أدوات الجريمة الاسدية

0

غسان المفلح – مجلة بناة المستقبل ع9/حزيران 2014

ادوات الجريمة

منذ انطلاق الثورة السورية في 18 آذار2011 من حوران، والشعب السوري يصنع اساطيره من الصمود، في وجه هذه الجريمة الدولية. إضافة إلى السلطة الاسدية الغاشمة، لا يمكننا فهم ما جرى ويجري دون المرور على مواقف ثلاث دول لعبت دورا رئيسيا في ارتكاب الجريمة، وجعلتها دولية ومبررة، لكنها لاتزال تحتاج لتفسير. كثرت التفسيرات بالطبع، لكنها تفسيرات اكثريتها تحاول تجميل وجه الجناة. عبر استخدام نفس الادوات التي استخدمها هؤلاء الجناة. هذه هي الدول هي إيران وروسيا والولايات المتحدة الامريكية. مع حفظ الفارق بين مواقف الاطراف الثلاث، وخصوصية كل موقف على حدا. الموقف الامريكي يعبر عن كتلة معقدة من المصالح، ومركب غربي إسرائيلي. عزاؤنا أننا كنا نشير منذ اللحظة الاولى للثورة لهذا المركب الدولي بكل اطرافه. كان واضحا للذي يريد ان يرى من قوى المعارضة السورية ونخبها، ومن قبل المراقبين المهتمين بالشأن السوري. لم يكن هنالك كثير من الالتباسات والشكوك في فهم الموقفين الايراني والروسي، لكن الالتباس الاعمق والخطير كان في فهم الموقف الامريكي. كان واضحا ان إيران ستحاول بكل ما تملك من اوراق كي لايسقط النظام. الروس موقفهم مرتبط بعاملين لاثالث لهما: الأول هو المال ثمنا لسلاح. الثاني ابتزاز أمريكا والتقرب من إسرائيل. كلنا يذكر زيارة بوتين لاسرائيل بعد انطلاق الثورة باكثر من عام وكان واضحا أن الجريمة قائمة على قدم وساق بحق شعبنا من قبل الجيش الاسدي وملحقاته من شبيحة واراهابيي إيران ومرتزقتها، حيث استقبلت إسرائيل في الخامس والعشرين من حزيران / يونيو 2012 بحفاوة بالغة رئيس روسيا فلاديمير بوتين. وقد رافق بوتين في زيارته هذه التي استغرقت 24 ساعة وفدٌ روسيّ رفيع المستوى تجاوز عدد أفراده 350 شخصا، وشمل الكثير من كبار المسؤولين ورجال الأعمال الروس. حيث كان بوتين يدرك طبيعة الموقف الاسرائيلي المتحمور حول ما اسميته قبل ذلك الخيار الصفري الاسرائيلي” إما استمرار الاسد أو فليدمر البلد وعلينا تغطيته”. لأنه كان واضحا ان الثورة قد قطعت شوطا، وبالتالي كان على إسرائيل ان تغطي الاسد في جريمته، في حال سقط نظامه تكون سورية في مرحلة ما قبل الدولة سياسيا، ومدمرة بالكامل. وإذا لم يسقط يصبح ملكا لاسرائيل!! في جانب من هذا الموقف كان هنالك توافقا مع الاستراتيجية الاوبامية. وربما هي أعمق من اوباما بكثير. ملاحظة بسيطة: الخطاب الامريكي كان يحاول أن يتحدث عن عدم وحدة المعارضة، وحقوق الاقليات، وبناء على ذلك أيضا تقدم خطاب ما يعرف بتحالف الاقليات عبر الاعلام اللبناني المرتزق ايرانيا وغير أيرانيا، والخوف من الارهاب. روسيا وعلى لسان مديفدييف وبوتين ولا فروف أنه لايمكن انتصار الثورة، لأن السنة ممثلين باخوان سوريا!! هم من سيأتي للحكم. مع أن الروس في مصر قد باركوا للاخوان ولمرسي فوزه بالانتخابات وكانوا بصدد اقامة تحالف معه. وكلنا يذكر زيارة مرسي لموسكو. وهذا موقف ينطبق على إيران أيضا آنذاك لأنها اول دولة زارها بعد ادائه القسم. وهنا نسجل مفارقة بسيطة: إيران وحلفائها كانت محظية عند مرسي والاخوان في مصر. وبقيت محظية عند المجلس العسكري بقيادة السيسي بعد الانقلاب. رغم امتعاضها من انقلاب السيسي. كما ان موقف الاخوان ومرسي من الثورة السورية في المحافل الدولية، متطابق تماما مع موقف السيسي وانقلابه. خاصة لجهة رفض التدخل الدولي