جرائم الحرب في إعلام النظام الأسدي!

فؤاد المداد– مجلة بناة المستقبل ع9/حزيران 2014

Untitled-300x213في سوريا  اليوم ، تتجسد كل الصراعات بين الإنسان ومن يفترض أن يكون أخاه الإنسان ،أخاه في الوطن والدين، صراعات بين الإنسان والحياة وسط مزيج عجيب تختلط فيه أصوات الضحايا الأبرياء بأصوات طيارين مجرمين وضحكاتهم وهم يلقون براميل حقدهم على من غنى لهم يوماً حماة الديار، ظناً منهم أنهم سيحمون ديارهم من أعداء لم يسمعوا عنهم إلا في الخطابات الرسمية والكتب المدرسية .

فعاشوا حرباً مفترضة على جبهة ساكنة منذ أربعين عاماً ، عاشوها في لقمة يومهم البسيطة ، في ثياب مدرستهم العسكرية التي كان السوريين يرون فيها أنها بروفا لمعركة يحضر لها نظام الممانعة لابد أن يأتي وقتها المناسب الذي طال انتظاره ، أما مكانها فهو هناك في الجولان المحتل، ومن ثم سيكملون زحفهم إلى فلسطين التي ظلت تعيش في وجدان السوريين ولم تفارق مخيلتهم ، وفي إعلامهم الرسمي الذي  كان يذكرهم في كل يوم أنهم في حالة حرب ، وأن سوريا ستبقى قلعة المقاومة ومحطة لينطلق منها قطار التحرير العربي .

وعندما استفاق السوريون يوماً وقرروا أن يتولوا بأنفسهم زمام المبادرة ، واكتشفوا أنه لابد من تحرير أنفسهم وبلدهم أولاً من نظام أصبح في نظرهم لا يختلف بممارساته وتصرفاته عن العدو الإسرائيلي ، لا بل تفوق عليه بمراحل ، اكتشفوا أن مكان المعركة التي كان يحضر لها النظام والتي دفعوا ثمن سلاحها من جيوبهم ، هو هنا ، في سوريا ، وأن العدو بالنسبة للنظام كان  وسيظل الشعب ، إن فكّر يوماً بالثورة على جلّاده ، وأن سوريا بشامها وحلبها وحمصها وديرها وحورانها وساحلها وجزيرتها ستكون هي الجبهة ، هي الأرض المحتلة في فكر النظام وهي التي ظل يعد العدة لها مذ تولى الحكم .

حشد النظام كل أسلحته في مواجهة الشعب الثائر، لم يوفر وسيلة ، لقمع الشعب ومحاولة إعادته إلى حظيرة مزرعته ، وما لم يتوافر لديه قام  باستيراده من الخارج ، عتاداً ورجالا ً. حتى الإعلام قام النظام بتحويله إلى سلاح في وجه السوريين فمنذ اليوم الأول قرر النظام أن كل مقدرات الدولة المادية والبشرية ستستخدم في مواجه السوريين ، على رأسها إعلامهم الرسمي الذي تحوّل على يد النظام إلى سلاح قتل للسوريين لا يقل ايلاماً وأذية ً عن العتاد العسكري ، فجند النظام الإعلام  العام منه والخاص لمحاربة السوريين والسخرية من حراكهم ومطالبهم في البداية ، واهانتهم  ومحاولة النيل من شرفهم ودمائهم في مراحل لاحقة فكان بحق سلاحاً قذراً بكل معنى الكلمة.

ولكي يتحقق للنظام هذا الأمر كان لابد له من إجراء عمليات فرز وتصفية للعاملين في المجال الإعلامي ، كي لا يبقي إلا من يؤمن بنظرية النظام : بأن الثورة مؤامرة مُمولة من الخارج لا سيما دول الخليج العربي وعلى رأسهم السعودية وقطر وبدعم أمريكي إسرائيلي لمعاقبة سوريا على موقفها المعادي للكيان الصهيوني والداعم للمقاومة ،  وأن الثوار هم مجموعات إرهابية مسلحة جل عناصرها من المتطرفين غير السوريين  لا يهدفون سوى إلى قتل السوريين . كان الإيمان بهذه النظرية هو الأساس والحكم للفصل والتفضيل بين العاملين في قطاع الإعلام وكل من لا يؤمن بها  لابد من إبعاده بالتضييق عليه بغرض دفعه للهرب ، أو باعتقاله ،أو تصفيته إن لزم الأمر .

لكن النظام لم يكتفي بهذا ، حيث لجأ فيما بعد إلى إضافة عنصر آخر لاختيار الإعلاميين والمراسلين ، هذا طبعاً إن صح أن نطلق عليهم تسمية إعلاميين ، ألا وهو الطائفة ، فالمتابع لإعلام النظام سيلاحظ أن معظم إعلامييه ينتمون إلى طائفة وواحدة ووحيدة وهي الطائفة العلوية ، فهؤلاء لا يشك بولائهم ويؤمن جانبهم ، ولن يقعوا بما قد يراه النظام محاذير ، فبالإضافة إلى تأييدهم للنظام بالفطرة ، هم جزء من طائفة تكتلت بغالبيتها العظمى حول النظام ، وجندت كل قدراتها المادية والبشرية في الدفاع عنه ، كل بحسب إمكانياته وكفاءاته ، بدءاً من الشبيح وليس انتهاءاً بالطبيب أو المهندس وأستاذ الجامعة مروراً بالطبع بالعاملين في مجال الإعلام والصحفيين ، فكان لابد من تجنيدهم في معركة النظام ، ولما لا ، فالنظام يعي جيداً أهمية المعركة الإعلامية في حربه اليوم ، فيما يمكن أن نطلق عليه تطييف الإعلام ، هذا لا ينفي بالطبع وجود بعض الاستثناءات كانت الأولوية فيها لأبناء الأقليات ومن ثم أبناء الطائفة السنيّة .

