دعوة لمؤتمر وطني في سوريا

0

رياض نعسان آغا- مجلة بناة المستقبل ع9/حزيران 2014

دعوة لمؤتمر

بعد الفشل الذي انتهى إليه مؤتمر جنيف، توقفت المبادرات السياسية، وبدأ السوريون يشعرون بالإهمال الدولي المزري لقضيتهم، وقد صار ملفها كرة تتقاذفها أيدي وأرجل الرعاة، ولم تسفر لقاءات قيادة الائتلاف المعارض لعدد من كبار المسؤولين في العالم عن أي نتائج إيجابية تدفع باتجاه البحث الجاد عن حلول تنهي مأساة السوريين.

ويبدو أن الثورة السورية العفوية التي تعاطف معها العالم بدءاً من منتصف مارس 2011 قد انتهت أو أنها تعيش اليوم في غرفة إنعاش عبر بقايا أوكسجين من المشاعر الوطنية الصافية عند شباب عزل، باتوا حيارى لا يدرون كيف سرقت ثورتهم وكيف باتوا غرباء عنها حتى في المناطق التي يقال إنها تحررت ولكن سيطر على كثير منها الغرباء والمتطرفون.

وبوسعي أن أقول إن الثوار السلميين الذين خرجوا بالملايين وملؤوا ساحات الوطن بهتافاتهم التي ردد الكون صداها، وواجهوا الرصاص بصدور عارية قبل أن تتجه الثورة إلى مرحلة الدفاع والمواجهة العسكرية، هؤلاء قتل عشرات الآلاف منهم، واعتقل عشرات الآلاف، وفُقد كثير ممن انقطعت أخبارهم، وهرب كثير منهم خوفاً من الاعتقال، وتشردوا في بقاع الأرض، ولم يبق في الساحة إلا عدد قليل من أولئك الأبرياء الأنقياء الذين وجدوا أنفسهم يتحولون من متظاهرين سلميين إلى مقاتلين وأكثرهم لم يحمل سلاحاً قبل ذلك.

وأما عناصر الجيش الحر الذين انشقوا ورفضوا المشاركة في قتل أبنائهم وإخوتهم وذويهم وفي قصف مدنهم وقراهم، فقد فشلوا في تأسيس كيان موحد، وباتوا مزقاً، يلهو بهم الداعمون الدوليون حيناً، ويساندهم الأصدقاء عبر دعم هزيل.

والموظفون المنشقون الهاربون من الجحيم وجدوا أنفسهم يواجهون جحيماً أشد قسوة، وكثير منهم وقعوا بين نارين، فالنظام يعتبرهم خونة لأنهم تخلوا عنه وانحازوا إلى شعبهم، والمعارضة تعتبرهم عملاء لنظام أمضوا حياتهم عاملين فيه، وهذا ما دعا إلى توقف الانشقاقات.

وأما المعارضة السياسية فهي فصيل مختلف عن الثورة لأن خلفياتها الإيديولوجية تختلف في رؤيتها عن رؤى الثوار البسطاء الذين لم تتجاوز مطالبهم ما نادوا به من شعارات باتت معروفة جداً، ولكنهم وجدوا أنفسهم محتاجين لمن يمثلهم أمام المجتمع الدولي، وكان على المعارضين التقليديين أن يمارسوا هذا الدور، ولكنهم لم يتمكنوا من ارتداء لبوس الثورة وأخلاقها، فقادوا سياساتهم بأساليب التحزبات والتكتلات والولاءات، وكانت صراعاتهم على مواقع صغيرة قد أضرت بسمعتهم أمام الشعب وأمام القيادات الدولية التي لعبت على أوتار صراعاتهم واشتياق بعضهم لمنصب أو موقع أو مال يشترى به الولاءات.

لقد سقط كثير من وجوه المعارضة السياسية في فخاخ دهاليز التحالفات وبعضهم وجد نفسه مضطراً لحماية دولة أو جهة استخباراتية، أو مصدقاً لوعود خلّبية، وهذا لا ينفي وجود كثرة من الشرفاء الذين باتوا يحوقلون، لا يملكون قراراً، ولا يستطيعون تخلياً عن المسؤولية، وبعضهم لا يجرؤ أن يعلن رؤيته لحل سياسي خوفاً من اتهامه بالعمالة أو الخيانة أو التقرب من النظام.