لحماية الشعب السوري، والصمت إن لم يكن المستهمة بشكل غير مباشر في تعويم المجرم عربيا، وليس أدل على ذلك تحفظ خجول لمصر مرسي وتحفظ واضح لمصر السيسي على اعطاء مقعد الجامعة العربية للائتلاف واعتباره ممثلا وحيدا للشعب السوري. الجميع يذكر مبادرة مرسي الرباعية لحل الازمة السورية حيث وضع روسيا وإيران في المقدمة ومن ثم تركيا. بعد استعراض مكثف وسريع لمواقف هذه الاطراف الفاعلة في الوضع السوري، نأتي لنستخلص الادوات الرئيسية التي ساعد هؤلاء جميعا لكي يستخدمها الاسد في جريمته: السلاح أولا وثانيا مترافقا مع اطمئنان شبه مؤكد من قبل الاسد بأنه لايوجد سيناريو ليبي ولا عراقي، لن يتدخل المجتمع الدولي لوقف الجريمة وهذا ماصرح به الاسد في أكثر من مقابلة. السلاح قصته محلولة لأن النظام الاسدي راكم سلاحا منذ اربعة عقود لم يستخدم. والحاجة الجديدة له مؤمنة روسيا بمال ايراني. وبغطاء دولي من عدم الاحتجاج على استمرار توريد السلاح للقاتل. ثالثا سلعة الارهاب الاسلاموي والقاعدة، يقابلها تسعير طائفي لم تشهده البلاد في تاريخها القديم والحديث والمعاصر. تسعير خطاب حول تحالف الاقليات. كلها مضمونة في عناصر الخطاب الامريكي تجاه الثورة. المعنى الذي يحاول بعضنا طمسه، أن ما ما يسوق في الاعلام العالمي خدمة لنظام الاسد يعود لمهارة الفريق الذي معه او الدول الذي تدعمه والقصد ايران وروسيا. مع أن الامر بالنسبة للدول الغربية ليس عبارة عن ساحة لا يعرفوا ماذا يحدث بها، بل يعرفون أنها جريمة يرتكبها الاسد بحق الشعب السوري، ويحتاجون لتبريرها أو لتغطيتها، وليس لتفسيرها، لهذا رغم تقصير المعارضة لكن مهما فعل الشعب السوري، حتى لو صار كله ليبراليا وعلمانيا، سيتركه الغرب يذبح. لهذا ما يتم تسويقه هنا اسطوانة مشروخة، حول تحميل المعارضة مسؤولية ما يبثه الاعلام الغربي عموما. لنتحدث الآن عن هذه الادوات.
السلاح لم نعد بحاجة للحديث عنه، فملفه معروف أن هذا النظام الغاشم، لايعرف غير لغة السلاح،لهذا ومنذ عقدين ونحن نطالب بموقف دولي من هذا النظام. وطالبنا بتدخل دولي منذ اليوم الأول للثورة. السلاح لديه موجود، ومن يستخدمه في قتل شعبه موجود.
الارهاب:
هنالك نوعين من الارهاب الاسلاموي الأول تخلقه وخلقته أنظمة الاستبداد لكي تتبادل عبره المصالح مع الغرب، ولكي تستخدمه ضد بعضها، وضد شعوبها، ولتخويف شعوبها، ولابتزاز الغرب بالوقت ذاته. مثال فتح الاسلام في لبنان المدعومة سوريا، والطليعة المقاتلة في الثمانينيات في سورية سلاحها عراقي، جماعة التكفير والهجرة في مصر الثمانينيات، كانت مدعومة من النظام السوري والليبي، مثال آخر من وحي ما يدور الآن، عندما واجه ميشيل عون الجيش الاسدي في لبنان بالسلاح في نهاية الثمانينيات كان دعمه من النظام العراقي آنذاك، بعدها انشغل النظام العراقي في قضايا أخرى، وتوقف الدعم فخرج عون لاجئا بلباس نومه إلى السفارة الفرنسية في بيروت، والآن يقف مع نظام الاسد فيما عرف بلبنان بتحالف الاقليات. هذه التخلقات المحدودة التأثير- زبائنية وعابرة- كانت عنصرا رئيسيا من عمل استخبارات هذه الانظمة في العالم الاسلامي. أما تنظيم القاعدة الدولي وتفرعاته، لايمكن لدولة أن تدعم القاعدة أو تقيم علاقة معها أو مع أحد فروعها، إلا بموافقة أمريكية أو لابتزاز امريكا، أو لتخويف نظام آخر. القاعدة كانت استثمارا امريكيا خليجيا باكستانيا لحظة تأسيسها، بعد 11 سيبتمبر 2001 تفجيرات نيويورك، انتقلت لتصبح استثمارا ايرانيا اسديا.
