في حضرة الموت

د. ممتاز الشيخ- مجلة بناة المستقبل ع9/حزيران 2014      

في حضرة الموت 1

(من وحي مجزرة موحسن 20-6-2014)

 سنموت كلنا بعد قليل…هكذا ظل يتكرر صدى العبارة التي قالها أحد صغاري بصوت متهدج بين النشيج والبكاء، قالها بعد أن اهتز عرش المكان وحين عاودت الطائرة الحربية غاراتها، آنذاك دبّ الرعب في أرجاء المكان كله، بيوت القرية الطينية البسيطة غير معدّة لمثل تلك مواجهة فجدرانها توشك أن تقع عند دوي أية قذيفة وحين تحوم الطائرات فوقها.

الأطفال، كما العصافير وقت برد وظلام، تجمّعوا حولي كما يجمع المغناطيس برادة الحديد وقد بدؤوا  يتباكون ويتمسكون بشدة في تلافيف ثيابي ويلتصقون بجسدي .أطرافهم ترتجف رعباً وعيونهم تفيض بأسئلة لا تنتهي.

عليّ أن أتحلى بالثبات في كل التفاصيل لعلّ ذلك يمنحهم جرعة من الطمأنينة، ليس لدي الكثير لتبديد حالة الهلع. أشعر في تلك اللحظة بثقل مسؤوليتي عن حمايتهم.. ليتهم يدخلون جوفي، وليتني لا أرى ارتجاف أطرافهم الغضة، وليتني لا ألحظ الأسئلة في عيونهم التي تتابع التفاصيل كلّها.

لا يسعني أن أزجرهم الآن فليس هذا الوقت المناسب، أجول بناظري في المكان بحثا عن زاوية أكثر أماناً، مع أنني أدرك تماماً عبث المحاولة من حيث المنطق. أنت كما لو كنت في العراء حيثما اتجهت.

في حضرة الموت 2

كل شيء صار يسهم في شد حبال التوتر في هذه اللحظة – الدواب هاجت وصارت تصدر أصواتاً غريبة على غير عادتها..جامع القرية بدأ بالتكبير والابتهالات التي توحي باقتراب النهاية.

خطرت ببالي حيلة بسيطة  تلخصت في مشاغلة بعض الحواس الخمس المسؤولة عن نقل كل هذا الرعب إلى أدمغة الأطفال!!. أدخلتهم إلى مكان لا ترى من خلاله الطائرة الحربية حتى لو اقتربت. رفعت صوت الأغنية الأولى التي عثرت عليها في هاتفي النقّال والأقرب إلى إبهامي في تلك اللحظة، رائحة المكان مثل رائحة القرية كلها لا يمكنني فعل أي شيء نحوها وضممت الصغار إلى صدري  وطوقتهم بذراعي كي أوجه حاسة اللمس صوب الأمان، طعم الموت الذي يهابه الصغار لم يفارق القرية منذ بدء الأزمة في البلاد.

لا شك أنهم يعتقدون الآن أن وقع الحياة كله هكذا في البلدان كلها، وأن الأطفال كلهم يجتازون مثلهم يومياً هكذا امتحان. لا يسع من تفتحت عيناه ومداركه الأولى بعد 2011 أن ما يشهدوه لم يجر مثله في أي بقعة من العالم إلا ما ندر .

صمتت الأغنية فجأة، بقيت مصرّاً أن أشتت مسامعهم عن صوت الطائرة التي تغير، واستعضت عن الأغنية التي صمتت بحكاية عن أحداث مشابهة وقت الغارات الإسرائيلية خلال حرب 1973وكنت أضاعف من صوتي وحدة أحداثها كي أقنعهم بأنني كنت في مثل موقفهم ذات لحظة حين كنت في مثل أعمارهم وها أنا نجوت ومازلت حياً.

ابتعدت الطائرة الحربية وراح هديرها يتلاشى في الأفق، استرخت قبضات الأطفال التي تمسك بجلدي وثيابي، وقبل أن يتمدد مشهد الاسترخاء هذا داهمنا من الجهة الغربية للقرية عويل نساء ما لبث أن تضاعف خلال ثوان بفعل اتجاه الريح، واختلط صياحهن مع أصوات رجال تستغيث وتدعو، كلمة واحدة كانت يتكرر صداها أكثر من غيرها “الفزعة.. الفزعة”. كل شيء يجري بشكل غريزي، أركض أنا مع الجميع دون سؤال، رجال ونساء يسبقهم شباب على دراجاتهم النارية اتجهت إلى مصدر العويل. جثث متفحمة وأشلاء متناثرة لأجساد آدمية تملأ المكان الذي كان قبل قليل مكان عزاء يجمع رجال القرية لمواساتهم أهل الشهيد الذي صار ركاما الآن، بعض من جاء للمواساة لحق بمن جاء لمواساة أهله.

يطالبني الصغار بين فينة وأخرى أن أعيد على مسمعهم قصة احتمائي من الغارة الإسرائيلية كما سمعوها تلك اللحظة، وحيثما اجتهدت في إعادة ترتيب مادة الحكاية يردد الصغار باستنكار لا لا لم تكن هذه هي القصة!

في حضرة الموت 3

لا أتذكر شيئاً مما قلته ساعتها ولا تمكنت ذاكرتي من استعادة حبكة الحكاية التي استوحيت أحداثها من صورة قريتنا أيام حرب 1973 يومها كانت القرية، حقيقة، قصية عن مسرح الحرب ولم يطلها أي قصف، كيف اقتربت الآن لا أدري؟! والصورة اليتيمة التي تستجمعها ذاكرتي عن تلك الأيام كانت لوالدي وجيرانه الرجال وقد تجمّعوا حول الراديو الوحيد حينها لعلهم يلتقطون أخبارا عن مسار الحرب، أذكر أنهم كانوا يتحلّقون حول الراديو كما تحلّق صغاري حولي الآن مع فارق الرعب والمسافة الحقيقية عن الموت.

كيف أقنع صغاري الآن أن الموت لم يكن آنذاك قريبا منّا ولا من كثير من القرى وأن حمم القذائف لم تصلنا ولم نسمع صليلها ولم نر الطيران فوق سماء القرية. وماذا سأقول لو سألوني ألم نكن أعداء حينها؟ وكيف صرنا الآن أعداء؟!

شاهد أيضاً

فرات نجيب : عن الكراهية بين السوريين

  فرات نجيب – مجلة رؤية سورية / ع 51   نيسان  2018م بلى.. زرعها النظام بين أطياف …

اترك تعليقاً