وقد وجد النظام نفسه غير مضطر لتقديم أي تنازلات حين تمكن من تحويل مسارات الثورة إلى تجمعات إرهابية حيث تمكنت قوى دينية متطرفة من السيطرة على مواقع نفوذ مهمة في المناطق الساخنة وبدأت تمارس سياسات تبدو مفتعلة بتطبيق فاقع ومريع ومنحرف للشريعة بات موضع سخرية مع الأسى الفاجع لما آل إليه حال من طلبوا الحرية ليجدوا أنماطاً من الظلم والتعسف لا تخطر على بال، مثل قطع الرؤوس أو جلد من يخالف حكماً شرعياً مختلفاً حوله حتى في الشريعة نفسها.

وكانت دهشة الشعب السوري مثيرة حين وجد النظام يهادن هذه التنظيمات المتطرفة ويعقد معها اتفاقيات (مثل اتفاقية النفط مثلاً) وهو الذي اعتبر المتظاهرين وحتى السياسيين ممن كانوا في حكومته واعترضوا على الحل الأمني «إرهابيين»، وهذا ما زاد الريبة بكون النظام يفيد من وجود هذا البديل الافتراضي الذي يرفضه الشعب السوري والعالم كله.

وما زال الغموض يسيطر على حجم مشاركة «داعش» في تطورات الوضع في العراق، وبات متوقعاً أن يفيد النظام السوري بقوة من التوجه العالمي لمكافحة الإرهاب فيستعيد تأهيل دوره تحت هذه الذريعة.

وقد صمت العالم ومعه كثير من السوريين على التمثيلية الهزلية في الانتخابات الرئاسية وقد باتت موضع تندر في التنافس الرئاسي المضحك، وتم تبرير الصمت بكون غياب الأسد سيجعل الساحات كلها مفتوحة لمزيد من الفوضى والحرب الأهلية، بينما يشكل بقاؤه حالة انضباط لجيشه ومؤيديه، ويبقي الدولة السورية قائمة بوضعها الحالي! وقد تم فهم ذلك على أنه انتصار كبير للنظام على خصومه، مع أن الوقائع لم تتغير، والقصف ما زال مستمراً، وكان بوسع الأسد أن يفيد من هذا الصمت بإحداث تغييرات جذرية في رئاسته الجديدة بدل الاستمرار في سياسة القمع الدموية. وقد يقال إنه أصدر مرسوماً للعفو، ولكن مادة في المرسوم تقضي بأن يسلم المحكومون والمتهمون أنفسهم للأجهزة الأمنية قضت على المرسوم وفرغته من أي مضمون.

إن الحاجة ماسة اليوم إلى عقد مؤتمر وطني شامل يطلق مبادرة الممكن الذي يخترق الصمت الدولي الواجم والمتقلب، ويطلق مبادرات سورية محضة، وهذا يحتاج إلى استعداد كل من النظام والمعارضة لتقديم تنازلات تحقق تسوية تفتح الطريق أمام حل سياسي شامل وعادل. وإذا كان النظام يعتقد أنه استقر وبات مرتاحاً لفراغ سوريا من خمسة ملايين سوري من خصومه صاروا لاجئين في بقاع العالم، ومرتاحاً من خمسة ملايين آخرين في الداخل صاروا مهمشين أو محاصرين، وأنه بات قادراً على الحسم العسكري بفضل ما يلقى من دعم «حزب الله» وإيران وروسيا ومن دعم أميركي خفي، فإن هذا الارتياح سيبقى رهن وجود مئات الحواجز وآلاف الجنود و«الشبيحة» الذين ينبغي أن يبقوا في الشوارع حاملين أسلحتهم مستعدين لقتل أي مواطن يشكون بولائه. ولا يمكن أن تبني دولة أمنها واستقرارها على حالة التأهب الدائم لقتال مواطنيها.

وعلى الجهة الثانية، أقصد المعارضة السياسية عليها أن تفكر في حلول لملايين المشردين الذين ينتظرون حلاً من السماء، ومن المتوقع أن يتراجع الدعم الإغاثي الدولي، وأن تنسحب مجموعة أصدقاء سوريا من مواقفها التي ورطت كثيراً من السوريين بأحلام ووعود، ولابد من الاعتراف بأن الحسم العسكري بات محالاً على الجبهتين، وأن العناد والغرور والاستبداد ستجعل الجرح السوري مفتوحاً على مزيد من النزيف لعقود قادمة.

Leave A Reply