ليس كل مجموعة من البشر تعتنق ايديولوجيا متشددة قادرة على انتاج تنظيم مسلح، يستطيع اقلاق راحة دول بكاملها، هذه كذبة دموية المراد منها قتل طموحات الشعوب للحرية والكرامة والعدالة. لا يوجد مجتمع بشري في التاريخ يخلو من مجموعات متطرفة، من انساق ايديولوجية متطرفة، المجتمع السوري في تاريخه لم يعرف التطرف إلا بعد ان ادخله نظام الاسد إلى بنيته، وبقي حكرا على اقليات مبعثرة هنا وهناك، لاتستطيع أن تنتج أي تنظيم مسلح، حتى في احداث الثمانينيات التي شهدتها سورية، كان السلاح مصدره النظام العراقي، كما كانت المجموعات المتطرفة في لبنان والعراق مصدر دعمها بالاسلحة من قبل النظام الاسدي، هذه قضية لاتحتاج للشك في بداهتها. المثقفون انشغلوا في تحليل الانساق الايديولوجية للقاعدة وللاسلام السياسي عموما، وتركوا النظام وطبيعة تكوينه وممارساته. مع أنه على أهمية ما قدمه ويقدمه المثقفون إلا أنه لايمكن أن يربح هذا السوق الثقافي المفتوح على مصراعيه للنوايا الحسنة والنوايا السيئة، لايربح دون الاخذ بعين الاعتبار متطلبات الحقل السياسي، طبيعة السلطة الاسدية والبنية الاستخباراتية في تحول الايديولوجيات هذه في بعض مناطق العالم إلى تنظيمات مسلحة.
لا أحد يجيب عن سؤال لماذا دخلت داعش العراقية لسورية وكيف؟ لكنها دخلت وقمعت الثورة.. ولا احد يجيب لماذا استطاع النظام استخدام الغالبية الساحقة من رجال الطائفة كقاتل وكيف؟ لكنه استخدمها والدم شلال. الارهاب استثمار ايراني اسدي قبل الثورة بعقد من الزمان. هذا تعرفه امريكا ويعرفه الغرب، يعرف مداخله ومخارجه. من استطاع الوصول لبن لادن لا يعجز عن الوصول لداعميه، على الأقل معرفتهم. لهذا الارهاب سلاح استخدمه نظام الاسد وداعش نموذجا. الخلاف بين داعش والنصرة على النفوذ. لكن بالمقابل القاعدة ليست جمعية خيرية، فكما يستخدمها الاسد وإيران هي تستخدمه أيضا، وتحاول بناء كيانها. فوقع الشعب السوري وثورته ضحية لهذا التعقيد في لوحة التعامل مع الارهاب الدولي. ثمة أمر آخر أن كل اوروبا ودولها تعرف جيدا نشاط القاعدة وعناصرها في اوروبا من هم مقاتلوها ومن يجند الشباب هناك للذهاب لاماكن تواجد القاعدة في النقاط الساخنة*. بالسلاح والارهاب تدمير كل البنى التي يعتقد الاسد أنها كانت حاضنة للثورة، وبطريقة ميكافيللة تماما ووحشية، وارتكاب جرائم ضد الانسانية، لن تنساها الانسانية، لأنها تحدث لأول مرة بالتاريخ، ان يدمر نظاما سياسيا شعبه وبلده بهذه الطريقة. يعتبرها خطوة ذكية ترك الارهاب يغزو البلد!.
ظهور التيارات الجهادية وتنظيماتها المسلحة له عدة أسباب اهمها:
الأول- الموقف الدولي الذي بينته اعلاه، والذي لعب على الارض على شق التمثيلات السيادية للثورة، وخاصة الجيش الحر.