فهاهم مراسلو النظام  يشاركون في كل الجبهات مثلهم كمثل المقاتل ، فتراهم لا يفوتون الفرصة للمشاركة في أي معركة  ليتركوا بصمتهم ويثبتوا وجودهم  فيما يسمونه على صفحاتهم الحرب على الإرهاب ، و ويحضرون في مراسم دفن المناطق السورية الثائرة  بمن فيها من “إرهابيين” ، فلا أحد في سوريا  يستحق الحياة في نظرهم  إلا مؤيدي النظام الأسدي أما المطالبين بالحرية والحياة الكريمة وبسوريا الحرة  فلا مكان لهم في سوريا الأسد . في مشهد تشبيح إعلامي لم يشهد له التاريخ مثيلا، أن يشارك إعلام رسمي يفترض أن يكون وطنيا ً في تغطية حملة قتل سوريين آخرين بدل أن ينقل معاناتهم ومشاهد استباحة دمهم على يد نظام يدعون أنهم ذاقوا منه أكثر من كل السوريين ويعلمون جيداً بحكم عملهم حجم فساده وإجرامه ، وتلاعبه بمشاعر السوريين واحتراف الكذب عليهم في كل شيء حتى فيحالة الطقس .

وفي الحقيقة يعجز العقل في بعض الأحيان عن تصديق قدرة إعلام النظام على تفريخ هذه الكم الهائل من المجرمين ، فكلما ظنَّ السوريون أن إعلامياً ما أو مراسلاً من مراسلي إعلام النظام هو الأٌقذر والأكثر دناءة يأبي إعلام النظام إلا أن يقدم لنا سلعة جديدة تنافس من قبلها  ، فمن من السوريين ينسى ذلك اللقاء الشهير لمراسلة النظام مشلين عازر بعد دخول قوات النظام إلى داريا وارتكابها مجزرة كبيرة فيها ، عندما أجرت لقاءاً مع امرأة مسنة كانت تحتضر بعد إصابتها بقصف النظام على المدينة ، تبعه لقاء مع طفلي تلك المرأة التي استشهدت فيما بعد ، في صورة تعبر عن مدى السفالة والحقد التي يمكن أن يصل إليها نظام في معاملة شعبه .   

وهل سينسى السوريون كندة الخضر التي قدمت تقريرها أمام جثث  أكثر من ستين شاباً حمصياً كانوا قبل ساعات يتنفسون هواء ذات  المدينة التي تحضنها لمهازل القدر مع أبطال طاهرين حاولوا فك الحصار وإدخال القليل من الطحين لمدينتهم المحاصرة منذ ما يقارب الثلاث سنوات . في مشهد لا يمكن أن تراه على إعلام في العالم ، دون أي مراعاة أو اعتبار لأي قيمة إعلامية أو صحفية أو إنسانية مصحوباً بكلام اقل ما يمكن أن يقال عنه فاشي أو نازي لا يمت للإنسانية بأي صلة .

 وهل سينسى السورين المشهد الذي  يطل فيه مراسل إعلام النظام التشبيحي ، أوس حسن ، وهو يرفع شارة النصر من داخل قمرة قيادة مروحية إلى جانبه برميل سيلقى بعد لحظات ليحصد أرواح العشرات و يدمر عشرات البيوت الآمنة ويشرد المزيد من سكان مدينة حلب ، في سياق حرب النظام البرميلية على أحياء حلب المحررة لينضم إلى جوقة إعلاميين تضمه إلى جانب شادي خلوة وغيرهم من مجرمي إعلام النظام السوري ، الذين لا يوفرون جهداً لإهانة السوريين ، بدل أن يكونوا صوتاً للسوريين وينقلون معاناته اليومية مع الموت والحرب وإجرام النظام .

 باختصار ، لن أبالغ أن قلت بأن قسماً كبيراً من السوريين اليوم باتوا ينظرون إلى إعلام النظام ومراسليه ، كإعلام عدو، واختفت من مفرداتهم كلمة الإعلام السوري فبات بالنسبة لهم إعلاماً حربياً مجرماً فاشياً بامتياز ، يبرر قتلهم وانتهاك حرماتهم ، ولن أبالغ إن قلت أن مراسلي النظام وإعلامييه  أصبحوا في نظرهم قتلة ومجرمين ،لا يختلفون بشيء عن شبيحة النظام ، وينتظرون اليوم الذي سيحاكمونهم فيه كمجرمي حرب ، وهذا ما تكفله لهم اتفاقية جنيف الرابعة التي تصنف معظم ممارسات إعلام النظام كجرائم حرب يجب أن يُلاحق ويُحاسب كل المسؤولين المتورطين في ارتكابها .

شاهد أيضاً

باسل الحمصي: جميل مردم بك ١٩١٧ – ١٩٦٠

  باسل الحمصي -مجلة رؤية سورية ع 44/ حزيران 2017م صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل …

اترك تعليقاً