، وعفرين، وعين العرب، وجرابلس. كانت معدة للانفجار بأي وقت ودون وجود عامل موضوعي هو الثورة بل وكانت معدة للذهاب إلى الخيارات المتطرفة إذا ما نظرنا إلى واقعها التعليمي والاقتصادي وبالذات مناطق الريف المهملة والبعيدة عن كل أشكال العناية الحكومية. 1407 نقاط سكنية فيها 14 نقطة سكنية تصل نسبة الفقر فيها إلى 100%، و639 نقطة سكنية يتراوح الفقر فيها بين 25% إلى 99%، وبعضها غير مصنف على خارطة الفقر لأسباب تقنية، بحسب الدراسة.

خريطة الفقر في محافظة حلب حسب النقاط السكنية
المنطقة عدد النقاط السكنية معدل الفقر من 0 إلى 25% معدل الفقر من 25 إلى 99% 100%
الباب 174 103 71 0
منبج 299 129 166 4
اعزاز 125 52 63 0
السفيرة 99 52 46 1
جبل سمعان 220 135 78 7
عفرين 232 137 93 2
جرابلس 61 30 31 0
عين العرب 197 106 91 0
المجموع 1407 744 639 14

من الواضح أن سنوات النمو الاقتصادي ومحاولات الانفتاح بعد تسلم بشار الاسد السلطة عن أبيه في العام 2000 لم تجدي نفعاً. وربما كانت السلطة السياسية بحاجة لهذا الخزان البشري الفقير والأمي المعد لحمل السلاح مقابل تعويضات مالية أو انسياقا مع نمو حالات التطرف الديني أو الطائفي. وهذه الجداول إذ تبين كذب أرقام المكتب المركزي للإحصاء وحتى فشل الدراسات الخاصة والمستقلة في رصد واقع المجتمع الاقتصادي حيث قال تقرير “الأزمة السورية الجذور والآثار الاقتصادية والاجتماعية” الصادر عن المركز السوري لبحوث السياسات بأن الفقر الشديد في سوريا هو عموما أدنى من المتوقع بالمقارنة مع الدول الأخرى في المستوى ذاته من دخل الفرد، فقد بلغ معدل الفقر في سوريا والمستند إلى خط الفقر الوطني الأدنى 12% للعام 2007، أي أعلى مما هو عليه في تونس والمغرب والأردن، غير أن معدل الفقر كان الأدنى بين الدول العربية.

وبحسب مؤشر السعرات الحرارية المعتمد على مسح دخل ونفقات الأسرة يرتفع معدل الفقر في سوريا إلى 18.2% من سكان سوريا يقعون تحت خط الفقر هذا، ولم تتمكن معدلات النمو التي تحققت منذ العام 2001 إلى عام 2010 والتي وصلت بحسب ذات المصدر إلى 4.45% من رفع معدل دخل الفرد الذي وقف عند حدود 2.0% فقط، فنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي كان لايزال منخفضاً نسبياً ولم يحقق تقارب مع مستوى الدول النامية الناجحة. وهذا مؤشر بأن ما تبقى من الطبقة الوسطى كانت تسحق خلال السنوات العشر تلك.

“داعش حلب”

بعد هذه الأرقام لم يعد مستغرباً نمو “داعش” وقبلها “التشيع” في الأوساط الريفية الفقيرة في حلب. فمن المنطقي أن يبحث الفرد عن حياة كريمة. أما اليوم وبعد انفجار الثورة السورية في أذار 2011 والتحاق حلب بركب الثورة من خلال أبناء الريف المهمل ذاته. تبين أن البنية الدينية كانت شديدة السطوة على واقع التحرك العسكري في حلب. ما سهل تثبيت أرجل “داعش” في أرياف السنة المحافظة والفقيرة أصلاً. وأعطى قوة للشيعة بالتمركز في قرى النبل والزهراء ذات الطابع الطائفي الواضح. والجميع استند إلى احتياجات الجيوب المهترئة. جيوب فقرها يبرر كل قادم ويلبسه لبوس القناعة. وهذا يفسر اندماج حتى  المهربين وقطاع الطرق في الجماعات الإسلامية المتطرفة. وعودة الشيعة إلى إماميتهم واندماجهم في حرب أقنعوا أنفسهم بأنها دينية. فهل هذا الواقع سيشكل الهوية السورية ويحيلها دينية طائفية متطرفة؟ أم هو أثر عارض مارق؟ .

(Visited 1 times, 1 visits today)

Leave A Reply