الثاني- رفض معظم القوى التي تدعي اليسارية والعلمانية الاعتراف المنخرط في الثورة، وعدم تبنيها مطالب الشارع في طلب التدخل الدولي، واخذت تراهن على القوى الدولية في إيجاد حلول سياسية مع المجرم، هي ابعد ما تكون عن روحية الثورة، خاصة بعد اعداد الشهداء والمعتقلين من المتظاهرين المدنيين. لهذا تلقفت القوى الدولية مشاريع هيئة التنسيق، وخطابات قيادات المجلس الوطني في رفضهم للتدخل الدولي والدخول في لعبة الجامعة العربية، توج هذا الامر اخيرا بمجيئ الشيخ معاذ الخطيب رئيسا لائتلاف يرفض وضع سورية تحت البند السابع في مجلس الامن، ويحاول انقاذ دمشق من التدمير كما يدعي بعض محازبيه وداعميه أيضا.
الثالث- عدم وجود مثقفين ومعارضين يساريين او قوميين!! كي يقودوا الجيش الحر وكتائب المتطوعين لاحقا، وفشل مؤسسات المعارضة السياسية بالتعاطي مع الجيش الحر وحركيته..حركة الانشقاق والتطوع عفوية ذات بعد انساني وانتماء للبلد، لما كان يتم من مذابح وتدمير ونهب، أي ان حركة الانشقاقات في صفوف الجيش جاءت نتيجة مباشرة لعنف العصابة الأسدية.
الرابع- عدم التنسيق بين الجهات الداعمة للثورة.
خامسا- فشل المعارضة السياسية المتمركزة باستنبول في قيادة الحراك على المستويين السياسي والعسكري.
*****
ما كان ممكن للسلاح والارهاب في تكوين النظام الاسدي دون استخدام عنصر تكويني آخر فيه وهو الورقة الطائفية. ستكون موضوع مادة مستقلة…
__________
*دراسة صادرة عن المركز الدولي لدراسة التطرف بالجامعة الملكية في لندن منتصف أبريل 2014 أكدت تصاعد اعتماد التنظيمات الجهادية في سوريا علي مواقع التواصل الاجتماعي في تجنيد متطوعين، حيث استقطبت تلك التنظيمات ما لا يقل عن 11 ألف مقاتل أجنبي، من بينهم 1900 متطوع من دول أوروبية، ويأتي علي رأس القائمة المتطوعين مواطنين فرنسيين الذين وصل عددهم نحو 421، تليها بريطانيا بنحو 366، ونحو 269 من بلجيكا، و249 من ألمانيا، وأكد التقرير أن الصراع الدائر في سوريا يعد الأول من نوعه تاريخياً في استقطاب المقاتلين عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وأشارت الدراسة إلى أن تتبع صفحات 190 مقاتلاً غربياً في سوريا كشفت عن دور محوري لبعض الدعاة في الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا في الترويج للأفكار الجهادية وتحفيز شباب المسلمين بالدول الغربية على التوجه للجهاد في سوريا، وتوصلت الدراسة إلى أن 61.5% من بين الحسابات الأنشط في تجنيد المتطوعين تتبع تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ونحو 17.5% من الحسابات تتبع جبهة النصرة، بينما لا يتجاوز نصيب الجيش السوري الحر ولواء التوحيد وأحرار الشام نحو 2% من تلك الحسابات الالكترونية. كما لوحظ تفاوت مدى الإقبال على الأفكار التي تروجها الصفحات الجهادية بين مرتاديها من المتعاطفين حيث وصلت هذه النسبة إلى 25.4% في بريطانيا، تليها فرنسا بنسبة 14%، وألمانيا بنسبة 12.3%، والسويد بنسبة 8.8%، وهولندا بنسبة 7%، وبلجيكا بنسبة 5.3%، بينما تمثل دول أوروبا الشرقية، خاصةً ألبانيا والبوسنة وبلغاريا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا مجتمعة 6.1% من المستجيبين لخطاب الدعوة إلى الجهاد في سوريا. في السياق ذاته، رصد تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط لدراسات الإعلام بواشنطن في 18 أبريل الماضي تحولاً هيكلياً في نمط الخطاب الذي توجهه التيارات الجهادية بهدف اجتذاب المتطوعين، إذ تصاعد التركيز على صناعة صورة أكثر جاذبية عن الجهاد في سوريا بالتركيز علي قدرة ممارسة حياتهم العادية مثل استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة والإفادة من بعض المزايا مثل غنائم الحرب وتيسيرات الزواج وإمدادات الطعام والسيارات الخاصة، فضلاً عن التركيز على تصوير لحظات تلقائية تتضمن أنشطة اجتماعية عفوية جذابة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وانستغرام ويوتيوب- من مادة للكاتب هشام منور.

Leave A Reply